كتاب البيوع 21

الدرس في كتاب البيوع 21، ألقاها

تعريف العراية وأحكامها العامة

العراية هي عطية ثمر النخل دون الرقبة، ورخص النبي في بيعها لمن يأكلها رطباً إذا كانت دون خمسة أوسق. كانت حلاً للفقراء في الجدب.

تفاصيل بيع العرايا والخلاف حوله

الجمهور أجازوا بيع العرايا بشروط، وهناك خلاف بين العلماء في هذه المسألة. يُشرح المفهوم والشروط والأحكام المتعلقة ببيع العرايا.

أحكام بيع النخل والعبيد وما يترتب عليه

يتناول شرح حديث رسول الله حول بيع النخل والعبيد وما يترتب عليه من أحكام تتعلق بملكية الثمار أو المال، مع تفصيل الشروط والأحكام.

ترجيح رواية سالم عن ابن عمر في الحديث

البخاري رجح رواية سالم عن ابن عمر المرفوع، حيث روي الحديث على وجهين: مرفوعاً وموقوفاً، ويظهر هذا الترجيح في كتب الحديث.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمدا كثيرا مباركا فيه ما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، قال الإمام عبد الغني المقدسي رحمه الله تعالى في كتابه «عمدة الأحكام»، باب العراية وغير ذلك. باب العراية وغير ذلك، أي أنه تكلم على المسائل المتعلقة بالعراية، وكذلك ذكر ضمن هذا الباب غيرها من المسائل. والباب كما مر معنا مرارا معناه في اللغة المدخل، وهو على قسمين: مدخل حقيقي ومدخل معنوي. والمدخل الحقيقي هو المعروف، مدخل البيت، مدخل المسجد معروف. والمدخل المعنوي هو الدخول والشروع فيما تضمنه ذلك الباب من المسائل. وقولهم: ها هنا باب العرايا، مدخل في الكلام على مسائل العراية. وقال: وغير ذلك، أي وغيرها كذلك من المسائل التي سيأتي ذكرها بإذن الله جل وعلا عند الأحاديث المذكورة تحت هذا الباب. قوله رحمه الله تعالى: العراية، العراية جمع عرية، وهي عطية ثمر النخل دون الرقبة. كان العرب في الجدب يتطوع أهل النخل بذلك لمن لا ثمرة له أو لمن لا ثمر له، يعني هذا في حال جدب، كان العرب يتطوعون ببعض النخل أو ثمار بعض النخل، يجعلونها هبات لأولئك، الثمار دون الرقاب، أي دون النخلة، فيستعين بها من لا ثمر عنده بسبب الجدب. قالوا: وهي عطية اللبن دون الرقبة. قال حسان بن ثابت رضي الله عنه فيما ذكره ابن التين: «ليست بسنهاء ولا حبيبة، ولكن عراية في السنين لجوائح». ومعنى سنهاء: أن تحمل سنة دون سنة، سنهاء إذا كان بعض النخل سنه يكون فيها ثمر، وسنة ليس فيها ثمر، سمى سنهاء. ولا حبيبة، قالوا: ولا رحبية. والرحبية هي التي تدعم حين تميل من الضعف، بعضها من الضعف، ربما مالت. قوله: قال رحمه الله تعالى: أو قال أهل اللغة رحمهم الله، والعرية والعرية، فعيلة بمعنى مفعولة أو فاعلة بمعنى مفعولة أو فاعلة. يقال: عرى النخل بفتح العين والراء يعروها إذا أفردها من غيرها، إذا أفردها من غيرها بأن أعطاها الآخر على سبيل المنحة ليأكل ثمرها، وتبقى رقبتها لمعطيها. قال الحافظ رحمه الله تعالى: واختلفوا في المراد بها شرعا، أي ما معنى العطية شرعا؟ قال ابن الأثير رحمه الله تعالى في «النهاية»: واختلف في تفسيرها، فقيل: إنه لما نهى عن المزابنة، وهي بيع الثمر في رؤوس النخل بالثمر، رخص في جملة المزابنة، رخص في جملة أي من جملة المزابنة في العراية، وهي أن من لا نخل له من ذوي الحاجة يدركه الرطبة ولا نقد بيده يشتري به الرطبة لعياله، ولا نخل له يطعمهم منه، ويكون قد فضل له من قوته تمر، فيجيء إلى صاحب النخل فيقول له: بعني ثمر نخلة أو نخلتين بخرصها من التمر، فيعطيه ذلك الفاضل من التمر بثمر تلك النخلات ليصيب من رطبها مع الناس. فرخص فيه إذا كان دون خمسة أوسق. وهذا من أحسن التعارف على طوله، لكن يوضح لنا صورة العراية، وأنها مستثنى من مسألة المزابنة، المزابنة التي مرت معنا: بيع ثمر بالتمر، استثنى منها العراية للحاجة ولمن لا نقود له، لا مال له، كما سيأتي بإذن الله جل وعلا عند الكلام على شروطها. قال الإمام ابن قدامة رحمه الله: والعراية التي أرخص فيها الرسول صلى الله عليه وسلم هو أن يوهب لإنسان من النخل ما ليس فيه خمسة أوسق، فيبيعها بخرصها من التمر لمن يأكلها رطبا. فهذا تعريفها، أو من أحسن تعريفها. ذكر الإمام عبد الغني رحمه الله تعالى تحت الباب المذكور أحاديث، منها: عن زيد بن ثابت رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رخص لصاحب العرية أن يبيعها بخرصها، ولمسلم: بخرصها تمرا يأكلونها رطبا. وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم رخص في بيع العراية في خمسة أوسق أو دون خمسة أوسق. قوله: رخص، الراء والخاء والصاد أصل أي في اللغة في لغة العرب يدل على لين وخلاف شدة. والرخص في الأمر خلاف التشديد. والرخص في الأمر خلاف التشديد، أي الأمر يكون في أمر فيقال: رخص فيه، أو ناهي فيقال: رخص فيه، فيكون خلاف ذلك التشديد الموجود في الأمر أو الناهي. قال الحافظ رحمه الله تعالى: واختلفوا في المراد بالرخصة شرعا. قال الطوفي في «مختصره»: أجود ما يقال في الرخصة: ثبوت حكم لحالة تقتضيه مخالفة مقتضى دليل يعمها. ذكر هذا صاحب «الكوكب المنير». قوله: خمسة أوسق، يعني رخص في عراية في خمسة أوسق. الوسق ستون صاعا، والصاع أربعة أمداد بالمد النبوي، فالخمسة أوسق تساوي ثلاثمائة صاع. وقد تقدم الكلام على مسألة الوسق وكذلك المد في أبواب الزكاة. في هذه الحديثين مسائل: المسألة الأولى حكم بيع العراية. ذهب أكثر أهل العلم إلى إباحة بيع العراية بالجملة، منهم مالك وأهل المدينة والأوزاعي وأهل الشام والشافعي وأحمد وإسحاق وابن المنذر. وقال أبو حنيفة: لا يحل بيعها، لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع المزابنة، والمزابنة بيع الثمر بالتمر، متفق عليه. قال: أولي أنه بيع الرطاب بالتمر من غير كيل أحدهما، فلم يجز كما لو كان على وجه الأرض أو فيما زاد على خمسة أوسق. ووضح هذا أن يقول أبو حنيفة: كيف جوزتم هذا وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن المزابنة؟ وقد تقدم الكلام عن المزابنة. والصحيح قول الجمهور بأحاديث الباب وغيرها مما في معناها. وكما قيل: إذا جاء نهر الله بطل نهر معقل. قد رخص الذي نهى هو الذي رخص الذي نهى عن المزابنة هو الذي رخص في العرايا، فلا إشكال في ذلك. المسألة الثانية: ما هو مقدار الجائز في العرايا؟ قال ابن قدامة رحمه الله: إنها لا تجوز في زيادة على خمسة أوسق بغير خلاف نعلمه. وتجوز فيما دون خمسة أوسق بغير خلاف بين القائلين بجوازها. المسألة الثالثة: شروط بيع العراية. ذكر العلماء رحمهم الله تعالى له شروطا خمسة: الشرط الأول: أن لا يجد ما يشتري به سوى هذا التمر، فإن وجد ما يشتري به سوى هذا التمر كالدراهم والثياب والحيوان وما أشبه ذلك، فإنه لا يجوز أن يشتري رطبا بتمر. الشرط الثاني: أن تكون من خمسة أوسق فأقل. والوسق ستون صاعة، فتكون الخمسة الأوسق ثلاثمائة صاعة. وكما ذكرنا: كلما أنقص ولو الشيء اليسير حتى يخرج من خلاف. الشرط الثالث: أن يكون مآل هذا الرطب بقدر التمر، أي أن يأتي الخراص الماهر العارف ويقول: هذا الرطب إذا جف يكون للتمر الذي اشتري به. الشرط الرابع: أن يكون محتاجا للرطب، بمعنى أنه يريده للآكل والتفكه، لا يريده أن يبقيه إلى أن يتمر، أي أن يصير تمرا. الشرط الخامس: أن يكون الرطب على رؤوس النخل، فإن كان في أوان، بمعنى أن صاحب البستان خرف النخل وجعله في أوان وعرضه للبيع، فجاء إنسان فقير فقال: ليس معي دراهم، لكن عندي تمر، فخرص هذا الرطب وأعطيك بمثل خرصه تمرا، هل هذا يجوز؟ قالوا: لا يجوز، لأنه يشترط أن تكون على رؤوس النخل. قال العلامة العثيمين رحمه الله: فإن قال قائل: كيف جازت العراية وهي حرام من أجل الحاجة دون الضرورة؟ قال: الجواب أن نرد بالقاعدة المعروفة عند العلماء: ما حرم تحريم الوسائل جاز للحاجة. وما حرم تحريم غاية جاز للضرورة. قال: والعلة في تحريم الربا تحريم وسيلة، ويستدلون على ذلك بقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أسامة بن زيد: «إنما الربا في النسيئة». وهذه الجملة جملة حصر، كأنه قال: لا ربا إلا في النسيئة. المسألة الرابعة: لو كان البائع محتاجا للتمر، وليس عنده مال إلا في رؤوس النخل من الرطب، فهل يجوز له بيع ما في النخل مقروضا بنظيرها من التمر؟ قال العلماء رحمهم الله: والفرق بين الصورتين أن هذه الصورة: صاحب الرطب محتاج إلى التمر، وفي الصورة الأولى: صاحب التمر محتاج إلى الرطب. قال الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله: والأقرب عندي صحة ذلك، أنه لو كانت الحاجة لصاحب الرطب فلا بأس، إذ المقصود دفع حاجة الإنسان، فلا فرق بين كونه البائع والمشتري. المسألة الخامسة: هل تجوز العراية في غير النخل، كبايع العنب بالزبيب للتفكه؟ ذهب بعض أهل العلم إلى المنع، لأن الأصل في الرخصة الاقتصار عليها، فلا يقاس غيرها عليها. وذهب آخرون إلى الجواز، واستدلوا بالقياس. قال العلامة العثيمين رحمه الله: وهذا أقرب من المنع، واختاره شيخ الإسلام رحمه الله، لأن العلة التي من أجلها رخص في عرية النخل موجودة في عرية العنب. قال رحمه الله تعالى: عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من باع نخلا قد أبرت فثمرتها للبائع إلا أن يشترط المبتاع». ولمسلم: «من ابتاع عبدا فماله للذي باعه إلا أن يشترط المبتاع». قوله: أبرت، قال أهل اللغة: يقال أبرت النخلة آبرها أبرا بالتخفيف، كأكلتها أكلا. وأبرتها بالتشديد، أبرها تأبيرا، كعلمتها أعلمها تعليما. وهو أن يشق طلع النخلة ليدر فيه شيء من طلع ذكر النخل. قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في «شرح مسلم»: والإبار هو شق طلع النخلة. وقال الفيومي في «المصباح المنير»: قال أبو حاتم السجستاني في «كتاب النخلة»: النخلة إذا انشق الكافور قيل: شقق النخلة، وهو حين يؤبر، بالذكر، فيؤتى بشماريخه، فتنفض فيطير غبارها، وهو طحين شماريخ الفحول إلى شماريخ الأنثى، وذلك هو التلقيح. في حديث عبد الله بن عمر مسائل: المسألة الأولى: ما هو الضابط في التأبير؟ المعتبر في الحكم بالثمرة للبائع. ذهب الجمهور إلى أن الحكم معلق بالتشقق، أي تشقق طلع الذكر والأنثى كذلك. قال ابن قدامة: أصل الإبار عنده العلم التلقيح، إلا أنه لا يكون حتى يتشقق الطلع وتظهر الثمرة، فعبر به عن ظهور الثمرة للزومه منه. قال: والحكم بالظهور دون نفس التلقيح بغير اختلاف بين العلماء. المسألة الثانية: أن البيع متى وقع على نخل مثمر، ولم يشترط الثمرة، وكان الثمرة مؤبرة، فهي للبائع، وإن كان غير مؤبرة، فهي للمشتري. وبهذا قال الجمهور، أخذا بمنطوق حديث الباب وبمفهومه. المسألة الثالثة: أنه ما تشترط أحد المتبايعين الثمرة، فهي له، مؤبرة كانت أو غير مؤبرة. وهذا مذهب أحمد. المسألة الرابعة: أن الثمر إذا بقيت للبائع، فله تركها في الشجر إلى أوان الجذاذ، سواء استحقها بشرطه أو بظهورها. وهذا قول جمهور. قال ابن قدامة: بقوله عليه السلام: «إلا أن يشترط المبتاع»، قال: ولو اشترط أحدهما جزء من الثمرة معلوما، كان ذلك كاشتراط الجميع في الجواز في قول جمهور الفقهاء. المسألة الخامسة: إذا كان الشجر فيه ثمر باد كالعنب والتين والرمان والجوز، فإنه يكون للبائع، متروكا في شجره إلى استوائه ووقت جذاذه، التي جرت العادة فيه لكل نوع من الثمر. قوله: «من ابتاع عبدا فماله للذي باعه إلا أن يشترط المبتاع»، قال الإمام الشوكاني رحمه الله: فيه دليل على أن العبد إذا ملكه سيده مالا ملكه. قال: وبه قال مالك والشافعي في القديم. قال: فماله، الضمير عائد من العبد، من ابتاع عبدا فماله، أي مال ذلك العبد. قال: واستدل بالحديثين على أن مال العبد لا يدخل في البيع، حتى قالوا: حتى الحلقة التي في أذنه، والخاتم الذي في أصبه، والنعل الذي في رجله، والثياب التي على بدنه، أنها تكون من ملك البائع. قال الشوكاني رحمه الله: والمذهب الأول هو الأولى، والتخصيص بالعادة مذهب مرجوح. ها هنا تنبيه: وهي هذه الزيادة «من ابتاع عبدا إلى آخرها»، أعلها بعض الحفاظ بأنه نافع رواه عن ابن عمر عن عمر موقوفا عليه، أي من قول عمر، ليس من قول النبي صلى الله عليه وسلم. وأشار إلى هذا الإعلان النسائي والدارقطني. ورجح رواية سالم عن ابن عمر المرفوع، البخاري وغيره، كما في «العلل الكبير» للترمذي. فعلى مذهب البخاري رحمه الله تعالى: أنه روي على الوجهين، روي مرفوعا، وروي موقوفا. والله تعالى أعلى وأعلم.

شاركنا على