الدرس في كتاب البيوع 53، ألقاها
يبدأ الشارح بتوضيح حديث عمر بن الخطاب مع النبي صلى الله عليه وسلم حول أرض بخيبر، حيث تصدق بها وجعلها وقفا. الحديث يعد أصلا في باب الوقف.
يشرح الشارح أحكام الوقف والصدقة الجارية مستندا إلى حديث عمر بن الخطاب، ويبين مسارعة الصحابة في الطاعات وتحبيس الأصل والانتفاع بريع الوقف. الحديث يشير إلى أهمية الوقف في الفقه الإسلامي.
يشترط في الوقف أن يكون ذا منفعة دائمة ومعينا، وأن يكون الواقف بالغا عاقلا رشيدا. الوقف يعد من أفضل القربات والصدقات الجارية التي تنفع العبد في حياته وبعد مماته.
يتكرر التأكيد على شروط الوقف، وهي أن يكون الشيء الموقوف معينا ومما ينتفع به مع بقاء عينه. هذه الشروط تظهر في سياق الحديث عن أحكام الوقف.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمدا كثيرا مباركا فيه ما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، قال الإمام عبدالغاني المقدسي، رحمه الله تعالى، في كتابه "عمدة الأحكام" في كتاب البيوع منه، في باب الرهن وغيره: قال عن عبدالله بن عمر، رضي الله عنهما، قال: أصاب عمر أرضا بخيبر، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم يستأمره فيها، فقال: يا رسول الله، إني أصبت أرضا بخيبر، لم أصب مالا قط هو أنفس عندي منه، فما تأمرني به؟ قال: إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها. قال: فتصدق بها عمر، غير أنه لا يباع أصلها ولا يورث ولا يوهب. قال: فتصدق بها عمر في الفقراء وفي القربة وفي الرقاب وفي سبيل الله وابن السبيل والضيف، لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف وأن يطعم صديقا غير متمول فيه. وفي لفظ: غير متأثل. نتكلم أولا على ألفاظ الحديث، ثم نذكر ما يتيسر من فوائد ومسائل متعلقة بهذا الحديث إجمالا. ثم، كالعادة، بإذن الله جل وعلا، نتكلم على المسائل المتعلقة بهذا الحديث. وهذا الحديث، كما سيأتي معنا بإذن الله جل وعلا، أنه أصل في باب الوقف. قوله: "في القربة" يعني قرابة الإنسان، الشاملة لجهة الأب وجهة الأم. والمراد بالقربة: قرب الواقف. قوله: "الرقاب" يعني الأرقاء الذين كاتبهم أسيادهم ولا يجدون وفاء كتابتهم. قوله: "في سبيل الله" هم الغزاة وجميع من أعان على إعلاء كلمة الله. قوله: "وابن السبيل" هو المسافر الذي انقطعت به النفقة في غير بلده. والضيف: النزيل الذي ينزل على غيره، دعيا أو لم يدع. قوله: "لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف" يعني أن الناظر على الوقف يأكل من ريعها بالمعروف. قوله: "غير متمول" حال من قوله: "من وليها"، أي غير متخذ من الوقف ملكا له. نرجع إلى الحديث وما تعلق به من فوائد ومسائل. والحديث، كما هو واضح، أصل في باب الوقف. وفيه دلالة على أن عمر، رضي الله عنه، كانت له أرض بخيبر، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم يستأمره فيها. وفيه استشارة الأعلم، وفيه حرص الصحابة على الخير. قوله: "لم أصب مالا قط هو أنفس عندي منه" فيه دلالة على أن عمر، رضي الله عنه، كانت هذه الأرض هي أحب أرض وأعظم مال يملكه. ومع هذا، جعلها في سبيل الله. وفيه دلالة على مسارعة الصحابة في الطاعات. قوله: "إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها" فيه معنى الوقف. والوقف هو تحبيس الأصل والانتفاع بما يخرج منه. قوله: "غير أنه لا يباع أصلها ولا يورث ولا يوهب" فيه دلالة على أن الشيء الموقوف لا يباع ولا يورث ولا يوهب. قال الحافظ بن حجر، رحمه الله تعالى: لا مانع من أن تكون الألفاظ المذكورة مرفوعة إلى النبي صلى صلى الله عليه وسلم. وقال الإمام الترمذي، رحمه الله تعالى: العمل على هذا عند العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم، لا نعلم بين المتقدمين منهم في ذلك اختلافا. والحديث يعتبر أصلا في الوقف. وحديث أبي هريرة عند مسلم: "إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له". والصدقة الجارية هي الوقف. معنى الوقف لغة وشرعا: الوقف لغة: مصدر وقف، يقف، وقفا. وهو بمعنى الحبس. وشرعا: حبس مالك ماله المنتفع به مع بقاء عينه عن التصرفات برقبته، وتسبيل منفعته على شيء من أنواع القرب المشروعة، ابتغاء وجه الله. شروط الواقف: يشترط في الواقف أن يكون في صحة من عقله وبدنه، بالغا، عاقلا. قالوا: هل يشترط أن يكون جائز تبرع؟ فيه خلاف. والصحيح أنه قابل الحجر عليه، ليس له التبرع إن كان فيه إضرار بأصحاب الحقوق. شروط الوقف: الأول: أن يكون فيه منفعة. فأما ما لا منفعة فيه، فإنه لا يصح وقفه. الثاني: أن تكون المنفعة دائمة. فإن كان من معين في منفعة مؤقتة، فإنه لا يصح وقفه. الثالث: أن يكون الشيء الموقوف معينا، لا مبهما. فإن قال: "وقفت أحد أراضي"، لم يصح الوقف. الرابع: أن يكون مما ينتفع به مع بقاء عينه. فما لا يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه، كالدراهم والمطعوم والمشروب، لا يصح وقفه. قال ابن قدامة، رحمه الله: ما لا يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه، لا يصح وقفه. إلا شيئا يحكى عن مالك والأوزاعي في وقف الطعام، أنه يجوز. ولم يحكه أصحاب مالك، وليس بصحيح. قال الشيخ الإسلام، وعرفه: وأقرب الحدود في الوقف أنه كل عين تجوز عاريتها. قال المرداوي في الإنصاف: فأدخل في حد أشياء كثيرة لا يجوز وقفها عند الإمام أحمد، رحمه الله. حكم الوقف: أنه مستحب، بل ذكر جماعة من أهل العلم أنه من أفضل القربات والصدقات. وهو من الصدقات الجارية النافع العبد في حياته وبعد مماته، بإذن الله جل وعلا. المسألة الثانية: شروط الواقف. قالوا: يشترط في الواقف أن يكون بالغا، عاقلا، رشيدا. فإن كان سفيها، لا يحسن التصرف في ماله، لا يصح وقفه. المسألة الثالثة: شروط الوقف. نذكر منها ما تيسر. الأول: أن يكون فيه منفعة. الثاني: أن تكون المنفعة دائمة. الثالث: أن يكون الشيء الموقوف معينا. الرابع: أن يكون مما ينتفع به مع بقاء عينه. سبحانك اللهم بحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك. شكرا لكم.