كتاب المواريث والوصايا والعتق 3

الدرس في كتاب المواريث والوصايا والعتق 3، ألقاها

أحكام الوصية وشروطها في الشريعة الإسلامية

يتناول هذا الفصل أحكام الوصية في الشريعة الإسلامية، مشيراً إلى شروط الموصي وأحكام الوصية مثل تقديم الدين على الوصية وبطلان الوصية لجهة معصية. يستند إلى الآيات القرآنية وأقوال الصحابة والفقهاء.

تنفيذ الوصية والرجوع عنها

يناقش هذا الفصل تنفيذ الوصية والشروط اللازمة لنفاذها، مشيراً إلى أن الوصية لا تنفذ إلا بعد وفاة الموصي. كما يوضح جواز الرجوع في الوصية أو تعديلها قبل الوفاة.

الوصية للكافر وحكمها الشرعي

يبحث هذا الفصل في حكم الوصية للكافر، موضحاً أنها تصح لكل من يصح تمليكه، سواء كان مسلماً أو كافراً، مستنداً إلى عموم الأدلة الشرعية وأنواع الكفار المعنيين.

خاتمة وذكر الله تعالى

يختتم هذا الفصل بذكر الله تعالى وتسبيحه، مع طلب المغفرة والتوبة، معبراً عن تواضع العبد واعترافه بذنوبه ورجوعه إلى الله.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمداً كثيراً مباركاً فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. ثم أما بعد، توقفنا في الدرس الماضي عند الكلام على باب الوصية، وأخذنا بعض الأحكام من المسألة الثانية، وتوقفنا عند قوله: «أن الدين والواجبات الشرعية كالزكاة والحج والكفارات مقدمة على الوصية»، لقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾، وقال علي رضي الله عنه: «قضى النبي صلى الله عليه وسلم بالدين قبل الوصية»، كما تقدم معنا في الدرس الماضي، سواء كان الحق لله جل وعلا أو كان الحق لغيره سبحانه وتعالى من عباد الله جل وعلا على ذلك الموصي، فإنه يخرج ذلك الحق أولاً، ثم إن بقي منه شيء فينظر بعد ذلك في الوصية. يعني مثال ذلك: لو أن رجلاً أوصى بالثلث لشخص ما أو لجهة ما، وكان عليه دين أو حق للغير قد أحاط بجميع ماله، فإن تركته تقضى في قضاء دينه والحق الذي عليه، ولا وصية حينئذ. وإن قلت: أي أوصى بالثلث، وما بقي إلا قدر مثلاً الربع أو الخمس لاستيثاء الحقوق من تلك التركة، فإن للموصي ما تبقى، أي يكون بحسب ما تبقى من الوصية. الأمر الثامن أو الحكم الثامن من الأحكام، قالوا: «يشترط في الموصي أن يكون جائز التصرف في ماله، فيكون عاقلاً، بالغاً، حراً، مختاراً». والشرط الأول والثالث والرابع متفق عليها: عاقل، خرج المجنون، وبالغ، خرج غير البالغ، والحر، خرج العبد، والمختار، خرج المكره. فالثلاثة سوى البالغ وقع عليها اتفاق. وأما البلوغ: هل من شرط الموصي أن يكون بالغاً أم لا؟ فهذه مسألة وقع فيها الخلاف بين العلماء رحمهم الله تعالى. والأرجح، والله أعلى وأعلم، أن الصبي إذا كان عاقلاً مميزاً يحسن التصرف، ووضع ماله أو أوصى بماله في مكان صحيح، فإنه يكون معتبراً، وتكون تلك الوصية معتبرة. يدل على ذلك ما رواه الإمام مالك رحمه الله تعالى في الموطأ: «أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وارضاه في زمنه أخبر عن غلام يافع -أي لم يبلغ الحلم- عنده مال، وليس له وارث إلا في الشام، وله ابنة عم، فقال عمر رضي الله عنه وأرضاه: «فليوصي بماله، أو ليوصي بماله لابنة عمه»، أو كما قال، فأوصى لها، فنفذت تلك الوصية». وهذا الحكم من عمر رضي الله عنه وأرضاه لا يعلم له مخالف، فدل على جوازه وإمضائه ونفوذه، لكن بالشرط والقيد المذكور: أن يكون عاقلاً، وأن يكون صحيح التصرف، بمعنى أنه وضعه في مكانه الصحيح الذي يدل على أنه ليس بسفيه وأنه عاقل وضع ماله في المكان المناسب. التاسع من الأحكام، قالوا: «يحرم أن يوصي لجهة معصية، كأن يوصي لمعابد الكفار أو المشركين»، معابد الكفار كالصوامع والبيع وما شابه ذلك -الكنائس- وكذلك ما يعبد فيه غير الله جل وعلا كالأضرحة وتشييد القبور التي يشرع بها مع الله جل وعلا، فإنها داخل في هذا المعنى، «أو لشراء آلات اللهو أو نحو ذلك»، وتكون وصية باطلة -أي ملغاة- كأنها لم تكن، كأنه لم يوصِ. لو أن إنسان أوصى بثلث ماله أو ربع ماله أو خمس ماله لتشييد كنيسة، أو لتشييد ضريح يعبد فيه -يعبد ذلك المقبور في ذلك الضريح من دون الله جل وعلا- أو مكان تقام به البدع، كأن يوصي للموالد مثلاً التي تقام كل ليلة جمعة يقيمها بعض الضلال، أو أوصى بآلات اللهو أو ما شابه ذلك، فإن هذه الوصية تكون باطلة ملغاة غير معتبرة ولا صحيحة؛ لأن المعنى الذي لأجل شرعت الوصية يناقض المعنى الذي أوصى به ذلك الموصي؛ لأنه أوصى بماذا؟ بمحرم، والوصية إنما شرعت للازدياد من أعمال الخير والبر، فهو منافٍ لمقصد الوصية. الأمر العاشر أو الحكم العاشر، قالوا: «تستحب الوصية لمن له مال كثير ووارثه غير محتاج»، لقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ﴾، والخير هو المال الكثير، أي إن ترك خيراً، الخير هو المال الكثير. وتكره لمن له مال قليل ووارثه محتاج، لقوله صلى الله عليه وسلم: «إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس». وكثير من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ماتوا ولم يوصوا. والحكم في ذلك على ما تقدم معنا في الدرس الماضي: أن الوصية تترتب عليها الأحكام التكليفية الخمسة، قد تكون واجبة، وقد تكون مستحبة، وقد تكون مباحة، وقد تكون مكروهة، وقد تكون محرمة، على ما تقدم ذكره في الدرس الماضي. الحكم السادس: تحرم الوصية إذا كان قصد الموصي المضارة بالورثة، لقوله تعالى: ﴿غَيْرَ مُضَارٍ﴾، وهذا قد تقدم أيضاً، فالوصية ها هنا تكون محرمة. الثاني عشر: «لا يصح قبول وصية ولا ملكها إلا بعد موت الموصي؛ لأن ذلك وقت ثبوت حقه»، هذا إذا كانت الوصية لمعين. أما إن كانت لغير معين كالفقراء والمساكين أو على طلبة العلم أو المساجد أو دور الأيتام، فإنها لا تحتاج إلى قبول، وتلزم بمجرد الموت. وهذه المسألة كذلك تقدم الكلام عليها في الدرس الماضي. والحاصل: أن الوصية لا يملكها الموصى له إلا بعد موت الموصي، فإذا مات الموصي حينها يصير مالكاً لها. وهنا مسألة ذكرها العلماء رحمهم الله تعالى: لو أن الموصى له مات قبل الموصي، فما الحكم هاهنا؟ لو أن رجلاً أوصى لرجل، فمات الموصى له قبل موت الموصي، فما الحكم هاهنا؟ ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن الوصية تكون ملغاة؛ لأن من شرطها القبول على قول طائفة من أهل العلم، والحياة، وهذا غير حي ولا قبل تلك الوصية. وبعض أهل العلم فصل في ذلك، فقال: إن مات وعلم الموصي بموته -ذلك الموصى له- وكان له ورثة، فأبقى الوصية على ما هي عليه إشعاراً منه إلى أن الحق سيعد إلى ورثته، فإن الوصية تكون نافذة، وهذا قول وجيه. وهنا أيضاً مسألة أخرى ذكرها العلماء رحمهم الله تعالى، وهي ما لو أوصى رجل لرجل بأنه إذا مات أسقط عنه حقه الذي عليه -يعني رجل الموصي له حق على رجل، أوصى بأنه إذا مات الموصي فإنه قد أسقط حقه الذي على ذلك الشخص- فمات الموصى له قبل الموصي. واضحة هذه الصورة أم لا؟ نعيد: نقول أو ذكر جماعة من أهل العلم في هذه المسألة -هذه المسألة تفريع- وهي: إذا أوصى رجل لرجل بإسقاط حق له كان عليه -يعني رجل، أنا مثلاً، زيد استدان مني مئة ألف، فقلت: أنا أوصيت أنني إذا مت فقد أسقطت ما على زيد من حق لي- واضح هذا؟ جماعة مات زيد قبل أن أموت، مات زيد قبل أن أموت، هل تسقط هنا الوصية أم لا؟ الجواب: أن الوصية تبقى نافذة؛ لأن متعلقها الحق الذي على زيد، لا عين زيد. واضح؟ جماعة: عملاً، أي أنه إذا مات زيد ما زال الدين الذي عليه موجود، فلو أسقطه الموصي سقط ذلك الحق ونفذت تلك الوصية. قالوا: «لا يصح قبول الوصية ولا ملكها إلا بعد موت الموصي؛ لأن ذلك وقت ثبوت حقه»، هذا إذا كانت الوصية لمعين -أي لشخص معين-، وكما تقدم معنا في الدرس الماضي: أن الوصية قد تكون لمعين، وقد تكون لجهة. لمعين: كأن أقول: «أوصيت لفلان ابن فلان بكذا وكذا»، وصية لمعين. ووصية لجهة: كأن أقول: «أوصيت للفقراء بالثلث»، «أوصيت للأيتام بالثلث»، وما شابه ذلك، هذه وصية لجهة. قالوا: «هذا إذا كانت الوصية لمعين، أما إن كانت لغير معين كالفقراء والمساكين أو على طلبة العلم أو المساجد ودور الأيتام، فإنها لا تحتاج إلى قبول وتلزم بمجرد الموت»، وهذا واضح. الحكم الثالث عشر من أحكام الوصايا، قالوا: «يجوز للموصي أن يرجع في وصيته أو بعضها وله نقضها». قال عمر رضي الله عنه: «الرجل يغير ما شاء من وصيته». وهذا كذلك حكم من الأحكام، بمعنى: لو أن إنساناً أوصى مثلاً لشخص معين بثلث ماله، بربع ماله، بخمس ماله، أوصى وصية لشخص معين أو لجهة معينة، ثم بدا له بعد ذلك أن يخفض -مثلاً أوصى له بالثلث، يقول: سأوصي بماذا؟ بالربع، والتركة لأبنائه أفضل، تكون أكثر- هل يصح هذا أم لا؟ الجواب: يصح. لو أنه رأى أن أبناؤه يحتاجون إلى التركة إلى المال، أو كان له حق، كان عليه حق عند الغير، فقال: بدلاً من أن يخرج الوصية، سأجعل المال في ماذا؟ في قضاء ذلك الحق الذي علي أو ما شابه ذلك، فألغى الوصية الذي أوصى بها -سواء كان لشخص أو كانت لجهة- هل يصح إلغاء الوصية أم لا؟ الجواب: نعم يصح إلغاء الوصية ما دام حياً، كما جاء في أثر عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه، والأثر رواه البيهقي وغيره بإسناد صحيح، صححه العلامة الألباني رحمه الله تعالى في الإرواء وغيره: «أن الموصي يغير وصيته كيف شاء، إما بأقل، وإما بأكثر، وإما بإلغاء»، له ذلك ما دام حياً، له ذلك كما أن الرجل لو أراد أن يهب هبة لشخص، لو قال مثلاً: «يا زيد أريد أن أعطيك هبة مثلاً مئة ألف، أريد أن أهبك إياها»، ثم بدا له أن لا يهبها قبل أن يعطيها، هل له ذلك أم لا؟ له ذلك. والوصية كذلك له ذلك قبل موته. الحكم الرابع عشر، قال: «تصح الوصية لكل شخص يصح تمليكه، سواء كان مسلماً أم كافراً»، قال تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا﴾، وقولهم: «أم كافراً» يشمل الذمي والمعاهد والمستأمن والمحارب، أي يشمل كل كافر، يشمل كل كافر على الصحيح من أقوال أهل العلم. أما غير المحارب: فنقل بعضهم عدم الخلاف في جوازه. أما غير المحارب من ذمي ونحوه، فنقل بعضهم عدم الخلاف في جوازه، أي للإنسان أن يوصي للذمي من أقربائه وأوليائه -رجل مثلاً مسلم، أخوه يهودي، أخوه نصراني لكن من أهل الذمة- قالوا: يجوز بلا خلاف أن يوصي هذا لهذا، والعكس: المسلم للذمي والذمي للمسلم والذمي للذمي، كما أن المسلم للمسلم. واضح هذا؟ جماعة: أما بقي وقع الخلاف: الوصية للمحارب الكافر المحارب، هل تصح أم لا؟ الصحيح من أقوال أهل العلم أنها تصح، لعمومات الأدلة في قول الله جل وعلا في هذه الآية: ﴿إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا﴾. ويدل عليه كذلك ما جاء في الصحيحين من حديث عمر رضي الله عنه وأرضاه: «أن النبي صلى الله عليه وسلم أهدى له جبة حرير، فقال له: يا رسول الله، ما أعمل بها؟ وقد سمعت أو قد قلت فيها ما قلت»، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «اهدها أو أعطها لمن شئت»، أو كما قال، «فأهداها عمر رضي الله عنه وأرضاه لآخ له كان مشركاً في مكة»، لآخ له كان مشركاً في مكة -مشركاً في مكة أهل الشرك كانوا محاربين أم لا؟ كانوا محاربين- واضح. الدليل الثاني كذلك الخاص: ما جاء في حديث أسماء أيضاً في الصحيحين: «أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما أنها أتت النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول الله، إن أمي أتت راغبة»، وأمها كانت مشركة أيضاً من أهل مكة، قالت: «أفأصلها؟» أو قالت: «أفأصل أمي؟»، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «صلي أمك، صلي أمك». والقول في الوصايا كالقول في الهبات، بمعنى: إذا قال قائل: هذه في الهبات، ليس في الوصايا. واضح يا أخوة؟ يعني حديث عمر وحديث أسماء في الهبات في حال الحياة، وأما الوصايا فبابها آخر. الجواب: لا، الوصايا والهبات يشتركون أو يشترك في أكثر الأحكام، وإنما يختلف حكم الهبات عن حكم الوصية في أنها بعد الوفاة، والوصية بعد الوفاة، والهبة قبلها. والوصية في الثلث فما دون، والهبة بما شاء. وإلا جميع أحكام الهبة كأحكام الوصية سواء بسواء. والله تعالى أعلى وأعلم. فإذا يصح للمسلم أن يوصي لأوليائه وأقربائه من الكفار، ذمياً كان أو غير ذمي، ويصح كذلك وصية الذمي للمسلم، ويصح كذلك وصية الذمي للذمي. وقد قال بعض أهل العلم: «إن وصية الذمي للذمي والذمي للمسلم كوصية المسلم للمسلم سواء بسواء»، أي أحكامها كأحكامها تكون بالثلث لغير وارث إلى آخر ما ذكر لغير وارث. هذا لا شك ولا ريب؛ لأنهم أهل ملتين. فهذا خلاصة ما يقال في هذه أو في هذا الباب. والله تعالى أعلى وأعلم. وسبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على