الدرس في كتاب المواريث والوصايا والعتق 5، ألقاها
يجوز الاشتراك في ملك العبد أو الأمة، وإذا أعتق أحد الشركاء نصيبه، فإن كان موسرًا عتق نصيب شريكه ودفع له القيمة، وإلا سعى العبد لتحصيل قيمة نصيب الشريك. يتضمن ذلك أحكام العتق المشترك وتأثير حالة الشريك المالية على العبد المعتق.
يشرح المقطع كيفية عتق العبد عند إعتاق أحد الشركاء لنصيبه، وحكم توريث المعتق، وعقوبة سيء المعاملة لعبده، وتعريف التدبير كتعليق لعتق الرقيق بموت سيده. يشمل ذلك تفاصيل حول أحكام العتق والتدبير وآثارهما.
يتناول المقطع أحكام المدبر والمكاتب، حيث يشرح تعريفهما وحكمهما والشروط المتعلقة بهما، مثل جواز بيع المدبر، وعتق المكاتب عند أداء المال المتفق عليه، وأحكام الولاء والزواج للمكاتب. كما يشمل حكم بيع المكاتب وتبقى الكتابة عليه في يد المشتري.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادئ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد. المسألة الثالثة من أحكام العتق. أولًا: يجوز الاشتراك في العبد والأمة في الملك، بأن يملكه أكثر من شخص، بمعنى أنه يجوز الاشتراك في عبد واحد أو في أمة واحدة، بأن يكونوا ملكًا لأكثر من واحد. أي كان يشتري رجلان أو أكثر عبدًا أو أمة فيكونون شركاء في ذلك العبد أو في تلك الأمة. الحكم الثاني: إذا عتق شخص نصيبه في عبد مشترك، فقد عتق نصيبه من هذا العبد. وأما نصيب شريكه، فإن كان المعتق موسرًا عتق نصيب شريكه من العبد، وقومت عليه حصة شريكه، ودفع له القيمة. أما إذا كان الشريك المعتق غير موسر، فلا يعتق نصيب شريكه، ويسعى العبد في تحصيل قيمة نصيب هذا الشريك، فيعتق أو يعتق بعد تسليم ما عليه، ويكون في ذلك كالمكاتب. ودليل ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من أعتق شركًا له في عبد، فكان له مال يبلغ ثمن العبد، قوم عليه العبد قيمة عدل، فأعطى شركاءه حصصهم، وعتق عليه العبد، وإلا فقد عتق منهما». وهو حديث متفق عليه، حديث ابن عمر رضي الله عنهما. ولقوله صلى الله عليه وسلم: «من أعتق نصيبًا أو شقيصًا في مملوك، فخلاصه عليه في ماله، إن كان له مال، وإلا قوم عليه، فاستسعى به غير مشقوق عليه». الظاهر أن ذلك يكون باختيار العبد. الحكم الثاني تحت هذه المسألة هو أن العبد إذا كان له أكثر من مالك، فأحد هؤلاء الشركاء في ذلك العبد أعتق نصيبه من ذلك العبد، فما الحكم؟ الحكم هو أن ذلك العبد يعتق كله، ويكون على من أعتقه أن يدفع قيمة ما قوم به ذلك العبد للشركاء، إن كان موسرًا. يعني ذلك الذي أعتق له حالان: إما أن يكون موسرًا، وإما أن يكون معسرًا. إن كان موسرًا، فإنه يجب عليه أن يدفع حصص شركائه الآخرين من ذلك العبد. مثال ذلك: كان العبد قيمته مئة درهم، فأعتق نصيبه من ذلك العبد، وكان نصيبه نصفًا، كم سيبقى من قيمة ذلك العبد؟ سيبقى خمسون درهمًا، يجب عليه أن يدفع خمسين درهمًا لشريكه الآخر قيمة ذلك الشرك في العبد، ويكون العبد حرًا بذلك. هذا إن كان موسرًا. وأما إذا كان معسرًا، المعتق الذي أعتق نصيبه من ذلك العبد، فإنه أعتق من ذلك العبد ما أعتق، ويستسعى العبد لدفع ما عليه من حق مالكه الآخر. الحكم الثالث: يرث المعتق جميع مال من أعتقه دون العكس، لأن المعتق ولاؤه لمن أعتقه، كما قال صلى الله عليه وسلم: «الولاء لمن أعتق»، كما في حديث عائشة رضي الله عنها في الصحيحين. وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم الولاء كالنسب، فقال: «الولاء لحمة كلحمة النسب». والحديث رواه الشافعي وغيره، وصححه العلامة الألباني رحمه الله تعالى في كتابه الإرواء. الحكم الرابع: من ضرب عبده ظلمًا أو ضربًا مبرحًا أو مثل به أو أفسده أو قطع له عضوًا أو نحو ذلك، فإنه يعتق عليه، لقوله صلى الله عليه وسلم: «من ضرب غلامًا له حدًا لم يأته أو لطمه، فإن كفارته أن يعتقه». والحديث في صحيح مسلم. أما ما كان من ذلك ضربًا خفيفًا على سبيل التأديب، فلا شيء فيه. من الأحكام المتعلقة بهذا الباب: ما إذا اشترى أو صار في ملك إنسان من هو من ذوي المحارم ممن لا يحل له نكاحه لو كان أنثى، فإنه يعتق بمجرد الملك. المسألة الرابعة: التدبير. أولًا: تعريفه. التدبير هو تعليق عتق الرقيق بموت سيده. يقال: دبر الرجل عبده تدبيرًا إذا أعتقه بعد موته. والمدبر هو العبد الذي حصل له التدبير، سمي بذلك لأن عتقه جعل دبر حياة سيده. الثاني: حكمه. التدبير جائز، وهو صحيح باتفاق العلماء. والأصل فيه حديث جابر رضي الله عنه أن رجلًا من الأنصار أعتق غلامًا له عن دبر، لم يكن له مال غيره، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «من يشتريه مني؟» فاشتراه نعيم بن عبد الله بثمانمائة درهم، فدفعها إليه. الأمر الثالث من أحكام المدبر: يجوز بيع المدبر مطلقًا للحاجة. وأجاز بعض أهل العلم بيعهم مطلقًا للحاجة وغيرها. المدبر يعتق من الثلث لا من رأس المال، لأن حكمه حكم الوصية. ويجوز لسيده هبته، لأن الهبة مثل البيع. ويجوز لسيد وطء أمته المدبرة، لأنها مملوكته. المسألة الخامسة: المكاتب. تعريفه: الكتابة والمكاتبة لغة مأخوذة من كتب بمعنى أوجب وألزم. وشرعًا هي إعتاق العبد نفسه من سيده بمال يكون في ذمته يؤدى مؤجلًا. حكم المكاتبة ودليل ذلك: قول الله جل وعلا: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾. الأمر الثالث من أحكام المكاتبة: يعتق العبد أو الأمة ويصيران حرين متى أدى ما اتفقا عليه مع سيدهما، لقوله صلى الله عليه وسلم: «المكاتب عبد ما بقي عليه من مكاتبته درهم». فمفهومه أنه متى أدى ما عليه لم يعد عبدًا. ولاء المكاتب يكون لسيده إذا أدى ما عليه، لقوله صلى الله عليه وسلم: «الولاء لمن أعتق». على السيد أن يضع عن المكاتب شيئًا من المال الذي كاتبه عليه، لقوله تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾. قال ابن عباس رضي الله عنهما في هذه الآية: ضعوا عنهم مكاتبتهم. يجعل المال على المكاتب منجّمًا، نجمين فصاعدًا، على أن تكون النجوم معلومة. ليس للمكاتب أن يتزوج إلا بإذن سيده، لقوله صلى الله عليه وسلم: «أيما عبد تزوج بغير إذن مواليه فهو عاهر». يجوز بيع المكاتب، وتبقى الكتابة عليه في يد مشتريه، لقوله صلى الله عليه وسلم لعائشة في قصة بريرة: «اشتريها وأعتقيها، فإن الولاء لمن أعتق». والله تعالى أعلى وأعلم. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.