الدرس في كتاب الطهارة 8، ألقاها
الأصل في الآنية الإباحة ما لم يدل دليل على التحريم، ويجوز استعمالها للطهارة والأكل والشرب وغيرها. يحرم استعمال الآنية إذا كانت نجسة أو استعملت في محرم.
يحرم استعمال الأواني والثياب إذا كانت نجسة أو من حرير للرجال، ويباح استعمالها إذا كانت طاهرة. يجب تطهير الأواني والثياب إذا استعملت في نجاسات.
يجوز استعمال آنية وثياب أهل الكتاب إذا لم تعلم نجاستها، ويجب تطهيرها إذا ثبتت نجاستها. يُرجع إلى الأصل وهو الطهارة في حالة الشك في نجاسة شيء ما.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادئ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الإمام الموفَّق ابن قدامة رحمه الله تعالى في كتابه "عمدة الفقه": «ويجوز استعمال سائر الآنية الطاهرة واتخاذها، واستعمال أوان أهل الكتاب وثيابهم ما لم تعلم نجاستها». قوله رحمه الله تعالى: «ويجوز استعمال سائر الآنية» قوله "سائر الآنية"، أي باقي الآنية؛ لأن "سائر" بمعنى "ما سوى"، ويجوز استعمال سائر الآنية، أي سوى ما تقدم ذكره مما وصفه بأنه محرَّم من آنية الذهب والفضة. وقوله رحمه الله تعالى: «ويجوز استعمال سائر الآنية الطاهرة واتخاذها»، هذا الجواز كما مرَّ معنا دليله الأصل؛ لأن الأصل في الآنية كما مرَّ معنا الأصل فيها الحل إلا ما دلَّ الدليل على تحريمه. لقول الله جل وعلا: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾، فيدخل في خلق الله جل وعلا الآنية التي خلقها الله جل وعلا، فهي على أصل الإباحة إلا ما دلَّ الدليل على تحريمه. فقوله: «ويجوز استعمال سائر الآنية» استعمال كما تقدم، الاستعمال يكون إما بأكل، وإما بشرب، وإما بطهارة، أو غير ذلك من أنواع الاستعمال. وقولهم: «أو اتخاذها»، كما مرَّ معنا كذلك أن الاتخاذ إما أن يكون بمعنى الادخار، أخذها للاتجار، أو لتصنيعها، أو لصياغتها، أو ما شابه ذلك. فالأصل فيها الحل؛ لأنه في اتخاذها لأجل التجارة يجوز له أن يتدخرها لأجل أن يبيعها في المستقبل، إذا كانت من الأشياء الثمينة مثلاً كالجواهر، له أن يتخذها، أو أن يصيغها، أن يصنعها، هذا من الاتخاذ. ويجوز له كذلك أن يستعملها؛ لأنها باقية على الأصل، أي الجواهر الثمينة، الجواهر الثمينة. فإن قال قائل: أليس في استعمال هذه الجواهر الثمينة معنى من معاني الفخر والخيلاء وما شابه ذلك؟ فالجواب يقال: إن وجد ذلك، فيكون التحريم على الفخر والخيلاء، لا على أعيان تلك الجواهر؛ لأن الأصل في أعيانها الحل، كغيرها من المباحات. فلو أن إنسانًا اشترى ثوبًا جميلًا، فالأصل في الثياب، ما لم تكن من حرير للرجال، الأصل فيها الإباحة، فلو أن إنسان أخذ ثوبًا جميلًا ثمينًا ولبسه، وكان في لبسه لذلك الثوب الخيلاء والتفاخر على الآخرين، فهل يحرم ذلك الثوب؟ الأصل في عين ذلك الثوب ما هو؟ عين ذلك الثوب الأصل فيه الحل، ولكن يحرم عليه ماذا؟ الفخر والخيلاء. وهكذا يقال في هذه الجواهر ونحوها. إذن، في قوله رحمه الله تعالى: «ويجوز استعمال سائر الآنية الطاهرة واتخاذها»، قلنا: في قوله "يجوز" أولًا الدليل على ذلك الأصل، أن الأصل في الآنية الحل. ثانيًا: دلت أدلة كثيرة على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستخدم الأواني، تارة يتوضأ في تور من نحاس، وأخرى يستخدم ما كان من الآنية من حديد، وتارة أخرى ما كان من صفر، وتارة أخرى ما كان من خزف، وهكذا. وهذا يدل على جواز استعمال هذه الآنية، وأنها باقية على أصل الحل. قوله رحمه الله تعالى: «ويجوز استعمال سائر الآنية الطاهرة»، قوله "الطاهرة"، هذا الوصف إما أن يعود على هيئة استخدام تلك الآنية، أو على عين تلك الآنية. فأما على المعنى الأول، أي على حالة استخدام تلك الآنية، فإنه يجوز استعمال سائر الآنية الطاهرة، أي التي وصفها طاهر، فإذا كانت الآنية عرض لها شيء من النجاسة، فإنه لا يجوز له استعمالها، والأمر كذلك، فلابد له من تطهيرها. كما لو أن آنية فيها ماء، فجاء كلب فولغ فيها، هذه الآنية لا تستخدم، بل يجب عليه أن يطهرها، أو آنية وقعت فيها شيء من النجاسة، بول أو ميتة، أو ما شابه ذلك. فيقال: الأصل في هذه الآنية بأنها ماذا؟ عين هذه الآنية الأصل فيها أنها طاهرة، ولكن حصلت فيها النجاسة لعارض، فهل يجوز استخدام هذه الآنية؟ يقال: لا، حتى تطهر. قوله رحمه الله تعالى: «واستعمال أوان أهل الكتاب وثيابهم ما لم تعلم نجاستها»، أي ويجوز استعماله؛ لأن قوله «واستعمال» الواو حرف عطف، وما بعده معطوف على ما تقدم، وحرف العطف كما يقول النحاة يكون بنيته تكرار العامل، فيكون التقدير: ويجوز استعمال أوان أهل الكتاب. قوله رحمه الله تعالى: «ويجوز استعمال أوان أهل الكتاب»، كذلك يدل على الجواز، أولًا الأصل ما هو؟ الأصل في الأوان أنها طاهرة. وكذلك دلت أحاديث من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم على هذا المعنى، منها ما جاء في صحيح البخاري أن امرأة أهدت للنبي صلى الله عليه وسلم شاة، فقبلها وأكل منها، ومعلوم أنها ستأتي بالشاة بإناء، ولو كان إناء نجسًا لما جاز له أن يأكل. وجاء في الصحيحين من حديث عمران بن حسين رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ من مزادة امرأة مشركة. وفي الحديث أنه أخذ من ذلك الماء ووضعه في دلو من ماء، وقال لأحد الصحابة الذي كان قد أصيب بجنابة: «أفرغه على جسده». فدل هذا الحديث على جواز استعمال آنية المشركين في الشرب، وكذلك في الطهارة. وما دام جاز استعمال آنية المشركين، فآنية أهل الكتاب من باب أولى. وفي الباب أحاديث كثيرة تدل على هذا المعنى، وآثار كذلك عن الصحابة رضي الله عنهم. قوله رحمه الله تعالى: «ما لم تعلم نجاستها»، هذا قيد مهم، ومعنى هذا كما قال علماء: أن الأصل في استعمال آنيتهم أنها على الطهارة، إلا أن يعلم أنهم يستخدمونها في الأشياء النجسة. فإذا كان أمر كذلك، فإنها لا تستعمل حتى تطهر؛ لما جاء في حديث أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه أنه قال: يا رسول الله، إنا بأرض أهل كتاب، أفنأكل في آنيتهم؟ فقال: «لا، إلا أن لا تجدوا غيرها، فاغسلوها ثم كلوا فيها». فمثل هؤلاء إذا عرف من حالهم هذا، فإن أوانيهم لا تستخدم إلا بعد أن تطهر. وقد ذكر بعض أهل العلم تقسيمًا في استخدام الآنية على ثلاثة أقسام. قوله رحمه الله تعالى: «وثيابهم»، أي ويجوز استعمال ثيابهم؛ لأن الأصل في اللباس ما لم يكن فيه تشبه بالكافرين، ولا الفاسقين، ولا لباس يعني الرجل المرأة، ولا العكس، الأصل في اللباس بأنه الحل. وقد ذكر العلماء رحمهم الله تعالى أحوالًا لاستعمال ثياب الكفار، منها ما كان مصنوعًا أو منسوجًا من الكفار، فالأصل فيه الحل بإجماع العلماء. ومنها ما كان من لباسهم الذي قد لبسوه، فهذا فيه تفصيل بين من كان معروفًا ممن يتحرز من النجاسات، وممن لا يتحرز من النجاسات. فمن كان يتحرز من النجاسات كاليهود، فالأصل في ملابسهم كذلك الطهارة. وما كان منهم ممن عرف عنه أنه لا يتحرز من النجاسة كالنصارى، فهذا لا يلبس ثوبه إلا بعد أن يغسل. والحالة الثالثة ما كان مشكوكًا فيه بين الطهارة والنجاسة، فهذا يرجع فيه إلى الأصل، وهو الحل والطهارة. إذن، كما تقدم ذكره، يجوز استعمال سائر الآنية الطاهرة واتخاذها، واستعمال أواني أهل الكتاب وثيابهم على التفصيل المذكور، ما لم تعلم نجاستها. فإذا كانت نجسة، طهرت تلك النجاسة، والمقصود ها هنا بالنجاسة العارضة، على خلاف سيأتي معنا في بعض أنواع الميتة. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.