شرح أصول السنة للإمام أحمد 2

الدرس في شرح أصول السنة للإمام أحمد 2، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل

أهمية العقيدة السلفية ووصية الإمام أحمد بن حنبل

العقيدة هي أصل الأصول وأهم المطالب، والخطأ فيها قد يخرج عن أهل السنة أو الإسلام. أوصى الإمام أحمد تلاميذه بالتمسك بأصول السنة كما في رسالة أصول السنة، وقصة سحنون بن مالك تدل على نجاة من مات مستمسكاً بها.

وجوب اتباع سبيل الصحابة والنهي عن الخروج على الولاة

منهج أهل السنة يتمثل في التمسك بهدي النبي صلى الله عليه وسلم وما كان عليه أصحابه، وسبيل المؤمنين في القرآن هو سبيل الصحابة. من خالف الرسول فقد اتبع غير سبيل المؤمنين، ويحرم الخروج على الولاة ظالمين كانوا أم غير ذلك.

اتباع السلف الصالح وحكم البدعة ومنهج أهل السنة

يجب اتباع السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار بإحسان، والتمسك بسنة الخلفاء الراشدين كما في حديث العرباض بن سارية. كل بدعة ضلالة مخالفة لهدي الصحابة، ومنهج أهل السنة يقوم على العلم والعمل وترك الخصومات ومجالسة أهل الأهواء.

خاتمة الدرس والدعاء بالخاتمة الحسنة

أعلن المتحدث استكمال شرح العقيدة السلفية في الجلسة القادمة. ختم بالدعاء لله بالهداية والتوفيق والعمل الصالح، والصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين. أما بعد، فَلازلنا في رسالة أصول السنة التي أملاها الإمام الجليل المبجل، إمام أهل السنة أحمد بن محمد بن حنبل، رحمه الله تعالى وغفر له، المتوفى سنة 244 للهجرة، رحمه الله تعالى وغفر له. هذه الرسالة أملاها على تلميذه عبدوس بن مالك العطار، فيها خلاصة عقيدة أهل السنة والجماعة التي من مات عليها فإنه ينجو إن شاء الله تعالى عند الله عز وجل. هذه العقيدة التي عليها الأنبياء والرسل، وسار عليها صحابة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وأمر العقائد من الأمور المهمة، فإنك إذا مت تسأل في قبرك عن ربك، وعن دينك، وعن نبيك صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فهل أنت مستعد للجواب؟ وهل الجواب الذي تقوله هو الصواب؟ العقيدة أصل الأصول، العقيدة أهم المطالب، العقيدة التي في صدر الإنسان أهم المهمات. الخطأ في باب العقيدة عظيم، قد يخرجك عن أهل السنة والجماعة، بل قد يخرجك من الإسلام في بعض الأحوال. ولهذا كانت العناية بقراءة ما كتبه سلف الأمة وأئمتها الهداة المهديون، علامة أهل السنة والجماعة. لا يقرأ هذه الكتب ويهتم بها ليعرف مغزاها ومعناها، فهي وصايا أرسلها إلينا السلف رضي الله عنهم وأرضاهم لكي نأتسي بها. قال الإمام أحمد رحمه الله: «أصول السنة عندنا». قلنا: السنة معناها العقيدة، هذا معنى السنة في هذا الموضع، أصول السنة أي أصول الاعتقاد للفرقة الناجية والطائفة المنصورة التي من مات عليها نجا. من مات عليها نجا. في ترجمة سحنون بن مالك من أئمة المالكية، تلميذ تلاميذ الإمام مالك رحمه الله، دخل على بعض أهل العلم وهو يحتضر في سكرات الموت، فرأى فيه جزعاً، فرأى فيه جزعاً، فقال: «ألست تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وتؤمن بالقضاء والقدر، وتثبت لله الصفات، وترى طاعة ولاة الأمر، وأن لا تخرج عليهم بالسيف، وتبغض أهل الأهواء والبدع؟» قال: نعم. قال: بلى. قال: «فمُتئداً، فمُتئداً، فمُتئداً». يعني: إذا مت على هذا الحال وأنت مستمسك بأصول السنة التي دل عليها كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقد نجوت عند الله عز وجل، ماذا تنتظر؟ فلا تخف ولا تحزن. مساء العظيمة سيأتي ذكرها، ومنها الخروج على الولاة كما يحصل في هذه الأيام، فهذا مما لا يجوز، سواء كان الحاكم ظالماً أو باغياً أو غير ذلك. بل الإمام أحمد رحمه الله يجعل أن من يخرج فقد خرج عن السنة، ويبدع لذلك كما سيأتي معنا. قال: «أصول السنة عندنا التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، والاقتداء بهم». معنى هذه العبارة أن أصل الاستدلال عند أهل السنة والجماعة، خلافاً لأهل الأهواء والبدع، أنهم يأخذون عقيدتهم من القرآن الكريم، ومما صح عن النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، ومما كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في فهمهم لكتاب الله، وفهمهم لسنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فما كان عليه الصحابة هو الذي عليه الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وما كان عليه الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم هو الذي كان عليه الصحابة. والأدلة على ذلك كثيرة، منها قوله جل وعلا: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾. سبيل المؤمنين هو سبيل الصحابة، طريقهم، منهجهم، سيرهم. ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾. فرتب الله جل وعلا العقاب على أمري: الأمر الأول مشاقة الرسول، ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ﴾ أي مخالفة الرسول ومحادة هدي الرسول صلى الله عليه وسلم والخروج عن هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم عطف بواو العاطفة فقال: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. معنى هذه الآية أن كل من شاق الرسول فقد اتبع غير سبيل المؤمنين، ولابد، وأن من اتبع سبيل المؤمنين فقد اتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولابد. ثم قال جل وعلا مبيناً العقاب على مشاقة سبيل المؤمنين ومشاقة الرسول: ﴿نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾. وقال الله جل جلاله: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ﴾. ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ﴾، هذا يدخل فيه التابعون ومن تبعهم إلى يوم القيامة بإحسان. ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ﴾ هؤلاء الصحابة، ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ﴾، هناك متبع بإساءة، وهناك متبع بإحسان، فليس كل من أخذ عن الصحابة وادعى النسبة إليهم كان صادقاً، بل هم صنفان. ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ﴾، قال الله: ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ﴾، لا بد أن يكون الاتباع بإحسان، فإن كان الاتباع بغير إحسان فهل اتبع السابقين الأولين؟ لا يعتبر ممن شاقق الرسول وخرج عن سبيل المؤمنين. أما من يتبعهم بإحسان فكلمة عظيمة، قال الله عز وجل: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾. وذكر جل وعلا آيات في هذا المعنى. وفي مستدرك الحاكم ومسند الإمام أحمد وغيرهما حديث العرباض بن سارية: «وإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة». هذا حديث صحيح. قال الإمام أحمد: «التمسك، وأصول السنة عندنا التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، والاقتداء بهم، وترك البدع، وكل بدعة فهي ضلالة». بعض الناس يقول: لا، البدع على أقسام، منها ما هو بدعة حسنة. يقال: كل بدعة فهي ضلالة، هكذا قال المصطفى صلى الله عليه وسلم في خطبة الحاجة: «وإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة». ويقول ابن عمر رضي الله عنه: «من زعم أن هناك بدعة حسنة فإنما أتى ضلالة»، أو كما قال رحمه الله. ليس في الدين بدعة حسنة، البدعة كلها ضلالة، كلها مخالفة، ومخالفة للدين، ومشاقة لسبيل المؤمنين. قال: «وترك الخصومات، وترك الجلوس مع أصحاب الأهواء». هذا أيضاً من أصول السنة، ترك الجدل. كل يوم وهو يناقش، كل يوم وهو في نقاشات، ولو لقصد الدفاع عن السنة، فهذا ليس من علامات أهل السنة والجماعة. أهل السنة يهتمون بالعلم والتعليم والفقه والتفقه والعمل والعبادة، وأما الخصومات فأهلها هم أهل الأهواء. قال رحمه الله: «وترك الجلوس مع أصحاب الأهواء». أهل الأهواء هم الذين هووا واتبعوا أهواء وبدعاً خالفت ما عليه الصحابة، إما في باب الحكم والولاء، وإما في باب السلوك والعبادة، وإما في باب العقائد والإيمان، وإما في باب الأسماء والصفات. فكل من اتبع هوى لم يكن عليه أصحاب رسول الله فإنه من أهل الأهواء، ومقابل هؤلاء أهل السنة والجماعة. نكتفي بهذا القدر، ونقرأ غداً بقية هذه العقيدة السلفية التي من حفظها وعمل بها نجا عند الله عز وجل. فنسأل الله جل وعلا أن يوفقنا لهداه، ويعيننا على رضاه، ويختم لنا جميعاً بالحسنة. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.