الدرس في مقدمة ومسألة في التمذهب 1، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل
يقدم المقطع ترجمة للإمام ابن رسلان وكتابه "صفوة الزبد" المنظم لكتاب "الزبد"، مبيناً مكانته في المذهب الشافعي. كما يوضح الموقف الشرعي من دراسة المذاهب الأربعة باعتبارها طرقاً موصلة إلى الله بشرط نية التعبد.
يؤكد المقطع أن الأئمة الأربعة نهوا عن التقليد الأعمى والتعصب لمذاهبهم، وأمروا باتباع الكتاب والسنة عند ظهور الدليل. ويبين أن دراسة المذاهب محمودة بشرط ترك التعصب والالتزام بالحجة الشرعية.
يحذر المقطع من التعصب الأعمى للمذاهب، مستشهداً بمخالفات أئمة الشافعية للمذهب الجديد بالدليل. ويختم بأن المذاهب طرق موصلة لله لا غايات، داعياً للتجرد والإنصاف واتباع الكتاب والسنة.
يبيّن المقطع براءة المذهب الشافعي المبكر من التصوف والأشعرية بأقوال الإمام الشافعي وأبي حامد الإسفراييني. ثم يستعرض مقدمة نظم "صفوة الزبد" مع زيادات الشارح، مبيناً فضائل النظم في الحفظ وضرورة العمل بالعلم.
يستعرض المقطع حديث أول من يُقضى عليهم يوم القيامة من المرائين، مؤكداً أن العمل لا يُقبل إلا بالإخلاص لله وموافقة السنة. ويستدل بأقوال السلف كالفُضيل بن عياض في تفسير "أحسن عملاً".
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين. نقرأ في متن الزبد للعلامة أحمد بن حسين بن رسلان، أو بن أرسلان، وجهان، والأفصح والأكثر استعمالا بن رسلان، لفظ رسلان أكثر وهو المتداول. هذا العالم، أولاً نبدأ بالتعريف به: هو أحد علماء الرملة في فلسطين، بسكون الميم، فهو رملي، وهو من بلاد فلسطين. ولد سنة 773 للهجرة، وتوفي في بيت المقدس سنة 844 للهجرة. أحمد بن حسين بن رسلان الشافعي، رحمه الله وغفر له. وهو من العلماء الذين غلب عليهم التزهد والتصوف، من أهل الصلاح، ومن أهل العلم بالفقه أيضا، رحمه الله تعالى وغفر له. وأمثال هؤلاء العلماء الذين يقعون بسبب البيئة التي يعيشون فيها في بعض المخالفات، لم يظهر لهم أنها مخالفات، وربما لم يصل إليهم من العلم ما يظهر لهم به وجه المخالفة، فهم إن شاء الله معذورون، كما يقرر ذلك ابن تيمية وغيره من أهل العلم. بخلاف صاحب الهوى وصاحب العناد الذي يعلم الحق ثم يتركه ويعانده، فهذا شأن آخر ولون آخر، عياذا بالله. ولهذا وقع علماء أجلاء في الإسلام بسبب التتلمذ على بعض من في مشاربهم غلو في بعض الأشعرية، أو الأشعرية، أو بعض المسالك، كما جرى للإمام الحافظ أحمد بن علي بن حجر، رحمه الله. من قرأ في فتح الباري في كلامه في تقرير العقائد يجد أنه يذكر الأقوال، وقد يرجح مذهب السلف، وقد يسكت، وقد يذكر القول المخالف فيسكت، وهذا بسبب ما تلقاه من زمن غير قريب أيام الطلب، فبقي في ذهنه، رحمه الله. فمثل هؤلاء يعتذر لهم، ويعاملون معاملة حسنة، فإنهم ليسوا أصحاب أهوى، ونعدهم إن شاء الله من أهل السنة، وإن وقعوا في بعض المخالفات التي تنتقد عليهم. سنقرأ في مقدمة الكتاب إن شاء الله تعالى، مقدمة فيها أشياء تنتقد، وكذلك في الخاتمة، إن يسر الله قراءتها يوما ما، فيها أشياء تنتقد. لكن هذا العالم لم يكن من أهل الأهواء الذين يقصدون عناد الحق ومخالفته، فمثلهم يعتذر لهم إن شاء الله تعالى، ويقبلون في الجملة. هذه طريقة أهل السنة والجماعة، هذه الطريقة التي مشى عليها كثير من السلف في مثل هذا: فهم اجتهدوا في معرفة الحق وأخطأوا فيه، ونسأل الله عز وجل أن يغفر لهم ويتجاوز عنهم. أما عن الكتاب، فأصل هذا الكتاب هو كتاب الزبد لشرف الدين هبة الله بن عبد الرحيم البارزي، المتوفى سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة، أحد الفقهاء. كتب كتابا سماه الزبد، فجاء ابن رسلان ونظم هذه الزبد، وزاد فيها، ونقحها، وحررها. ولهذا الأقرب في تسمية الكتاب أنه «صفوة الزبد»، صفوة الزبد، هذا هو الأقرب والأشهر في تسميته، وإن كان في بعض المطبوعات يسمونه «متن الزبد». الأقرب والأصوب أنه صفوة الزبد. وجد في بعض المخطوطات، ولم أجد من نبه على هذا: «صفوة الزبد فيما عليه المعتمد»، صفوة الزبد فيما عليه المعتمد، وهي تسمية لائقة بالكتاب. صفوة الزبد فيما عليه المعتمد، فهو يذكر في هذا الكتاب ما يعتمد من مذهب الشافعية، يذكر ما يعتمد في مذهب الشافعية بحسب ما ظهر له من خلال تحقيقه لباب الفقه المذهب. صفوة الزبد فيما عليه المعتمد. وهذا المتن كما سيأتي معنا متن ينتفع به المبتدي الذي يريد أن يتعلم الفقه أو يعرف مذهب الشافعي، بل والمنتهي أيضا. ولهذا يقول في أول نظمته: «يسهل حفظها على الأطفال، إن فهمت، يسهل حفظها على الأطفال، نافعة لمبتد الرجال». وهذا تواضع منه، كما سيأتي في الشرح إن شاء الله تعالى، والمنتهي كذلك ينتفع بها. ثم قال: «تكفي مع التوفيق للمشتغل، إن فهمت وأتبعت بالعمل، فهي كافية للمشتغل بضبط مذهب الإمام الشافعي، كافية لمن أراد الاشتغال بالفقه وضبط مذهب الإمام الشافعي، إن فهمت، أي فهما صحيحا، وتصور، وتصور فيها المسائل تصورا صحيحا، إن فهمت وأتبعت بالعمل، وكان من جمع بين العلم والعمل. وإذا زاد على ذلك فضبط أدلة المسائل وعرف قول المخالف، فإنه يكون ممن انتفع نفعا عظيما». تكفي مع التوفيق للمشتغل، إن فهمت وأتبعت بالعمل. النظم هذا له ميزات، منها سلاسته، فهو من المنظومات السهلة السلسة، ولهذا المشايخ يحفظونه، رأيت عددا من المشايخ يحفظونه حفظا عن ظهر قلب، فإذا حفظه الإنسان كان على خير، وإن فهمه الإنسان وضبطه كان أيضا في خير. كثير من ميزات هذا النظم أنه متداول بين أهل العلم إلى هذا اليوم، بل إن المحققين الذين يدرسون مذهب الشافعي يجعلونه في المرتبة الثالثة: يبدأون بكتب مبتدئة، مثل أبي شجاع، رحمه الله، ثم يقرؤون المحرر للإمام الأنصاري، لزكريا الملقب بشيخ الإسلام، ثم يقرؤون الزبد، وربما قرأوا كتابا آخر، ثم يختمون بالمنهاج. هذا عند المتأخرين، هذا عند المتأخرين من محققي المذهب الشافعي. فهذه المنظومة متداولة عند أهل العلم، هذه المنظومة متداولة عند أهل العلم، فيها مسائل محققة، ربما وجد في بعض الكتب أشياء مغلوطة وخاطئة تنسب إلى المذهب الشافعي، تجد في هذا النظم أشياء طيبة، كالكتاب على مسألة الحركات المبطلة للصلاة، كلام جميل، هو أفضل مما وجد في بعض الكتب المتأخر، كلام جميل فيها، وهكذا في مسائل أخر. أيضا من ميزات الكتاب شموله لكثير من المسائل التي تمثل في الغالب الأغلب مذهب الشافعي، رحمهم الله. ميزات الكتاب كثيرة. وقبل أن نبدأ، هناك مسائل ينبغي أن تعلم، وهو: ما هو الموقف من دراسة المذاهب الفقهية؟ ما هو الموقف من دراسة المذاهب الفقهية؟ هذه المسألة مهمة، يحصل فيها الخلط، ويحصل فيها الغلط عند بعض من يخوض فيها. ما هو الموقف من دراسة المسائل المذاهب الفقهية؟ والجواب: أن هذه المذاهب الأربعة المشهورة، وهناك مذاهب أخرى أيضا لكنها اندثرت، وإن وجد ذكر أقوال هذه المذاهب في كتب الفقهاء، كما يوجد في الأوسط لابن المنذر وغيره من الكتب المعتنية بذكر خلاف العلماء. هناك مذهب لسفيان، ومذهب الليث بن سعد، قال الشافعي: «الليث أفقه من مالك، لكنه ضيعه تلاميذه». مذاهب معروفة، ومذهب ابن جرير الطبري أيضا، وإن كان ابن جرير في الجملة قد يعد من أصحاب الشافعي أيضا، لكن هو من أصحاب الوجوه، كما سيأتي الكلام عليها في بيان من هم أصحاب الوجوه. الشاهد أن هذه المذاهب الفقهية، من مذهب أبي حنيفة، أو مذهب الشافعي، أو مذهب مالك، أو مذهب أحمد، رحمه الله، كلها طرق موصلة إلى الله عز وجل، أراد أصحابها أن يتعبدوا لله عز وجل عبادة يمتثلون فيها الأوامر ويجتنبون فيها النواهي، هذا قصدهم، واجتهدوا في ذلك. فمن درس مذهب أبي حنيفة بهذه النية، نية معرفة ما يتعبد به لله، أو مذهب أحمد، أو مذهب مالك، أو مذهب الشافعي، لم ينكر عليه، وكان على خير، كان على خير. فكل المذاهب طرق توصل إلى الله عز وجل، أصحابها اجتهدوا فيهم. هذا أولا مما ينبغي أن يعلم، فنحن لا ننظر إليها نظرة العداء، هذا من تشنيعات بعض القاصرين، لا ينظر إليها نظرة العداء ولا المعاداة، كلها طرق أراد أصحابها أن يصلوا إلى ربهم وباريهم فيعبدوهم عبادة صحيحة. ولهذا لا مانع أن يدرس الإنسان مذهب أبي حنيفة، حتى لو كان في بلاد يدرس أهلها مذهب الشافعي، لا مانع إلا عند من فيه من لم يفهم المسألة. ولا مانع أن يدرس الإنسان مذهب مالك، حتى في بلاد الحنابلة، ولا مانع أن يدرس الإنسان أي شيء، أي مذهب من المذاهب الفقهية التي عليها أهل السنة والجماعة. لكن ينبغي أن يتحلى بأمرين: الأمر الأول: ترك التعصب المذهبي. فإن أصحاب هذه المذاهب حذروا من التقليد والتعصب، فلا يجوز التعصب لا لمذهب الشافعي، ولا يجوز التعصب لمذهب مالك، ولا يجوز التعصب لمذهب أحمد، ولا يجوز التعصب لمذهب أبي حنيفة، أو لغيرهم من أهل العلم في أي زمان. فالتعصب والتقليد محرمان لمن قدر على أخذ المسائل وفهمها. ولهذا لا بد من ترك التعصب. وصل الحد ببعض المتعصبة، عياذا بالله، إلى أن جعلوا الخلاف في نكاح الشافعي بالحنفية، هل يجوز أم لا يجوز؟ فأتى بعض المتعصب من الحنفية فقال: يجوز قياسا على أهل الكتاب، يجوز زواج الشافعي، يجوز زواج الحنفي من الشافعية قياسا على أهل الكتاب. وجاء في زمن من الأزمان كان في الحرم المكي أربعة محاريب، والمحاريب من الأمور التي أحدثت في الأزمان المتأخرة: محراب للشافعية، ومحراب للحنفية، ومحراب للمالكية، ومحراب للحنابلة. فيقف الحنفيون أولا فيصلون، ولا يصلي معهم الشافعية، ولا يصلي معهم الحنابلة، ولا المالكية، ثم يأتي المذهب الذي بعد الشافعي مثلا فيصلي، ولا يصلي معه أصحاب المذاهب الأخرى. هل هذا من دين الله عز وجل؟ هذا لا شك من شؤم التعصب، على ما جعلتم، كما يقول الصنعاني، رحمه الله، في منظومته في قصيدته النجدية الصادقة: على ما جعلتم أيها الناس ديننا لأربعة ... لا شك في فضلهم عندي هم علماء الدين شرقا ومغربا ... ونور عيون الفضل والعلم والزهد ولكنهم كالناس ليس كلامهم دليلا ... ولا تقليدهم في غد يجدي ولا زعم حاشاهم أن قولهم دليل فيستهدي به ... كل مستهدي بلى صرحوا أننا نخطئ قولهم ... إذا صادم المنصوص بالقدح والرد فبدعة تعصب بهذه الصورة للمذاهب، بدعة نكرها أهل العلم. الله جل وعلا جعلنا مسلمين، هو سماكم المسلمين، فهذا الذي يتمسك به، يتعصب له، إن صح التعبد. وعما أن يقول قائل: يظهر له بالحجة والدليل خلاف قول الإمام، أنا شافعي، فيترك الحجة والدليل لقول الشافعي، ويترك الحجة والدليل لقول مالك، أو أبي حنيفة، أو أحمد، فهذا الذي أنكره هؤلاء الأئمة. الأئمة الأجلة، عندنا كتاب عظيم للإمام إسماعيل بن يحيى المزني، أبي إبراهيم، رحمه الله، تلميذ الشافعي. قال الشافعي في المزني: «المزني حافظ مذهبي». في مختصر المزني، قال المزني: «أما بعد، فهذا، فهذا مذهب، فهذا ما أملاه، أو هذا اختيار أبي عبد الله محمد بن إدريس الشافعي، رحمه الله، كتبته لمن طلب معرفته، مع إعلامه نهيه عن تقليد». أي أن الشافعي، الإمام المشهور، أحد كبار أئمة السنة، الملقب بناصر السنة، وهو كذلك، قال رحمه الله للمزني، لما طلب منه أن يملي عليه وأن يذكر له ما يختاره في المسائل: «مع إعلامه، أي أعلمني، نهيه عن تقليده، أي لا تقلدوني فيما قلت، إنما هي آراء أقول فيها القول وقد أتركه، فإذا ظهرت الحجة والدليل فخذوا بالحجة والدليل ودعوا قوله». ولهذا قال الشافعي كلمته المشهورة محذرا من التعصب والتقليد الأعمى: «إذا صح الحديث فهو مذهبي». أي إذا رأيتم قولي يصادم حديث رسول الله، وبان لكم صحة الحديث، وأنه يخالف قولي، وأن قولي يعارض هذا الحديث، فلا تقولوا: قال الشافعي كذا، وتتركوا الحديث، بل خذوا بالحديث واتركوا قولي، فإن مذهبي هو الحديث الصحيح. ولهذا هذا شأن المحققين من أهل العلم. لهذا المذاهب لا تكتب في حياة أصحابها، المذاهب تكتب بعد موتهم، لأجل احتمال أن يغير العالم قوله، فيأخذ الآخذ عنه، ثم ينسخ العالم ذلك المذهب والاختيار. والإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي، توفي سنة أربع ومئتين، من أئمة السلف، ومن أئمة أهل الحديث، ومن أئمة السنة، فمذهبه هو مذهب أحد مذاهب أهل الحديث، مع مذهب مالك، ومذهب الشافعي. ولهذا نقول اليوم: من يقرأ كتب الشوكاني، الإمام المعروف، لا ينكر عليه، ولا يثرب عليه، لأنها طريق إلى الله عز وجل، ولا يشن عليه، لا كما يفعل بعض المتعصب، ويشنعون على من يقرأ كتب الشوكاني، أو يقرأ كتبا، كتبا في مذهب أحمد بن حنبل، أو نحو ذلك، يغضبون لذلك، وهذا الغضب في غير محله، غضب في غير محله، ناتج عن عدم فهمهم لفقه الأئمة الأوائل. الأوائل نصوا على ترك التقليد: قال الفلاني، قال أبو حنيفة الإمام: «لا ينبغي لمن له إسلام أخذا بأقوالي حتى تعرض على الحديث والكتاب المرتب». ومالك الإمام، دار الهجرة، قال: «وقد أشار نحو الحجرة، لا ينبغي كل كلام منه ذو قبول، ومنه مردود، سوى الرسول». والشافعي قال لهم: «قال لهم، والشافعي قال: إن رأيتم قولي مخالفا لما رويتم، فاضربوا بقولي الجدار، بقولي المخالف الأخبار». وأحمد قال لهم: «لا تكتبوا عني جميع ذاك، بل أصل ذاك فاطلبوا دينك، لا تقلد الرجال، حتى ترى أولاهم مقالة». كما قال الإمام أحمد، رحمهم الله. كل الأئمة مجمعون على هذا. ولهذا لا يجوز لأحد إذا قيل له: إن هذا القول يخالف السنة الصريحة، أن يقول: قال فلان من الناس، من الأئمة الأجلاء، بكذا، فيعارض حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم بقول أحد من الناس. هذا لا يحل، ولا يجوز، وهو من الأمور المخالفة للدليل. ولهذا الأئمة يردون بعض المذاهب، ولا ينكر عليهم. فالمزني، تلميذ الشافعي، خالف الإمام الشافعي في مسائل معروفة، خالفه فيها، سيأتي معنا في باب الاستنجاء مسألة منها، وينبه على غيرها في موضعها. وكذلك النووي، رحمه الله، وهو من محققي المذهب، هو وعبد الكريم، الإمام عبد الكريم الرافعي، رحمه الله، أيضا، هما يعتبران شيخَي المذهب، لأنهما حققاه ونقحاه، ومع ذلك توجد للإمام النووي مسائل خالف فيها الشافعي، كمسألة السواك بعد الزوال، مذهب النووي، رحمه الله، أن هذا جائز، وأنه مذهب الشافعي، لأن القول بكراهة الاستياك بعد الزوال نسب إلى الشافعي، وكبار النقل، كالترمذي، ينقلون عنه جواز الاستياك للصائم في سائر النهار، فأخذ النووي بالحجة والدليل، وترك المذهب في مسائل معروفة، في مسائل معروفة. ولهذا من درس هذه المذاهب من غير تعصب، وإذا بان له الدليل أخذ بالدليل، وإذا علم الحجة أخذ بالحجة، كانت دراسته محمودة، ليست مذمومة. لكن من يتعصب، عياذا بالله، فهذا لا ينبغي أن يعد من أهل المذهب، لا ينبغي أن يعد من أهل المذهب، أو أي مذهب، كما قال أئمتهم، رحمهم الله تعالى، ولا يعد حتى في طلبة العلم. قال ابن عبد البر: «أجمع العلماء على أن المقلد ليس بعالم ولا طالب علم». هذا مما لا يختلف فيه العلماء. ولهذا هذا المذهب، مذهب الإمام أبي عبد الله محمد بن إدريس الشافعي، من المذاهب القائمة على تعظيم الدليل والحجة، ولهذا ظهر أصحاب الوجوه، وهم الذين أخذوا عن الشافعي بواسطة أو أكثر، يسمون أصحاب الوجوه، وهم طبقات. قال أهل العلم: يصعب حصرها، عدد عديد من الأئمة في مشرق الأرض ومغربها، منهم الإمام ابن المنذر، وهو يخالف المذهب في مسائل كثيرة، وكذلك الإمام محمد بن نصر المروزي، أعلم الأمة بالخلاف، خلاف العلماء، يخالف في مسائل مشهورة، وكذلك ابن جرير، يعد منهم، ويأتي بعدهم طبقة ابن سريج، وطبقة أبي علي بن أبي هريرة، وأبي عبد الله الصيرفي، إلى عصر ابن الصلاح ونحوهم، أئمة كثر، لهم اجتهادات، رأوا أن المذهب يخالف فيها الدليل، فتركوا المذهب وأخذوا بالدليل. بل ربما أخذوا بالمذهب القديم لأبي عبد الله الشافعي، في مسائل تزيد على ثلاثين مسألة، بل أكثر من ذلك، تركوا المذهب الجديد، وأخذوا بالمذهب القديم، لأنهم ظهر لهم أنه راجح، وأنه أقوى. من المسائل المشهورة: مسألة من مات وعليه صيام، كان قادرا على الصوم، كان قادرا على قضاء الصوم، مريض في رمضان، وكان قادرا على أن يقضي الصوم بعد رمضان، فتهاون فيه حتى مات، مضت مدة كان يسعه فيها القضاء فتهاون. المذهب القديم للإمام الشافعي: أن على هذا أن يصوم عنه وليه، يصوم عنه وليه، لما جاء فيه صحيح مسلم وغيره: «من مات وعليه صيام صام عنه وليه». المذهب الجديد خلاف ذلك. يأتي ابن الصلاح، رحمه الله، في فتاويه مثلا، ويقرر أن الصواب في المسألة هو المذهب القديم لا الجديد، لحديث: «من مات وعليه صيام صام عنه وليه»، إلى أن قال: «ولا تأويل له يفرح به»، أي أن من عارض هذا الحديث، مهما حاول في التأويل، لا يوجد له تأويل قائل يقبل منه، رحمه الله. وجزم النووي في المجموع أن هذه المسألة القول فيها عند المحققين أن عليه صيام، أن على وليه أن يصوم. هذا من باب المثال، هناك أمثلة كثيرة لمثل هذه المسائل. فالحاصل أن دراسة المذاهب أمر سائغ، وأمر متداول، إذا تجرد عن التعصب. هذا الأمر الأول. وإذا كان الدارس والمعلم، إذا ظهر له الدليل، ترك المذهب وأخذ بالدليل، أي الدليل الواضح، لا سيما إذا وجد من أصحاب الوجوه أولئك الأئمة الذين هم من أهل الاجتهاد من قال به، وهكذا إذا وجد أئمة آخرين يتجردون لله سبحانه وتعالى ويأخذون بما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. أختتم بكلمة لابن القيم، رحمه الله، في مدارج السالكين: قال: «كلمت بعض المتعصبة للمذاهب، فقلت له: إن مذهبكم في المسألة كيت وكيت يخالف حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، أفتأخذ بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أم تأخذ بالمذهب؟ قال: لا بل آخذ بالمذهب. قال: قلت له: المسألة بحالها كما هي، أرأيت لو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حي أمامك، وخاطبك في هذه المسألة التي يخالف مذهبك فيها حديثه، وسمعت بأذنك منه ذلك الحديث، أكنت تترك حديثه لأجل المذهب؟ قال: لا والله لا أترك. هل فهمنا المسألة يا إخواني؟ قال: لا أتركه. قال ابن القيم: فقلت له: فما الذي نسخ ذلك بعد وفاته؟ قال: فوضع إصبعه على فيه، وقال: ها. وسكت. وضع إصبعه على فيه، ثم قال: ها. ما معنى هذا الكلام عندك يا إخوانا ذهن؟ يعني: لو سمعت من الرسول هذا الحديث تعمل به ولا تتردد، لكن بعد موته، إذا رأيت الحديث يخالف المذهب مثلا، تأخذ بالمذهب وتترك الحديث. قال: فوضع إصبعه على فيه، وقال: ها». ولهذا الشافعي يقول: «إذا رأيتم قولي يخالف حديث رسول الله، فاضربوا بقولي الجدار». هكذا قال أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي، وكان من أعظم الناس تعظيما للسنة. قيل له بمسألة: أتأخذ فيها بالحديث؟ قال: «سبحان الله، أرأيت علي زنارة؟» يعني: الزنانير التي، الشعر الذي يفتله اليهود، من أجل... يعني: أنا يهودي؟ كيف لا أخذ بالحديث؟ كيف لا أخذ بالدليل؟ لهذا جرى المحققون من علماء المذهب على التجرد لله عز وجل، وهذا الذي سنجري عليه في هذه القراءة إن شاء الله تعالى، ونحرص على ذكر من قال الخلاف من أئمة الشافعية، ليعلم أن هذا قول في مذهب الشافعية، رحمهم الله تعالى. وهكذا نوصي أنفسنا، ونوصي السامع، ونوصي من سيأتي، أن يكون فهمه للمسائل فهم تجرد، وأخذه أخذ إنصاف، وليس أخذ تعصب واعتساف، فإنه لا يبارك له في العلم، من أراد أن يبارك له في العلم، فليلتزم بحلية الإنصاف، وليتجنب حلية الاعتساف والظلم والتعصب. بعض الناس الآن يشنع على مخالفه، مثل الشوكاني مثلا، شنع عليه بعض الناس، للأسف يشنعون، حتى قالوا: ظاهري المذهب، وهذا أمر عجب. الشوكاني يرد أصولا، ويرد فروعا، باجتهاده، وهو من أهل الاجتهاد، خالف فيها أهل المذاهب، الدليل عنده في نظره، فكيف يتعصب لمذهب ابن حزم، أو لمذهب الظاهرية؟ سبحانك، هذا بهتان عظيم. نحترم الأئمة، ونعذر المجتهدين، أيًا كانوا، في أي زمن كانوا، نعذرهم ونحترمهم، ولا نفعل كما يفعل المتعصبة، كالكوثري مثلا، إذ نقل كلام الفاضل الرافضي، الذي حكم بردته عند كثير من أهل العلم، إذ كفر الشوكاني. كل هذا سببه التعصب، عياذا بالله. تعصب، عياذا بالله، يفعل العظائم، نسأل الله العافية. السلام، أبو الحسن الكرخي، من علماء الحنفية، قال: «كل حديث قرأته في بعض كتبه، كل حديث يخالف قول أبي حنيفة، فهو إما لا يثبت، وإما منسوخ». نسأل الله العافية. السلام. كل حديث، جعل قول أبي حنيفة أصلا، وجعل الأحاديث فرعا، يعود إلى أصل هو قول أبي حنيفة. هذا التعصب، نسأل الله العافية. السلام. الله جل وعلا يقول في كتابه الكريم: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾. ويقول ربنا سبحانه وتعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. ويقول جل وعلا: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾. فالأصل أن هذه المذاهب طرق موصلة إلى الله عز وجل، من غير تعصب، ولا اعتساف، ولا هجوم على من خالف المذهب، بل كلهم إخوة وأحباب، وكلهم على خير، وكلهم في هدى، وكلهم في صلاح. نترحم عليهم، ونحترمهم، ونقرأ كتبهم، ونستفيد منهم، وبأبصارهم نستضيء، ونفهم المسائل، ونفهم الأدلة ووجوهها، ونفهم الراجح من المرجوح، فنحن لهم تبع، نحن لهم تبع. هذه مقدمة يسيرة في بيان هذه المسائل المهمة. وليست هناك علاقة أيضا من المسائل: هل هناك علاقة بين مذهب الشافعي والتصوف؟ الإمام الشافعي، كما في آداب ومناقب الشافعي لابن أبي حاتم، يقول: «لو تصوف الرجل أول النهار، لجاء آخره وهو أبله». ويقول: «صحبت الصوفية، فما استفدت منهم شيئا إلا كلمتين: الوقت كالسيف، إن لم تقطعه قطعك، ونفسك إن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل». يعني أن باطلهم وأخطاءهم كثيرة، ووجد عندهم من الحق مثل هذا، والحق ضالة المؤمن، أينما وجده أخذ. ولهذا هناك مباينة في المذهب، فالمتقدمون لم يكونوا صوفية، ولا أشاعرة، كما نص على ذلك أبو حامد الإسفراييني، من أئمة الشافعية الكبار، نص على أن الشافعية يعنفون من ذكر مذهب الأشعر، ولا يعدون الأشعرية منهم، هكذا قال أبو حامد. قال: «وإذا ذكروه في كتبهم ميزوه، فقالوا: قال الشافعية كذا، وقال الأشعري كذا». هكذا قال أبو حامد الإسفراييني، رحمه الله وغفر له، من أئمة السلف الذين كانوا يتمسكون بالسنة تمسكا شديدا، لعلنا نقرأ شيئا من كلامه في عينه. وهكذا ذكره، ما ذكره الإمام أبو الحسن الكرجي، الكرجي، رحمه الله، أيضا، هو من أئمة الشافعية، نحو هذا الكلام. وهذا موجود في صنيع أبي إسحاق الشيرازي، وهو من أئمة أهل السنة، ولم يكن أشعريا، إذا ذكر مذهب الأشعري قال: «وقال الأشعري»، يميزه عن مذهب الشافعية. والكلام له ذيول في هذا الباب كثيرة، تحتاج إلى ذكر، وإلى بيان، مما سيأتي معنا. مثال في باب المياه: يقول الغزالي، أبو حامد: «ليت الشافعية أخذ بأصل مالك في المياه». هذا من تجرده للدليل، هذا من تجرده، رحمه الله، للدليل، رحمه الله. سيأتي معنا أمور خاصة في مثل هذا الباب، لعلنا نقرأ بعض الأبيات من هذه، من مقدمة الكتاب، رحمه الله تعالى وغفر له. قال: «بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، الحمد للإله ذي الجلال، وشارع الحرام والحلال، ثم صلاة الله مع سلام، على النبي المصطفى اتهام، محمد الهادي من الضلال، وأفضل الصحب وخير آل، وبعد، هذه زبد نظمتها، أبياتها ألف، بما قد زدتها، يسهل حفظها على الأطفال، نافعة لمبتد الرجال، تكفي مع التوفيق للمشتغل، إن فهمت وأتبعت بالعمل، فاعمل، ولو بالعشر، كالزكاة، تخرج بنور العلم من ظلماته، فعالم بعلمه لم يعمل، معذب من قبل عباد الوثن، وكل من بغير علم يعمل، أعماله مردودة لا تقبل، والله أرجو المن بالإخلاص، لكي يكون موجب الخلاص». هذه مقدمة ذكرها، رحمه الله، فيها حمد الله عز وجل، الثناء عليه سبحانه وتعالى، والحمد معروف، وهو الثناء على الله عز وجل على الجميل الاختياري، كما قال أهل العلم، والحمد يكون باللسان، فهو أخص، والشكر أعم، إذ يكون باللسان، وبالقلب، وبالأركان. وبين، رحمه الله وغفر له، أن الذي يشرع الحلال والحرام ليس إلا الله سبحانه وتعالى، وشارع الحلال والحرام، فالتحريم لله عز وجل، والتحليل لله عز وجل، ودليله من القرآن قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾، والآيات في هذا المعنى كثير، ومنها قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾، ثم ذكر أعظم ذلك فقال: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. ثم صلاة الله مع سلام على النبي المصطفى. البدء بالبسملة من سنة الكتب، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبدأ الكتب بالبسملة، كما هو معلوم في الصحيحين، في صحيح البخاري وغيره، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أرسل كتابا كتب: «بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد عبد الله ورسوله، إلى هرقل عظيم الروم، إلى المقوقس»، فكان يبدأ بالبسملة، فهي سنة الكتب من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم. كذلك من السنة أيضا الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، فإن هذا من أسباب البركة، أن نصلي على النبي صلى الله عليه وسلم. «اتهام» نسبة إلى التهائم، فإن مكة وما بعدها تسمى تهامة، لأنها أرض منخفضة، وضدها النجد، فكلما ارتفعت من مكة كلما علت بك الأرض إلى الطائف، ثم إلى بلاد نجد، فمن مكة تسمى تهامة. «محمد الهادي إلى الضلال»، وأفضل الصحب وخير آل، وبعد، هذه زبد نظمتها، تقدم الكلام على أنه يعني زبد شرف الدين البارزي، وزاد عليه، فهذه زبد، والإشارة لمحسوس في الأظهر. وبعد هذه زبد نظمتها، أبياتها ألف، بما قد زدتها، ألف، أي على وجه التقريب، وإلا أبيات الزبد، نظم الزبد المسمى بصفة الزبد، تزيد على الألف، تزيد، لعلها تصل إلى ألف وثمانين، أو أكثر من ذلك، أو أقل. «يسهل حفظها على الأطفال»، هذا يعادة النظم، أن النظم لحلاوته يسهل حفظه، بخلاف المتون، فإن حفظها فيه صعوبة، حفظ المتن فيه صعوبة، وليس مستحيلا، قولنا فيه صعوبة لا يعني أنه مستحيل، لكن النظم أسهل، النظم أسهل، النظم أسهل. «نافعة لمبتد الرجال»، تواضع منه، رحمه الله، أن ينتفع بها المبتد في سلم التفقه، وأكثر الحاضرين قد أخذوا من هذا الفقه في المسائل الأشياء، فهي نافعة للمبتد، كذلك أيضا لم يذكر المنتهي، تواضعا، رحمه الله، هو فيه إزراء على نفسه، رحمه الله، وهذا من شيمة العلم النافع، أن يزري العالم على نفسه. ثم أشار إشارة إلى المنتهي، فقال: «تكفي مع التوفيق للمشتغل»، أي مع توفيق الله عز وجل، حسن عنايته، والتضرع إلى الله أن يفقهه، وأن يعلمه، وأن يبصره، قال جل وعلا: ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ﴾، التوفيق بيد الله عز وجل، والتوفيق عزيز، ليس كل أحد يناله، ولهذا التوفيق من فعل الله عز وجل، فينبغي سؤاله جل جلاله أن يوفقك، تسأله في سجود أن يهديك، ويوفقك، ويعينك على الفهم والتبصر. «للمشتغل»، أي المشتغل بفقه الشافعي، هذا يشمل المنتهي، فالمنتهي مشتغل، وهذا الذي أراد. «إن فهمت»، أي فهما صحيحا، فهمتها وتصورتها، «وأتبعت بالعمل»، كذلك كنت ممن يعمل بعلمه. يقول: «فاعمل، ولو بالعشر، كالزكاة، تخرج بنور العلم من ظلماته»، ويجوز: «من ظلماته»، «من ظلماته»، «من ظلماته»، حسب الوزن. العلم لا يثبت إلا بالعمل، ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، فلابد من العمل، فالعلم بلا عمل ليس بنافع. ويقول، رحمه الله: «لو عملت بعشر ما علمت كنت على خير، فكيف بمن يعمل بما علم؟». لهذا كان الإمام أحمد، رحمه الله، ما يعلم سنة إلا ويعمل بها، ولو مرة، قال: «حتى أعمل بالسنة إذا علمت بها، ولو مرة، لتكون من أهلها». قال، رحمه الله: «فعالم بعلمه لم يعمل، معذب من قبل عباد الوثن». البيت مشهور متداول، ومعناه صحيح، يدل عليه حديث أبي هريرة، رضي الله عنه: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن أول الناس يقضى يوم القيامة رجل استشهد، فأتي به، فعرفه الله نعمته عليه، فعرفها، قيل له: فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت. فيقال له: كذبت، ولكنك قاتلت ليقال: جرئ، وقد قيل. ثم يؤمر به فيسحب على وجهه إلى النار. ورجل تعلم القرآن، فيقال: فيعرفه الله نعمته عنه، فيقول: فيقول: نعم، فما عملت فيها؟ في القرآن، فيقول: تعلمت فيك العلم، وعلمته فيك، وقرأت القرآن. فيقال: كذبت، ولكنك تعلمت ليقال: عالم، وقد قيل. ثم يؤمر به فيسحب على وجهه إلى النار، عياذا بالله. ورجل وسع الله عليه، فأنفق نفقة، فقيل: فعرفه الله عز وجل نعمته عليه، فعرفها، قيل له: فما عملت فيها؟ قال: أنفق، قال: أنفقت، ما تركت من سبيل في الخير تحب أن ينفق فيه إلا فعلته. فيقال له: كذبت، ولكنك فعلت ليقال: جواد، وقد قيل. ثم يؤمر به فيسحب إلى النار». هذا الحديث، كان أبو هريرة، في بعض الروايات، إذا قرأه يغشى عليه، وكذلك أيضا معاوية، رضي الله عنهم أجمعين. «فعالم بعلمه لم يعمل، معذب من قبل عباد الوثن»، أول من يقضى يوم القيامة هؤلاء، فالأمر يحتاج إلى إخلاص النية لله عز وجل في طلب العلم، في بذله، في العمل به، يحتاج المسلم أن يتفقد قلبه ونيته وقصده ومراده، فإنما الأعمال بالنيات، كما أخبر النبي صلى الله عليه وعلى وسلم. ثم قال، رحمه الله: «وكل من بغير علم يعمل، أعماله مردودة لا تقبل». كل من يعمل بغير السنة، وبغير الوجه الشرعي للعبادة، فإن عبادته باطلة ومردودة، لحديث عائشة، رضي الله عنها: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»، في رواية: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد». وسئل الفضيل بن عياض، قال في قوله سبحانه: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾، قال: «أخلصه وأصوبه». فسئل: ما المراد بقولك: أخلصه وأصوبه؟ قال: «إن العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبله الله عز وجل، وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبله الله عز وجل، ولم يقبله، والخالص أن يكون لله تعالى، والصواب أن يكون على السنة». وكل من بغير علم يعمل، أعماله مردودة لا تقبل. «والله أرجو المن بالإخلاص»، ونحسبه من أهل هذا الباب، والله حسيب، ولا نزكي على الله أحد. «والله أرجو المن بالإخلاص، أن يمن الله علي، فأكون من أهل الإخلاص في أعمالي التي أعملها، لاسيما العلم والنظم والكتاب والشرع، ونحوه، لكي يكون موجب الخلاص»، أي الخلاص عند الله عز وجل من النار ومن العقوبة. نكتفي بهذا القدر، وغدا إن شاء الله، وندخل فيه مقدمته التي ذكرها في العقائد. هذا، صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.