الخطبة بعنوان التحذير من الفتن، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 15 ربيع أول 1432هـ ألقاها
يبين الخطيب أن العبادة عند اشتداد الفتن تعدل الهجرة إلى النبي ﷺ، وأن الموت والفقر وإن كرههما الإنسان فهما خير للمؤمن وأقل حساباً. ويؤكد أن الفقراء يسبقون الأغنياء إلى الجنة داعياً للمبادرة بالأعمال الصالحة قبل تقلب القلوب.
يستعرض المقطع أحاديث تحذر من الفتن وتأمر بمجانبة مواطنها والقعود فيها خير من القيام. ويذكر الاستعاذة من عذاب القبر والنار وفتنة المسيح الدجال مبيناً أن الفتن نوعان: شبهات وشهوات.
يفصل المقطع خطر فتنة الشبهات المفضية للكفر والنفاق والبدع، وخطر فتنة الشهوات المفتوحة عبر وسائل الإعلام. ويأمر بصيانة السمع والبصر عن الباطل والتقوي بالعلم والصبر لرد الفتن عن النفس والأهل.
يختتم الخطيب بالحمد لله رب العالمين والأمر بإقامة الصلاة. ثم يُذكر اسم المترجمة نانسي قنقر مرتين في ختام المقطع.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله. الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدى هدى محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها الناس، روى الإمام مسلم في صحيحه عن معقل بن يسار رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «العبادة في الهرج كهجرة إلي». فحث عليه الصلاة والسلام ورغب عند الاختلاف وعند الفتن بأن يتعبد العبد لربه عز وجل، وأن يشتغل بما ينفعه، وذكر الأجر العظيم لمن شغل بعبادة الله عند شغل الناس بالفتن، فقال: «العبادة في الهرج» أي: عند القتل والقتال والاختلاف، «كهجرة إلي». والهجرة إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أجرها عظيم، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، أي: من كان قصده ذلك فثوابه عظيم. وجعل الثواب العظيم أيضًا في التفرغ للعبادة في وقت الفتن. وقد روى الإمام أحمد في مسنده، وأبو داود في سننه، عن محمود بن لبيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «ثنتان يكرههما ابن آدم وهما خير له: يكره الموت، والموت خير للمؤمن من الفتنة، ويكره قلة المال، وقلة المال أقل للحساب». وهو حديث جيد. هذا الحديث العظيم: يكره ابن آدم ثنتين، وهاتان الخصلتان خير له لو علم. يكره الموت، والموت خير له من الفتنة، ويكره قلة المال، وقلة المال أقل للحساب. كما روى الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «يدخل الفقراء الجنة قبل الأغنياء بنصف يوم، بخمسمائة عام، وإن يومًا عند ربك كألف سنة مما تعدون». فالفقراء من المؤمنين يدخلون الجنة قبل الأغنياء من المؤمنين بخمسمائة عام. ويكره قلة المال، وقلة المال أقل للحساب. أيها الناس، روى أبو داود في سننه عن المقداد بن الأسود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إن السعيد لمن جنب الفتن، إن السعيد لمن جنب الفتن، إن السعيد لمن جنب الفتن، ولمن ابتلي فصبر فواها». حديث صحيح عن الرسول عليه الصلاة والسلام، كرر ذلك ثلاثًا من شدة حرصه وشفقته ونصحه لأمته. يقول: «إن السعيد لمن جنب الفتن»، وقاه الله شر الفتن، وجنبه الفتن، ووفقه لأن يكون في جنب، والفتن في جنب، لا يقرب منها، ولا يريدها، ولا يتطلع إليها. وقد روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «بادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمنًا ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا، يبيع دينه بعرض من الدنيا». وفي رواية لمسلم: «يبيع دينه بعرض من الدنيا قليل». فقال: «بادروا بالأعمال» أي: الصالحة. فإذا اشتغلت بعمل صالح جاءت الفتنة وأنت مشغول به عن الفتن، فوقاك الله شر الفتن: في طلب العلم، وفي الحرص على الخير، وفي بذل المعروف للمسلمين، وفي سائر أبواب الخير التي تستطيعها، اشغل نفسك بها. وإن لم تشغل نفسك بالحق شغلتك بالباطل. وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «ستكون فتن، القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، من تشرف لها تستشرفه، فمن وجد ملجأ أو معاذًا فليعذ به». فرغب عليه الصلاة والسلام بالقعود إذا قام الناس، ورغب بالوقوف إذا مشى الناس، ورغب في المشي إذا سعى الناس. بل جاء أيضًا في رواية مسلم: «ستكون فتن، النائم فيها خير من اليقظان». وجاء في صحيح مسلم عن أبي بكرة أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «ستكون فتن، ألا ثم تكون فتنة، فالقاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، فمن كان له إبل فليلحق بإبله، ومن كان له غنم فليلحق بغنمه، ومن كانت له أرض فليلحق بأرضه». فقال رجل: يا رسول الله، أرأيت إن لم يكن لأحدنا إبل ولا غنم ولا أرض؟ قال: «فليعد إلى سيفه فيدق حده، ثم ينجو إن استطاع النجاء». وفي صحيح البخاري عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «يوشك أن يكون خير مال المسلم غنمًا يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر، يفر بدينه من الفتن». وربنا عز وجل يقول: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً﴾. فيا معشر المسلمين، إذا ابتلينا فعلينا بالصبر ومجانبة الفتن، فإن الفتن من استشرف وقام وحرص عليها فإنه يكون من حطبها، والعياذ بالله. وقد حذر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم غاية التحذير من المشاركة في الفتن. قال زيد بن ثابت: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتى حائطًا للأنصار وهو على بغلته، فحادت به، حادت به البغلة، وإذا أقبر: ستة أو خمسة أو أربعة. فقال: «من يعرف أصحاب هذه القبور؟» قال رجل: أنا يا رسول الله. قال: «متى مات هؤلاء؟» قال: في الشرك يا رسول الله. فانظر يا عبد الله، الرسول على بغلته مر على بعض القبور، فمادت به وكادت أن تلقيه مما يسمع من عذاب أهل القبور. فقال: «لولا ألا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب أهل القبور ما أسمع». ثم قال لنا: «استعيذوا بالله من عذاب النار». قلنا: نعوذ بالله من عذاب النار. قال: «استعيذوا بالله من عذاب القبر». قلنا: نعوذ بالله من عذاب القبر. قال: «استعيذوا بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن». قلنا: نعوذ بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن. قال: «استعيذوا بالله من فتنة الدجال». قلنا: نعوذ بالله من فتنة الدجال. رواه مسلم في صحيحه. وفي الصحيحين عن عائشة، ونحوه عن ابن عباس، وعن أبي هريرة أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يستعيذ قبل أن يسلم في صلاته، يقول: «اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، ومن عذاب النار، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال». وفي حديث عائشة: «وكان يقول: اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمغرم». فسئل فقال: «إن الرجل إذا غرم حدث فكذب، ووعد فأخلف». أقول قولي هذا، والحمد لله رب العالمين. الحمد لله، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. أما بعد، أيها المسلمون، الفتن التي تعرض على المسلم: فتن شبهات، وفتن شهوات. وأعظمها خطرًا فتنة الشبهات التي تؤدي إلى الكفر والنفاق والبدع، والعياذ بالله. والسعيد من جنبه الله عز وجل. وفتنة الشهوات التي فُتحت في هذا العصر على مصراعيها بسبب وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة، وغير ذلك من الفتن: فتن الشهوات، وفتن الشبهات. فمن الناس من ابتلي بفتنة الشبهات بمجالسة أهل البدع، والسماع لهم، والتعظيم لهم، والثناء عليهم، فيلقون في سمعه ما لا ينجو إلا أن يشاء الله عز وجل، فيؤدي سمعه ذلك إلى أهل البدع، إما أن يكون من أهل البدع، وإما أن يكون من أهل النفاق والكفر. فإن الشكوك والشبهات التي تلقى على القلوب لا يسلم صاحبها إلا أن يشاء الله. وفتن أخرى: فتن في الشهوات. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا، واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء». رواه مسلم عن أبي سعيد رضي الله عنه. وقال عليه الصلاة والسلام: «ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء». متفق عليه عن أسامة رضي الله عنه. وقال عليه الصلاة والسلام: «لكل أمة فتنة، وفتنة أمتي المال». رواه الترمذي عن كعب بن عياض رضي الله عنه. فاحذروا يا عباد الله على أنفسكم من الفتن، ومن أعظمها كما سمعت: مجالسة أهل البدع والسماع لهم، فإنهم لا يقولون الحق، وإن قالوه أدخلوا مع الحق من الباطل أضعاف ما يقولون من الحق. فعلى المسلم أن يصون سمعه، وأن يصون بصره عن سماع الباطل، وعن رؤية الباطل، وعن مجالسة أهل الباطل. فإن العذاب إذا نزل عم الجميع، ثم يبعثون على نياتهم. وإن السعيد من جالس أهل الحق، فإذا حصلت الرحمات والخيرات والبركات حصل له بهذا معهم. هم القوم لا يشقى بهم جليسهم. وإن كثيرًا من الناس اليوم أصغوا لأهل البدع، فصاروا يرددون عبارات، وينظرون إلى أشياء مما حرم الله عز وجل، وهذه عقوبة لهم. إن المسلم، إن المؤمن إذا أذنب ذنبًا نُكت في قلبه نكتة سوداء، فإن تاب ونزع صُقل قلبه، فإن عاد نُكت فيه نكتة سوداء حتى يغطى قلبه، وذاك الران. وقرأ عليه الصلاة والسلام: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾. رواه الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه. فأنت أيها المسلم، قلبك ليس بيدك، لا تجالس أهل البدع. قال الله عز وجل: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾. لا تعطي سمعك ولا بصرك لمن يلقي في قلبك الشبهات، فإن القلب يحمل ما تراه العين وما تسمع الأذن. فسمعك أمانة، وبصرك أمانة، لا تلقي في قلبك إلا ما أحب الله ورضي. الله سبحانه وتعالى. أيها المسلمون، إن الفتن في هذا الزمان قد كثرت وانتشرت، وصارت كما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم في صحيح البخاري عن عوف بن مالك قال: قال لي رسول الله عليه وسلم: «أعدد ستًا». فذكر موته، وفتح بيت المقدس، ثم قال: «وفتنة لا تدع بيتًا من بيوت العرب إلا دخلته». فانظروا يا عباد الله، ما من بيت اليوم إلا وفيه من الفتن ما لا يعلمه إلا الله. وعلى المسلم أن يكون قويًا في العلم، وأن يكون قويًا في الصبر، فيرد الفتن عن نفسه وعن أهله ما استطاع إلى ذلك سبيلا. ولا يجلب الفتن بماله، ولا يشجع على وجود الفتن في نفسه، ولا عند أهله، ولا عند المسلمين. بل الواجب عليه أن يتجنب، إن استطاع ذلك، بل واجب عليه وجوبًا أن يفعل ذلك، ويحذر ما استطاع. فإننا في زمن قد كثرت فيه الفتن، فنسأل الله عز وجل أن يجنبنا وإياكم الفتن ما ظهر منها وما بطن. إن ربنا لسميع الدعاء. والحمد لله رب العالمين، وأقم الصلاة. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر