انتظار الفرج بعد الشدة

الدرس في انتظار الفرج بعد الشدة، خطبة الجمعة بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 21 ربيع الثاني 1432هـ . ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

التوكل على الله وسنن النصر في الشدائد

يؤكد الخطيب أن الله يبتلي العباد بالشدائد ثم يفرجها، مستشهداً بآيات قرآنية تؤكد أن مع العسر يسراً. ويستعرض قصص يوم حنين ويوم الأحزاب حيث نصر الله المؤمنين بالسكينة والريح والملائكة.

قصص الأنبياء في الصبر والفرج بعد الشدة

يستعرض المقطع مواقف الأنبياء إبراهيم، محمد، يونس، ويعقوب ויوسف عند ابتلائهم بالشدة، وكيف أن دعاءهم وتوكلهم جاء بالفرج والنصر. ويؤكد أن الله يبتلي عباده ليقربهم إليه وأن مع الصبر نصراً.

التوبة والاعتصام بالكتاب والسنة سبيل النصر والفرج

يتحدث المقطع عن قصة الثلاثة الذين ضاقت عليهم الأرض ثم جاءهم الفرج بتوبة الله عليهم، مبيناً أن انتظار الفرج عبادة مشروطة بالرجوع إلى الله. كما يستعرض وعد الله بنصر المؤمنين وإطفاء نار أعدائهم كلما أوقدوا حرباً.

تقوى الله والتوكل عليه مخرجاً من الهموم

يدعو المتحدث إلى تقوى الله كسبيل لفرج الهموم والغموم، مستشهداً بالآية الكريمة التي تعد بالمخرج والرزق من حيث لا يحتسب. ويختتم بالصلاة على النبي محمد والحمد لله رب العالمين.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدى هدى محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها المسلمون، عباد الله، اعلموا أن انتظار الفرج بعد الشدة مما رغب ربنا عز وجل فيه وحث العباد على ذلك، أن ينتظروا الفرج بعد الشدة، فإن الله عز وجل يبتلي العباد بالشدائد ثم يفرجها سبحانه وتعالى، وبيده تفريج الكروب وتنفيس الهموم والغموم. قال ربنا عز وجل في كتابه الكريم: ﴿قُلْ مَن يُنَجِّيكُم مِّن ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَّئِنْ أَنجَانَا مِنْ هَٰذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ * قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُم مِّنْهَا وَمِن كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ﴾. وقال ربنا عز وجل: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾، فعرف العسر في الموضعين ونكر اليسر، فإن في الآية عسرًا واحدًا مع يسرين، ولن يغلب عسر يسرين. ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾، أكد ذلك، وكرر اليسر، وأتى بالعسر بنفسه ولم يكرره، وكرر اليسر مرتين. وقال ربنا عز وجل: ﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾. وقال ربنا عز وجل: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ * ثُمَّ أَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾. فانظروا يا عبد الله يوم حنين، إذ ضاقت عليهم الأرض على رحبها، أي على سعتها، ضاقت عليهم مع سعتها، فلما كانوا في تلك الحالة كما ذكر الله عز وجل، أنزل الله عز وجل عليهم السكينة والطمأنينة والإيمان، فانعطفوا على الرسول عليه الصلاة والسلام، ورجعوا وقاتلوا وانتصروا، بعد أن ولا منهم ولا منهم، ولم يولِ رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وما هو إلا أن دعا العباس بأصحاب السمرة وأصحاب الشجرة حتى انعطفوا على الرسول عليه الصلاة والسلام، وأزاحوا العدو، وأنزل الله عز وجل نصرًا، وأنزل الملائكة يقاتلون معهم. وقال ربنا عز وجل في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾. هذا يوم الأحزاب، يوم أن تحزب الأحزاب على الرسول وأصحابه، وأرادوا استئصالهم، إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم، ﴿وَإِذْ زَاغَتْ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَ * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾. وفي الصحيحين عن ابن عباس أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «نُصِرْتُ بِالصَّبَا، وَأُهْلِكَتْ عَادٌ بِالدَّبُورِ»، والصبا هي الريح التي تأتي المصلي من خلفه، من خلف القبلة، هذه الريح التي أرسلها الله عز وجل يوم الأحزاب، ففرقت جمعهم، وشتتت شملهم، وأكفأت قدورهم، وقلعت خيامهم، وتفرقوا في كل مكان، ونصر الله رسوله والمؤمنين. بعد أن ذكر ذلك، ﴿وَإِذْ زَاغَتْ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَ * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾. أيها الناس، إن ربنا عز وجل رحيم بالعباد، وإنما يبتليهم حتى يرجعوا إليه وحتى يدعوه. انظروا إلى الخليل عليه الصلاة والسلام، لما تحزبوا وتجمعوا عليه، وأضرموا النار له، وألقوه فيها، دعا ربه عز وجل وقال: «حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ»، فجعلت هذه النار بردًا وسلامًا، فجاء الفرج بعد الشدة. ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾، انقلبت هذه النار المحرقة إلى برد وسلام، بعد الشدائد التي مرت على الخليل عليه الصلاة والسلام. وكذلك على خليل الرحمن محمد عليه الصلاة والسلام يوم أحد، لما اشتدت عليهم الأمور، كما قال ربنا عز وجل في كتابه الكريم: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ * إِنَّمَا ذَٰلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾. وقال ربنا عز وجل عن يونس عليه الصلاة والسلام: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَٰلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾. انظروا إلى هذا الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام، التقمه الحوت، فهو في ظلمات: ظلمة بطن الحوت، وظلمة البحر، وظلمة الليل، ظلمات بعضها فوق بعض، فدعا ربه، ففرج الله عز وجل عنه وكشف كربته. والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «فَإِنَّ مَعَ الْكَرْبِ فَرَجًا، وَإِنَّ مَعَ الصَّبْرِ نَصْرًا، وَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا»، وهو يحسن بمجموعه هذا الحديث العظيم عن ابن عباس في الرواية الأخرى: «وَاعْلَمْ أَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وَأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ، وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا». وهكذا يقول ربنا عز وجل في كتابه الكريم، وهو يخبر عن أنبيائه ورسله وما حصل لهم، فإن ربنا سبحانه وتعالى ينزل النصر وينزل الفرج بعد الشدائد وبعد الكرب. انظروا إلى يعقوب ويوسف، قال ربنا عز وجل عن يعقوب عليه الصلاة والسلام: ﴿وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ * قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ * قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. مرت عليه من الشدائد العظيمة، بيضت عيناه، وتغلب عليه الحزن والهم والغم على ولده، وعلى ولده الآخر، فأتى الله عز وجل له بعد ذلك بولديه. قال الله عز وجل: ﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَن تُفَنِّدُونِ * قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ * فَلَمَّا أَن جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. فرد الله يوسف، ورد الله أخاه إلى أبيهم، بعد أن عمي، فرد الله بصره، ورد عليه أولاده، وانكشف همه وغمه وكربه، وأبدلت شدة بالفرح والسرور والسعة. يقول ربنا سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ * وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَن لَّا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾. انظروا في خبر الثلاثة الذين ضاقت عليهم الأرض على سعتها، وضاقت عليهم أنفسهم، استولى عليهم الهم والكرب والغم، حتى تنكرت لهم الأرض، فما هي بالأرض التي يعرفونها، وتنكرت لهم أنفسهم، فما هي بالتي يعرفونها، فبينما هم على تلك الحالة، إذ جاء الفرج بعد الشدة، فأنزل الله عز وجل هذه الآيات بالتوبة على هؤلاء الثلاثة. وبينما كعب بن مالك على ظهر بيت من بيوته، انتظر بعد صلاة الفجر، إذ سمع صوتًا من على الجبل يقول: «يَا كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ أَبْشِرْ»، قال: فخررت ساجدًا لله عز وجل، وعلمت أن الفرج قد جاء من الله عز وجل. انظروا، بعد أن ذكر الله عز وجل عنهم كما ذكر، أن الأرض على سعتها ضاقت عليهم، فبعد هذا الضيق اتسعت، وجاء الفرج، كما أخبر ربنا عز وجل، وكما قال كعب بن مالك: «ضَاقَتْ عَلَيَّ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ، فَمَا هِيَ بِالْأَرْضِ الَّتِي أَعْرِفُ، وَضَاقَتْ عَلَيْنَا أَنْفُسُنَا»، فجاء الفرج بعد الشدة. فانتظار الفرج بعد الشدة عبادة، انتظار الفرج بعد الشدة عبادة، ولكن على العباد أن يرجعوا إلى الله، وأن يتوبوا إليه، وأن يستغفروه، فإن الله يبتلي العباد حتى يسمع تضرعهم ودعاءهم ورجوعهم ولجوءهم إليه، ويعلموا أن لا ملجأ من الله إلا إليه، ويبشروا بالخير. أقول قولي هذا، والحمد لله، الحمد لله، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. أما بعد، أيها المسلمون، عباد الله، وانظروا في سير من تقدم من الأنبياء والرسل، ومن الصالحين من صدر هذه الأمة، كم مرت عليهم من الشدائد والحروب والهموم والغموم، ففرج الله سبحانه وتعالى عنهم، ونصرهم، وأيدهم بنصره، كما قال الله عز وجل: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. ثم أبشروا يا عباد الله، أن أعداء الإسلام كلما أوقدوا نارًا للحرب أطفأها الله. أبشروا بهذه البشرى العظيمة في كتاب الله، قال تعالى عن أعداء الإسلام من اليهود ومن تبعهم: ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾. لو أن أعداءنا يسلطون علينا لما بقي منا أحد، ولكن الله عز وجل بحكمته البالغة ورحمته الواسعة، كلما تآمروا على إحراق المسلمين، رد الله عز وجل كيدهم في نحورهم، وجعل تدبيرهم تدميرًا لهم. كلما لا زالوا يوقدون الحروب على المسلمين، ويشعلون الفتن والفرقة في أوساط المسلمين، وترجع هذه المكائد والحروب عليهم. ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾. انظروا إلى هذا التعبير، القرآن العظيم هو الذي يتولى، هو الذي يتولى ذلك سبحانه وتعالى، ويرد عليهم كيدهم. ﴿أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾. ومن أسباب إطفاء الحروب والأمور والمشاكل في البلاد، أن المسلمين يسعون في الرجوع إلى الله عز وجل، وفي حل مشاكلهم، وفي اجتماع كلمتهم، وفي تفويت الفرص على أعدائهم، ويكونوا أمة واحدة كما أمرهم الله: ﴿وَأَنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾، وكما قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾. فالاعتصام بالكتاب والسنة، والاجتماع على الحق، مما يغيظ الأعداء، ومما يكبت الأعداء، كما قال تعالى: ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ﴾. فعلى المسلمين أن يفوتوا على أعدائهم فرص إشعال الفتن في أوساط المسلمين، بالرجوع إلى الله والتوبة والاستغفار واللجوء إلى الله، والاجتماع على الحق، وترك الباطل والبدع والمعاصي، فإنها السبب في تسليط الأعداء علينا. فنسأل الله عز وجل أن يفرج همومنا وغمومنا، ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾، فعلينا بتقوى الله حتى يفرج الله عز وجل عنا الهموم والغموم، ويرزقنا من حيث لا يحتسب، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، الحمد لله رب العالمين.