الدرس في قصة موسى مع الحجر، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول تحريم التعري والنظر إلى العورة في الإسلام مستشهدًا بقصة بني إسرائيل ونبيهم موسى. يُظهر أن الإسلام نسخ جواز الاغتسال عاريًا الذي كان في شريعة بني إسرائيل.
يروي قصة موسى عليه السلام عندما اغتسل وحده واتهمه بنو إسرائيل بمرض، ثم برأه الله عندما جرى الحجر بثوبه وظهر عريانًا أمامهم. يُظهر سلامة موسى وبراءته.
يُبين صبر موسى عليه السلام على ظنون بني إسرائيل السيئة وبراءته من قبل الله، ويضرب أمثلة على براءة الصالحين مثل جريج الراهب. يُظهر نصر الله لعباده الصالحين.
يُنهي الدرس بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه ويعبر عن التسليم بقول الله تعالى أعلم. يُظهر نهاية النص والاكتفاء بما جاء فيه.
نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، روى الإمام البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «كانت بنو إسرائيل يغتسلون عراة، ينظر بعضهم إلى بعض، وكان موسى عليه السلام يغتسل وحده». فقالت بنو إسرائيل: والله ما منع موسى أن يغتسل معنا إلا أنه آدر. هذا الحديث، إخواني في الله، وسيأتي تمامه وطوله من الحديث، من الأحاديث التي أخبر فيها نبينا عن قصة من القصص التي وقعت في بني إسرائيل، وخاصة مع نبيهم موسى عليه السلام. فذكر عليه الصلاة والسلام أن بني إسرائيل كانوا يغتسلون عراة، ينظر بعضهم إلى عورة بعض. ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن ذلك كان في شريعتهم جائزًا، أن يغتسل الرجال بعضهم مع بعض. ولا مشاحة في هذا الباب. إلا أن هذا الأمر في شريعتنا نسخ، فلا يجوز لأحد أن ينظر إلى عورة أحد، ولو كان من الرجال. هذا نسخ. وقد كان التفسخ والعري مما أثر في الأمم السابقة، حتى إن قريشًا قد توارثت هذا الخلق، أي الخلق العري، حتى جعلوه من أمور التعبد. فقد كان العرب إذا أرادوا أن يطوفوا بالبيت، بالكعبة، كانوا يطوفون عراة، الرجال والنساء، إلا أن المرأة تضع شيئًا على فرجها. لكن الأصل أنهم يطوفون عراة. ولهذا جاء في الحديث أن الرسول عليه الصلاة والسلام أمر المنادي أن ينادي: «أن لا يطوف بالبيت عريان، أن لا يطوف بالبيت عريان». فلا يجوز بعد ذلك في شريعتنا أن أحدًا ينظر إلى عورة أحد. وإنما الرجل يستتر، يستتر. وهذا كان شأن نبينا عليه الصلاة والسلام، إذا أراد أن يقضي الحاجة، فلم يبده للناس، وإنما إما أن يذهب فيبعد المذهب، كما ثبت ذلك من أحاديث كثيرة، كحديث جابر وحديث المغيرة، من شعبة وغير واحد من الصحابة، أنه عليه الصلاة والسلام لربما انطلق بعيدًا حتى لا ترى عورته، أو أنه يستتر خلف شيء، إن وجد حمامًا، إن وجد خلاءً، إن وجد صخرة، شجرة، حجر، سور، جدار، استتر خلفه، فقضى حاجته عليه الصلاة والسلام. أما ما عليه بعض الناس ممن يستهون هذا الباب، فيقول: أمر عادي، فلربما تبول وتبرز عندك، فهذا لا يجوز. ولزال أهل الكفر على هذه الخصيصة، خصيصة التعري، حتى سمي بما يسمع بنادي العراة، بنادي العراة، يتفسخ الرجل ويسير على الشاطئ كيوم ولدته أمه، وهكذا المرأة. فالحاصل، قال عليه الصلاة والسلام: «كان بنو إسرائيل يغتسلون عراة، ينظر بعضهم إلى بعض، وكان موسى عليه السلام يغتسل وحده». موسى عليه السلام كلم الله، كان من أمره يغتسل لوحده. ما عن هذه فائدة على قول جماعة من أهل العلم؟ إذا كان الإغتسال الرجال مع الرجال عراة كان جائزًا في شريعة موسى، إلا أن موسى ما فعل مثل فعلهم. دل ذلك على أن الرجل، وخاصة من آتاه الله صلاحًا وآتاه الله علمًا ودينًا وتقى، أنه لا يجار الناس في كل شؤونهم وفي كل أمورهم. بعض الناس لربما إذا علم أن أمرًا ما جائز، مشى مع الخلق، يقول: هذا جائز، ويمشي ويسترسل. انظر إلى موسى عليه السلام، فإذا كان في شريعته جواز اقتسال الرجال مع الرجال عراة، إلا أنه ترفع ما جار المجتمع على هذا الخلق. وهكذا أنت، يا عبد الله، يا من آتاك الله دينًا وعلما وفهما وصلاحًا وتقى وعبادة، لا تجار المجتمعات في كل شيء. ومن هنا أتى العلماء بما يسمى بخوارم المرؤة، خوارم المرؤة هي عبارة عن أعمال وعن سلوكيات ليست محرمة أصلًا، هي في ميزان الشرع من أمور جائزة، لكن يجد العلماء أن من آتاه الله علمًا عليه أن يترفع عن ذلك. حتى قيل لبعض العلماء: لما تركت حديث فلان؟ قال: لأنه كثير الكلام. وقيل لآخر: لما تركت حديث فلان؟ قال: لأني رأيت يجري خلف البراذون. بل ذكر ابن الجوزي رحمه الله تعالى، كما في صيد الخاطر، إلى أن العالم إذا خرج للناس، إذا خرج للناس وهو حاسر الرأس وبيده كسرة خبز، قال: كان ذلك إسقاط لعلمه. إسقاط لعلمه. معنا هذا أمور جائزة، ليست محرمة، لكن الذي يأتيه يؤتيه الله علمًا وفهما وتقى وعبادة، يترفع، يترفع عما عليه عامة الناس. وهذا أمر مهم، إخواني في الله، عدم مجاراة المجتمع في كل سلوكياته وفي كل أفعاله وأقواله. وهكذا فعل موسى عليه السلام. قال: «كانت بنو إسرائيل يغتسلون عراة، ينظر بعضهم إلى بعض، وكان موسى عليه السلام يغتسل وحده». جاء في رواية في البخاري: «وكان موسى حييًا ستيرًا، كان حييًا، كان موسى عليه السلام عنده حياء، وكان حياؤه عظيمًا». والحياء خلق من أخلاق المسلمين الذي ينبغي أن يتربى عليها المسلم. بل جعلها رب نبينا عليه الصلاة والسلام أنها من شعب الإيمان، الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إيماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان. الحياء، يا عبد الله، كن فليكن من سجيتك في أقوالك حييًا، في أفعالك حييًا، في تصرفاتك حييًا، فإن الحياء لا يأتي إلا بخير، كما قال عليه الصلاة والسلام. فقالت بنو إسرائيل: والله ما منع موسى أن يغتسل معنا إلا أنه آدر. والأدرة مرض يكون في ماذا؟ في جهاز الذكورة عند الرجال. وفي رواية في البخاري: «ما منع موسى أن يغتسل معنا إلا إما لأنه أبرص أو أدرة أو آفة». هذا عذره، لماذا يترفع عنا؟ لماذا ما يغتسل مع بقية الرجال؟ ما الذي جعله معتزلًا عنا؟ إلا لآفة، إلا لمرض، إلا لبرص. وهذا، إخواني، فيه فائدة، فائدة على ما كان عليه أهل الصلاح من أن الله عز وجل يسلط عليهم أن يسمعهم ما لا يرضونه من الأقوال ومن العبارات. إذا كان هذا موسى عليه السلام، وهو كريم الرحمن، ومع ذلك جاء من جاء من هؤلاء وتهجموا عليه ورموه بهذه الأمور العظام: برص، وآفة، وأدرة، وهو بريء من هذا كله. لكن لنعلم، إخواني في الله، أن أهل الصلاح ليسوا بمنأى من الابتلاء. لو ربما أنت في معزل عن الناس، في بعد، ومع ذلك يأتيك من كلام الناس ما في طعن في دينك وطعن في عرضك، مع أنك بعيد، إن عزلت عنهم كفعل موسى، إن عزل عنهم، ومع ذلك لا زال الأذى يأتيه، لا زال الوبال يصله. وهكذا، يا عبد الله، يا من جعلك ربك على دين وصلاح وتقى، اعلم أن أذية الناس ما ستنقطع، ستسمع منهم ما لا ترضى من الأقوال: طعن في عقلك، طعن في دينك، طعن في عرضك. فقالوا: والله ما منع موسى أن يغتسل معنا إلا لأنه آدر. قال عليه الصلاة والسلام: «فلما أراد موسى أن يغتسل مرة من المرات، أراد أن يغتسل كعادته عن عزل». قال: «فوضع ثوبه على حجر، حتى يرتفع الثوب من الأرض، فوضع ثوبه على حجر». قال عليه الصلاة والسلام: «ففر الحجر بثوبه». فر، ما الذي فر؟ حجر، وهل الحجر يفر؟ بقدرة القدير جل في علاه، ربنا أعطى لهذه الحجرة ولهذه الصخرة خصيصة في أنها تكون كالكائن الحي يمشي. ومنهم من قال: إن فرار الحجر إما كان زحفًا على الأرض، ومنهم من قال: كان طيرانًا، ارتفع عن الأرض وطار. وهذه آية من آيات الله. ما الحكمة من هذا؟ الحكمة ستأتيك. فلما رأى موسى عليه السلام أن الحجر فر بثوبه، فما الذي فعل موسى؟ جرى، جرى خلف الحجر، وهو يقول: «ثوبي حجر، ثوبي حجر». وفي رواية: «ثوبي يا حجر، ثوبي يا حجر». يكلمه وينادي، ينادي من؟ ينادي صخرة، وهل الصخرة تسمع؟ لا، ما تسمع. لكن موسى عليه السلام عامل الصخرة بما ظهر له الآن، ظهر أنه كائن حي يفر، والفرار والحركة ما يتأتى إلا لكائن حي، فعامله على أنه كائن حي، فجرى خلفه، يجري خلفه وينادي: «ثوبي يا حجر، ثوبي يا حجر»، حتى مر ببني إسرائيل من غير الشعور، مر عليهم، وماذا؟ بصورته عريانًا. فلما نظرت بنو إسرائيل إلى موسى، قالوا: والله ما بموسى من بأس. ما بموسى من بأس. تلكم الظنون التي ظنها بنو إسرائيل في موسى من أن فيه برصًا أو أن فيه آفة أو أن فيه أدرة - والأدرة هو عظيم الخصية - هذه الظنون كما جاء في رواية البخاري التي ظنوها عندما مر موسى عليهم، لم يجدوا فيه شيء من ذلك، ليس فيه آفة، وليس فيه أدرة، وليس فيه برص. قالوا: والله ما بموسى من بأس. وفيه نعلم، إخواني في الله، أن الله عز وجل يجعل الأنبياء من أكمل الخلق خلقًا وخلقًا، من أكملهم ومن أفضلهم خلقًا وخلقًا، ما يجعل الله عليهم معيبًا، ما يجعل الله فيهم آفة تجعل الناس ينفرون منهم. فقالوا: والله ما بموسى من بأس. وكان ذلك آية فرار الحجر بالثوب كرامة أرادها الله لموسى أن يري بني إسرائيل جميعًا أن موسى بريء، بريء من هذا الظن السيء التي حامت الأذهان حوله، وليس كما قيلت فيه. وبهذا نعلم، إخواني في الله، أن العبد الصالح إذا صبر على البلاء وصبر على ما يقال فيه وفوض أمره إلى الله، فإن الله عز وجل سينجيه وسيبرئ ساحته، ساحته اليوم أو غدًا أو بعد غد، في الدنيا أو في الآخرة، يأتيه ربنا بالنصر، يأتيه ربنا بالظفر، يأتيه ربنا عز وجل ببراءة الساحة، حتى يعلم الناس أن هذا الرجل ليس كما قيل. وهذا ظاهر، إخواني في الله، كم من عالم وكم من داعية نال الناس من أعراضهم، حتى أصبح الأمر كالمجمع عليه في إسقاط هذا العالم أو ذاك الشيخ، لكن ما هي إلا أيام وليالي حتى أذعن الجميع ببراءة هذا الرجل وأنه إمام من أئمة المسلمين، حقه التوقير والتعظيم والتقدير. انظروا إلى قصة جريج الراهب، عندما تمالئ بنو إسرائيل كذلك عليه، وقالوا: إنك زنيت، وهذه امرأتك أو امرأة التي زنيت بها، وهذا ابنك من الزنا. انظر، مسلسل التهمة قد اكتمل: رجل وحيد، وبينه وبين إسرائيل كلهم قد تكالبوا عليه، معهم العصي ومعهم الفؤوس، وكسروا الصومعة، والتومة جاهزة: أنت زنيت، وهذه المرأة التي زنيت بها، وهذا ابنك من الزنا، استحكمت الفتنة. فما الذي فعل؟ قال: يا قوم، دعوني أصلي لله، أصلي لله. كما في رواية في البخاري، فتوضأ وصلى، فلما صلى، قال: أين الغلام؟ فجيء به، فأتى بأصبعه، فجعله في بطن الغلام، وقال: من أبوك؟ من أبوك؟ يخاطب من؟ يخاطب صبيًا لا زال في المهد، لا زال في المهد، قال: من أبوك؟ قال: أبي الراعي. أبي الراعي. أنطقه الله. وبهذا، يا عبد الله المسلم، متى ما ظلم، متى ما سلب حقه، متى ما تطاول على عرضه، يصبر، يصبر، إذا استطاع أن يدافع، دافع، ما استطاع لذلك، فيفوض أمره إلى الله عز وجل، فإن الله سينصره بعد حين، كفعل موسى، طعن الناس فيه بأنه آفة، بأنه ضار، بأنه فيه عيب في خلقه وفي خلقه، وسكت، إلى أن آتى الله بهذه الآية، فمشى من غير شعور، فعلم الناس أن موسى ليس به بأس. قال عليه الصلاة والسلام: «فأخذ موسى ثوبه من الحجر، وطفق يضرب الحجر». طفق يضرب الحجر. ويأتي السؤال: وهل الحجر يضرب؟ الحجر لا يضرب، لأنه لا يعي. لكن موسى عليه السلام عامل الحجر كالكائن الحي، لأن فعله فعل الأحياء، كيف يفر بثوبه؟ فأخذ ثوبه، أتى بالعصى، فضرب العصى. قال عليه الصلاة والسلام: «والله إنه لا ندب بالحجر ستة أو سبعة من أثر الضرب». وهذه آية أخرى، حجر لو ضرب الحجر بشدة الضرب تنكسر العصى، لا، ما انكسرت العصى. ضرب موسى الحجر، فأصبح الحجر ماذا؟ يضرب فيه نتوء، يعني مثل الحفر، حفر مثل الحيوان يضرب، يكون فيه ندبة وأثر، فكان هكذا الحجر. قال نبينا: «فوالله إن الحجر لندب»، أي أثر الضرب، «لندب بالحجر ستة أو سبعة». ثم قال عليه الصلاة والسلام: وهذا قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾. فأسأل مولانا جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، وأسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصل الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.