الدرس في قصة ظهور الشرك - ٢، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يشرح كيف يستغل الشيطان الناس لإدخالهم في الشرك والكفر مستخدمًا طرقًا متعددة. يُستدل على ذلك بقصة قوم نوح وعبادتهم الأصنام.
يشرح كيف أن الغلو في الصالحين يؤدي إلى الشرك بالله، ويستدل على ذلك بأمثلة من النصارى والشرك المعاصر. يحذر من تعظيم الصور والتماثيل لأنها ذريعة للشرك.
يشرح خطورة ذهاب العلم وظهور الجهل والشرك نتيجة لذلك، ويبين أهمية وجود العلماء في المجتمع لتحصينه من الفتن. يحث على احترام العلماء وتعليم العلم الشرعي.
يشجع على إرسال الأبناء إلى العلم إذا أظهروا استعدادًا لذلك، ويعتبر ذلك من أعظم التوفيق من الله. يطلب من الله أن ينفعهم بما تعلموه.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. وأما بعد، فمواصل إخواني في الله فيما تم ذكره في أثر ابن عباس رضي الله تعالى عنه في ذكر قصة ود وسواع ويغوث ويعوق ونسرى، بعدما يتضح لدى الجميع صحة الأثر المروي عن ابن عباس، وكيف أنه بيّن لنا أن حقيقة هذه القصة عبارة عن رجال صالحين كانوا من أولياء الله العارفين، ثم ماتوا، فإذ بالشيطان يستغل موت هؤلاء بأن أوحى إلى الناس بأن يتخذوا أصنامًا، أو قل أنصابًا يذكرونهم في مجالسهم، فلا زال الشيطان بهم حتى عُبِدت هذه الأنصاب واتُّخِذت أصنامًا. مر معنا بعض الفوائد المتعلقة بهذه القصة، منها أن هذه الفترة كانت بين آدم ونوح، وكانت على التوحيد، وأن أول الشرك إنما ظهر في قوم نوح، وفيه كذلك حرص الشيطان على إدخال الناس في الكفر والشرك، وبيّن كذلك أن هذه الآلهة التي عُبِدت بعد ذلك ود وسواع أنها تتفاوت في التفاضل، فبعضها أفضل من بعض، كما استنبط ذلك العلماء من ظاهر الآية. وأيضًا إخواني في الله، مما يُستفاد من هذه القصة معرفة أن الشيطان يتخذ عدة طرق في سبيل إضلال الآدميين، يتخذ عدة طرق، فمن هذه الطرق لربما يدلك على باب من أبواب الخير، يمكن هذا الشيطان يفتح لك بابًا من أبواب الخير فيجعلك تعمل عملًا فاضلًا، لكن بالمقابل يجعلك تترك ما هو أفضل منه، أو أنه يدلك على باب من أعمال الخير ومن ورائه ما يسوءك. مثل هذه القصة، هو الآن الشيطان عندما رأى القوم افتقدوا الصالحين، أشار إليهم أن يصدوا أصنعوا هذه الأنصاب التي يتذكرون بها أهل الصلاح، وإن كان هذا مضر لآل الإبليس، التذكير بأولياء الله الصالحين مما لا يحبه الشيطان، لكن أرغم الناس عليه لما سيأتي بعد، وهذا قد يقع لبعض الناس أنه لربما يجد همة لعمل صالح، وهذه الهمة همة شيطانية لأن المراد منها ترك ما هو أوجب. مثاله تجد بعض الناس مثلًا يحب أن يسمر مع أهله مع أولاده، فلا زال الشيطان به قل هذا فضل خيركم خيركم لأهله، فعليك بأن تواسي أهلك أن تجالسهم أن تسامرهم أن تلاطفهم، وهكذا كان سلفك الصالح، فلربما يدخل عليه الليل بأسره وفي السمر مع أهله وعياله، بالمقابل تفوته صلاة الجماعة تفوته صلاة الفجر، إذن هذا تعلم أن هذا مدخل إبليسي. نعم هو دلك على باب من أبواب الخير، لكن المراد منهم ما بعد ذلك أن يوقعك فيما حرم الله سبحانه وتعالى، وهكذا قس لربما من باب النفقة يقول أنفق على أهلك أنفق على خاصتك أنفق على عيالك، حتى يجعله يمسك عن النفق الواجبة للفقراء والمحتاجين والمعوزين، فتفطن يا عبد الله لمداخل الشيطان. كذلك من مداخل الشيطان أو مما يستفاد من هذه القصة على أن من أعظم طرق الشيطان لإيقاعهم في الشرك ما يكون من اتخاذ التصاوير من اتخاذ الأنصاب الصور، إخواني في الله تفعل الأفاعيل بصاحبها تجعل القلوب معلقة بالصور، ومن هنا كان من حكمة التشريع أن باب التصوير قد حرم وأغلق علينا إغلاقًا تامًا، لأن التصاوير إخواني في الله ذريعة للشرك. أنظر كيف اصطاد الشيطان قوم نوح اصطادهم بعملية هذه الأجسام المجسمة، أوحى إليهم أن ينصبوا إليهم أنصابًا نصب تذكاري به يتذكرون أهل الصلاح، ثم ما كانت بالأيام والأزمان إلا أن تفعل فعلها في قلوب القوم، فعظمت هذه النصب فعبدت من دون الله سبحانه وتعالى. وهكذا هم شأن أهل الشرك كما قال نبينا صلوات ربي وسلامه عليه عن النصارى «أولئك إذا مات فيهم العبد الصالح أو الرجل الصالح صنعوا له تلكم الصور وبنوا عليه المساجد»، كما جاء من حديث أم سلمة بمعنى، فكانوا يتخذون الصور فجمعوا بين فتنتين فتنة التصاوير وفتنة ماذا بناء المساجد على القبور. فكولهذا تجد عبد الله عند النصارى مثلًا يعظمون التصاوير، تذهب إلى كنائسهم تجد صورة مريم العذراء أو صورة عيسى وعنده الحواريين، بل هذا ليس عند النصارى بل عند جميع من افتتن بالشرك أنه يبحث عن رمز يبحث عن رمز، اذهب إلى بعض الصوامع أو اذهب إلى بعض الكنائس أو هكذا إلى البيوت التي تعبت فيها من دون الله تجد موضوع الصور هذا أصبح مربوط ارتباطًا وثيقًا مع العبادة لغير الله جل وعلا. حتى عند المعاصرين بعض من تعلق قلوبهم بما يسمى بالأولياء تجد أنه يحتفظ بصورة ولي يجعله إما في محله يجعله في غرفة الاستقبال أو يجعل الصورة في كيسه في جيبه أو تحت وسادته عند نومه، ارتباط إخواني في الله بين الشرك وبين تعظيم الصور والتماثيل حتى أصبح الآن فيما يسمى في بعض الدول الكافرة أوروبا ونحوها تجد ما يسمى بالميادين العامة تجعل صورة رجل منحوت إما على فرس وإما على رب قبعته. فتجد أن من مر على هذه الصور وعلى هذه المجسمات يرى أن من باب الأدب مع هذه الصورة المجسمة ماذا يفعل؟ أن ينحني لها، وهذا موجود، لما الإنحناء؟ آه نحن شرك هم أرادوا التحية لكن تحية شركية الإنحناء والركوع والخضوع لهذه الصور المجسمة، فاحذر يا عبد الله من مسألة التصاوير ولا تتساهل بها. وقد تكلم العلماء كلامًا عظيمًا قديمًا وحديثًا حول هذه الصور المعلقة وخاصة ما يقصد منها التعظيم، فإنها ذريعة للشرك، ونبينا عندما دخل الكعبة ما الذي رأى؟ رأى صورة إبراهيم في الكعبة ومعه الأزلام يستقسم بها، فمسحها عليه الصلاة والسلام وأمر علي أنه قائلًا له «أن لا تدع صورة إلا طمستها»، تطمس الصور وخاصة الذي يجعل ويعتقد أن من ورائها التعظيم لأصحابها وذواتها. كذلك إخواني في الله مما يستفاد من هذه القصة مسألة عظيمة وهو ما الذي أوقع قوم نوح في الوقوع في الشرك، الذي أوقعهم الغلو في الصالحين، الغلو في الصالحين عبدوا قبل العبادة ظنوا أن هؤلاء هم أهل المعرفة وهم من أهل الولاية لله سبحانه وتعالى، فلا زالوا يحدثون أنفسهم بقيمة هؤلاء وأنهم وأنهم حتى استدرجهم الشيطان فنفخ في أنفسهم أن هؤلاء هم أهل أن يعبدوا من دون الله فعُبِدت من دون الله وذلك عن طريق الغلو في الصالحين. وقد قال من قال من سلفنا الصالح «من أوسع أودية الباطل الغلو في الأفاضل»، فالغلو في الفاضل يا عبد الله باب من أوسع أبواب الضلالة، أنك تنصب شخصًا كائنًا من كان فترفع عن حده وترفع عن مقامه الذي ينبغي له، من كان عالمًا فهو عالم هو عرضة للخطأ والصواب هو بشر كسائر البشر لا تجعل له عصمة. بعض الناس لربما إذا قيل له أن العالم الفلاني أخطأ لربما احمرت الوجوه وأرنبت الأنوف وغضبت الأنوف لماذا قالوا فلان أخطأ؟ لا، أخطأ بشر هو عرض للخطأ والصواب، تجد بعض المتفقه من الشافعية مثلًا يقول أن الشافعي رحمه الله تعالى أخطأ يغضبون، أو قيل أن الداعي الفلاني أخطأ أو الكاتب الفلاني أخطأ يغضب الكثير من الجماعات، لماذا يغضب؟ أليس هو بشر؟ عرض للخطأ والصواب؟ بلى. فلا ينبغي أن يعظم أحد فيرفع عن منزلة التي أنزله الله إياها، ما من أحد إلا يؤخذ من قوله ويرد، وهكذا بالنسبة الأنبياء والرسل لهم مقامهم فلا يغل فيهم، فلا تجعل مقام النبي يصل إلى مقام ربوبية فتعتقد في رسول الله عليه الصلاة والسلام أنه ينفع ويضر أو أنه يغفر الذنوب كما يفعل من يظن برسول الله هذا الباب فيرى أن من جناب النبي عليه الصلاة والسلام أنه بإمكانه هو بنفسه أن يغفر الذنب «جئناك يا رسول الله فلا تردنا خائبين اغفر ذنوبنا أجرنا»، هذا شرك هذا كفر. أو تدعي أن رسول الله يعلم الغيب «قل لو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير»، فرسول الله لا يعلم الغيب، وهكذا يا عبد الله اجعل لكل أحد مقداره الذي جعله الله والتي أنزله الله إياه بغير غلو، وما أوقع أهل الكتاب بالكفر والشرك إلا الغلو في الصالحين عندما غلوا في عيسى وغلوا في عزير وغلوا كذلك في غير واحد من أنبياء الله. عندما ظنوا أن عيسى كما يزعم عند النصارى عندما يقول هو اليسوع أن يسوع عيسى عليه السلام هو الذي يغفر الذنب وهو الذي يغفر الحوب وهو يدخل من شاء الجنة، هذا كل مما كان من صميم اعتقاد الكفار من اليهود ونصارى حتى كفروا، فالذي أوقع قوم نوح في الشرك يا عبد الله هو الغلو في الصالحين. كذلك في هذا الحديث فائدة عظيمة وهي فائدة العلم وفائدة وجود العلماء في آخر الحديث، ما الذي قال ابن عباس؟ قال «فلما نسخ العلم عُبِدت»، هكذا قال «فلما نسخ العلم» بمعنى ذهب العلم ونسي العلم عُبِدت، أي متى عُبِدت هذه الأنصاب التي جُعِلت على القبور؟ عُبِدت عندما ذهب العلم، رُفِع العلم وقع الشرك. ومن هذا نعلم إخواني في الله أن وجود العلم الشرعي ووجود العلماء يُعتبر صمام أمان من الفتن ومن المحن ومن الشرك والضلال، لا تجعل يا عبد الله فقط الذي يظن الكثير من المسلمين أن العلم الشرعي ثقافة ثقافة شخصية، لا والله ليس ثقافة شخصية، العلم الشرعي يا عبد الله منفعة تعود للفرد وللمجتمع. وجود العلم كونه يظهر في المجتمع هذا معنى أن هذا المجتمع على خير، على خير، ومتى ما اضمحل العلم وقلّ العلم وذهب أهله اعلم أن هذا البلد وتلك المجتمعات على باب شر، على أبواب شر، ويؤيد هذا المعنى ما جاء في قوله عليه الصلاة والسلام «إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من صدور الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالمًا أو يبقي عالما اتخذ الناس رؤوسًا جهالًا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا». متى وقع الضلال على المجتمعات؟ بذهاب أهل العلم، وإنما الذي جاء هم أشباه العلماء وأنصاف العلماء ممن هم ليسوا أهلًا للفتوى، أحيلت الفتوى إليهم، بدل أن يقولوا «الله أعلم»، تجشموا العنى وأفتوا بغير علم، فوقع الفساد العريض، ولا تسل عبد الله عما نرى في مجتمعاتنا عندما أدبرت الأمة عن علمائها فوقع ما وقع مما لا يحمد عقباه. فينبغي إخواني في الله أن نحرص على وجود العلم وعلى احترام أهله، ويؤيد هذا المعنى ما جاء في قوله عليه الصلاة والسلام «أن من أشراط الساعة أن يرفع العلم وأن يظهر الجهل وأن يظهر الزنا وتشرب الخمر»، تأمل بعض العلماء في هذا الحديث وأتى بهذه الفائدة المرادة في هذا المقام أن أول شرب من أشراط الساعة يقبض العلم، وبعد قبض العلم انظر يا عبد الله في الذي سيجري ظهور الجهل شرب الخمر ظهور الزينة والفواحش. أول شيء يرفع العلم، إذا رفع العلم أصبحت المجتمعات على جهالة، والجاهل يتقحم أي شيء، الشرك والردة والانحلال والانحراف وإتيان الفواحش ما ظهر منها وما بطن، فحري بإخواني في الله أن نتأمل في هذه القصة كيف كانوا قوم نوح على خير لما كان العلم عندهم، فلما نسي العلم عبدوا الناس الأنصاب واتخذوها أصنامًا من دون الله. فحري بإخواني في الله أن نفعل هذا الباب، وكيف تفعيله؟ تفعيله أولًا أن نحترم العلم بتعظيمه، ثانيًا بتعظيم أهله، بجعل العلماء والعلماء السنة لهم مقامهم، بالرجوع إليهم وحفظ عرضهم وصيانة الألسن عن الطعن فيهم، كذلك حفظ العلم بأن ندفع بأبنائنا إلى العلماء الموجودين في الساحة، لن يعمروا ستأتي الأيام ويقضوا نحبهم وتأتيهم المنية حالهم كحال البشر، أين الخلف لهؤلاء العلماء؟ إذا ندفع إخواني في الله بأبنائنا من رأى من ابنه الخيرية يدفع به إلى باب العلم، فما يدريك يا عبد الله أن هذا الابن الذي تدفع به الآن إلى حلقات العلم والذكر وإلى مسلك العلم لربما ينفع الله به البلاد والعباد، وهذا إخواني فينا من أعظم توفيق الله للعبد. فأسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.