الدرس في قصة الغشاش مع القرد، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول المقطع حديثًا عن رجل يبيع الخمر في سفينة ويغش في بيعه، ويشرح أن هذا الفعل كان جائزًا في شريعته قبل تحريم الخمر. كما يتطرق إلى موضوع الغش في البيع والشراء وتوضيح صور الغش المختلفة.
يتحدث عن انتشار الغش في التجارة وبعض الناس يفعلونه بسوء نية أو بجهل، ويشدد على أهمية معرفة الحلال والحرام في التجارة. يستشهد بقول عمر بن الخطاب بأنه لا ينبغي لمن لا يفقه أن يبيع في الأسواق.
يروي الحديث عن قرد سرق كيس مال لرجل يبيع الخمر المغشوش وقسم المال إلى نصفين، مما يدل على تحريم الغش وعقوبة الغشاشين. يشدد على أن المال الحرام لا يبارك الله فيه ويذهب ببركته.
ينتهي بدعاء الله أن ينفع بما قيل ويجعل السامعين من أهل الهداية، ويصلي على النبي محمد وآله وصحبه. يُظهر الاعتماد على الله في كل الأمور ويختتم بالتأكيد على علم الله تعالى.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، روى الإمام الحاكم رحمه الله تعالى، أو روى الإمام أحمد في مسنده، من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه مرفوعًا، وهذا الحديث الذي سأذكره عليكم، والذي يشتمل على قصة من القصص التي حكاها لنا نبينا صلى الله عليه وسلم، قد ثبت بإسناد صحيح، فرجاله رجال ثقات، وهو مرفوع، أي قاله عليه الصلاة والسلام، لأن بعض العلماء يرى أنه موقوف على أبي هريرة، وشيخ الألباني رحمه الله تعالى ذكر طرق هذا الحديث في بحثه في السلسلة الصحيحة، واستظهر رحمه الله تعالى صحة الإسناد وأنه مرفوع لرسول الله عليه الصلاة والسلام. عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «إن رجلاً كان يبيع الخمر»، وهذا الحديث من كون الرجل يبيع الخمر، هذا يحمل على أن ذلك كان جائزًا في شريعته، وهي كذلك، قد أبيحت الخمر في بداية التشريع وفي بداية الإسلام، وقد دلت الأدلة الكثيرة على ذلك، إذ أن الخمر قد أبيحت في أول أمرها، ثم كان التدرج كما قال علماء في تحريمها، فكان من أوجه المنع الذم، أنه ذم، ثم كان المنع من شرب الخمر عند القرب من الصلاة، ثم جاء المنع مطلقًا، وحرمت مع تحريم البيع والشراء فيها، كما ثبت ذلك في الصحيحين في حديث أنس، عندما نادى المنادي: «ألا إن الخمر قد حرمت»، فحينها أمرت الخمر بأن تهرق، حتى إن سكك المدينة قد ملئت بالخمور، وهذه دلالة على أن الخمر قد وجدت في البيوت، على ما كان في بداية التشريع على أنها أبيحت، ومن ثم ذمت، ثم منعت وحرمت. فعلى هذا المحمل نحمل الحديث على هذا، على أن الرجل كان يبيع الخمر على أنه كان في شريعته حلالًا، قال عليه الصلاة والسلام: «إن رجلاً كان يبيع الخمر في سفينة»، وذلك فيه جواز الاتجار في السفن، وأن ذلك ليس فيه شيء، «وكان يشوب الخمر بالماء»، معنى يشوب الخمر بالماء، أي يخلط، يخلط الخمر بالماء، وهذا نوع من أنواع الغش، يريد بها صاحبها أنه يستكثر من هذا الشراب، مثلاً هذه قارورة من شراب، فإذا وضع بها الماء أصبحت قارورة ونصف، زادت، فهو يشوبها بالماء حتى تكثر، ثم يستكثر بالمال، وهذا إخواننا في الله نوع من أنواع الغش، وهو خلط الشيء بغير جنسه، خلط الشيء بغير جنسه على أنه من أصله. ومثله كذلك خلط اللبن بالماء، فهذا قد يوجد، يجعل ماء في اللبن حتى يستكثر من اللبن، وهو ليس أصله لبن، إنما فيه خلطة من الماء، وللأسف إخواننا في الله، صور الغش قد تنوعت واتسع الناس فيها، فخلط الشيء من غير أصله هذا غش، وأيضًا كذلك أنه يخفي المعيب، يخفي المعيب ويظهر خلافه، هذا غش، تجد بعض من يبيع في الفاكهة مثلاً، لو ربما أظهر لك الطيب الدني والردي يجعل في الدون حتى لا يظهر للناس، وموهمًا للخلق أنه كله على هذا الجنس، هذا من الغش، من الغش في البيع والشراء، منه كذلك أنه يوهم للناس أن هذه البضاعة من نوع الجيد الأصلي، وهو يعرف في قرارة نفسه أنها من النوع المزيف، هذا كثير عند أصحاب المحلات، يأتي بساعات وما يسمى بالتقليدية، ساعات إكسسوارات، بضائع تقليد من الدرجة الثانية أو الثالثة، ويوهم للناس أن هذه الدرجة الأولى، والكثير من الخلق ما يميز، ما يميز بين التقليدي والأصلي، هذا نوع من أنواع الغش. وهكذا قس، أنواع الغش قد كثرت، إخواني في الله، وبعضهم يفعل هذا بسوء نية، يتعمد الغش، وبعضهم لربما يقع في الكسب المحرم بحسن نية، يفعل أفعالًا من الكسب المحرم لجهله بدين الله عز وجل، وجهله بأحكام الشريعة، ينزل قدمه في هذا الباب، ومن هنا كان لزامًا إخواني في الله، من أراد أن يدخل في مسائل البيع والشراء أن يكون أولاً عنده علم بالحلال والحرام، وعنده كذلك علم بمسائل البيوع. كان عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه يدور في الأسواق ويقول: «لا يبع في أسواقنا من لا يفقه»، «لا يبع في أسواقنا من لا يفقه وإلا أكل الربا شاء أم أبى»، وهذا الحاصل، يجد بعض الناس الأسف لربما إذا جرت الدنانير على يده فكر بمشروع، فكر بمحل ودخل، وهذا أمر طيب، وهذا البيع الشراء بكسب اليد هذا من أطيب الطيب، لكن عليك يا عبد الله تلتزم بالحلال والحرام، معرفة من الذي يجوز ومن الذي لا يجوز ولا يحل، أما تدخل وتبيع وتأخذ من حلال المال وحرام، هذا أمر يا عبد الله خطر عليه. فالحاصل أن هذا الرجل تلبس بغش، وغشه أنه كان يخلط الخمر بالماء حتى يظن الناس أنها كلها خمر، ولو عرفوا أنها ماء لما أعطوها ذلك السعر، أو لو ربما ما اشتراها أحد لغشه الموجود، فقال عليه الصلاة والسلام: «وكان يشوب الخمر بالماء ومعه قرد»، قرد هذا الحيوان، والقرود من الحيوانات النبيهة، من الحيوانات النبيهة، ومن عايشها ونظر وراقب وتأمل في حركاتها وأفعالها وسلوكها، يرى العجب العجاب. وليس معنى هذا أن يظن الضان كما نسمع من تلك النظرية الماركسية الشيوعية من أن الإنسان كان أصله قرد، الشبه الموجود بين أفعاله وأفعال الخلق لهذا ليس دليلاً على التشابه، وهذا قول يقوله الكفرة الفجرة من أن الإنسان قرد، والله عز وجل قد كرم بني آدم، وما يتفوه بمثل هذه الكلمات إلا الملاحدة، أما مسلم قد عرف عقيدته ما يتلفظ بهذا، لأن من تأمل في خلق الله للخلق يعلم أن أول ما خلق الله من البشر آدم، أول ما خلق الله آدم ثم نفخ فيه من روحه، ثم أصبح بشرًا سويًا، ثم أنزله إلى الأرض، ثم أتى بقابيل وهابيل، ثم جاءت الذرية، أين مرحلة القرد؟ أين مرحلة القرد؟ ما عندنا هنا مرحلة مفقودة، هذا عند من؟ عند المسلم يعلم من أول ما خلق الله الخلق إلى أن نزل آدم، ثم جاءت الذرية، ثم تتابعت الأجيال والأقوام إلى زماننا، إلى أن تقوم الأرض وتقوم الساعة لمن عليها. لكن الملاحدة الذين يقولون لا يؤمنون بهذا أصلاً، ما عندهم اعتراف بآدم ولا بغير آدم، يقولون أن هناك كائنات، هناك ذوات وصور، هناك ارتقاء، هناك نمو في الكائنات، نظام الارتقاء والرقي حتى وصل موضوع الانتخاب، قانون الانتخاب إلى غير ذلك من القوانين الوضعية، ومنها يستلهمون على أن الإنسان كان أصله قرد، فهذا ليس بصحيح، بل هذه عقيدة الملاحدة. الحاصل أن هذا الرجل الذي كان يغش كان عنده قرد، وكما قلنا القرد من الحيوانات النبيهة الزكية، تتصرف، وكم أخبرت من بعض إخواننا ممن يعيش في بعض الأماكن التي تم تكثر فيها القرود، يخبرك بشيء عجيب، أنها تفتح الباب، وأنها تأخذ الشيء، وأنها تهرب بالشيء، لربما تصفع الآدمي وهو يصفعه، ثم تصفعه، أفعال عجيبة، وهي من الحيوانات النبيهة. فانظر إلى نباهة هذا القرد، ما الذي فعل هذا القرد؟ نظر وعلم أن صاحبه يغش في بيعه وشرائه، وأنه يخلط الماء بالخمر، قال عليه الصلاة والسلام: «قالوا معه قرد، فأخذ الكيس»، ما هو الكيس؟ كيس المال، قام هذا القرد وخطف كيس المال، وهو المال الذي جمع فيه ربح هذا الرجل صاحب الخمر المغشوش، قال: «فأخذ الكيس فصعد الدقل»، الدقل هو الخشبة الممدودة الذي يطرح عليها الشراع شراع السفينة، لأن سفينة كبيرة، لأنها تسمع أن الرجل يبيع في السفينة، دل على أن هناك أناسًا في السفينة معه، إذن هي مزعومة بالبشر، تكون كبيرة، فهي تحتاج إلى الشراع يعين في إبحارها، فكان هذا الدقل، وهو الخشبة تسمى كذلك الصاري، خشبة ممدودة يطرح عليها الشراع، قام هذا القرد وتسلق هذا العود ومعه الكيس. قال عليه الصلاة والسلام: «فجعل يلقي دينارًا في البحر ودينارًا في السفينة»، قال عليه الصلاة والسلام: «حتى جعلوه نصفين»، أي أخذ المال، ثم دينارًا في البحر يتلف، ودينارًا يبقيه في السفينة يأخذ صاحبه، ودينارًا في البحر، وهكذا حتى قسم الكيس إلى نصفين، أذهب بنصفه وأبقى نصفه، بهذا ينتهي الحديث، وفيه دلالة إخواننا في الله على ما سمعتم، فيه دلالة على تحريم الغش، وأن من عقوبة الغشاش أن الله عز وجل يسلط على هذا المال المحرم ما يبيده وما يذهب ببركته. فلا تفرح يا عبد الله بهذا المال الذي اكتسبته، صحيح قد تتحصل بهذا الغش الذي غششت به الناس أموالاً كثيرة، بل ربحوا، ناس قد سمعنا أن ربما حصل الملايين، الملايين، لكن لما تعلم أن المال مال مغشوش ضحك به على أهل الإسلام، فما تجد إلا أن الله يمحق ببركة هذا المال، كما أذهب الله ببركة هذا الرجل ببركة ماله، أن جعل هذا القرد وهو صاحبه منه وفيه، ولهذا لا تستبعد يا عبد الله أن الله يسلط عليك من أقرب الناس إليك، من أهلك، من زوجك، من أولادك، من يذهب عنك هذا المال، من يذهب عنك هذا المال، فيذهب الله ببركته. وقد قال عليه الصلاة والسلام: «إنما عند الله لا ينال بالحرام»، «إنما عند الله لا ينال بالحرام»، في الحديث القدسي، قال نبي: «إن روح القدس نفث في روعي، نفث في روعي أن نفسًا لن تموت حتى تستكمل رزقها وأجلها»، فيا عباد الله أجملوا بالطلب، فإن ما عند الله لا ينال بالحرام، ما الذي عند الله؟ عند الله الرحمة والمغفرة، وهي لا تنال بالحرام، عند الله عز وجل الغنى والبركة، والغنى والبركة من الله لن تأتيك بالمال الحرام. فإذا أردت يا عبد الله ما عند الله من مغفرة، من رحمة، من بركة، من سعة، من نعمة، من استدامة النعمة، عليك اجعل هذا يا عبد الله من بابه، وهو من حله، خذ المال من الحلال، ولو كان قليلاً، ولو كان يسيرًا، فانظر يا عبد الله عبر بواقع الناس، رب رجل يشتغل في مهنة ضعيفة ويتحصل على مال يسير، لكن مهنته حلال في حلال مئة في المئة، ليس فيها شبهة، ليس فيها غشة، ليس فيها تحريم، وليس فيها تزوير، إذ بهذا الرجل بهذا المال القليل، سبحان الله، بارك الله في ماله، كوله أسرة، وأنشأ له عائلة، وأنشأ له بيتًا، وزوج أبناءه، وزوج عياله، ويعيش براحة. وأما الآخر الذي يلهث في الدنيا بطرق الأموال المحرمة، يستكثر لربما أوجد الدنانير والملايين، لكن انظر لحاله، لا زالت الديون تلاحقه، الديون تلاحقه، قال بعضهم: لربما سمعنا أنه انتحر، يفشل فيه مشروع، فيتراكم عليه الخصوم، ثم ينتحر، ما يجد مناصًا من الخلوص من ماذا؟ من هذه الأزمات الذي أصيب بها بماذا؟ بماله المحرم. فهذه عبرة يذكر لنا نبينا عليه الصلاة والسلام بصاحب هذا القرد، كيف أن هذا القرد أنصف الرجل، دينارًا في البحر، وهو الدينار المغشوش الذي فيه الخلطة، ودينارًا في السفينة، هو لك، هذا أصل مالك يبقى، وأما ما كان من المال المحرم، فإن الله يذهبه. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.