الخطبة بعنوان النكير على من احتفل بيوم الغدير، والتي كانت بمسجد التوحيد بتريم 19 ذو الحجة 1447هـ الموافق 5 يونيو 2026م ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
تؤكد الخطبة على كمال الدين وتحذر من الابتداء فيه بما لم يأت به النبي ﷺ، مستشهدة بأقوال السلف وأحاديث النهي عن المحدثات. وتخصص بالذكر احتفال الشيعة بعيد الغدير بوصفه بدعة محدثة حذر منها العلماء كابن كثير، مبينة أنه ليس من دين الله في شيء.
يؤكد علماء كبار كالمقريزي وابن تيمية وابن حجر أن عيد الغدير بدعة لا أصل لها في الشرع، ولم يتخذه السلف ولا أهل البيت عيداً. ويبينون أن خطبة النبي ﷺ في غدير خم كانت تذكيراً بالتمسك بكتاب الله وبر أهل بيته، ولا تُوجب اتخاذ ذلك اليوم عيداً، إذ الأعياد في الإسلام توقيفية مقتصرة على العيدين فقط.
يبيّن الخطيب أن الاحتفال بيوم الغدير في الثامن عشر من ذي الحجة بدعة محدثة لا أصل لها في الكتاب والسنة، وأن الروافض افتروا على النبي ﷺ بأوصية الخلافة لعلي رضي الله عنه. ويؤكد أن اتخاذه عيداً بدأ على يد الدولة البويهية ثم الفاطميين، ويحث على اتباع السنة وترك الابتداع.
يختتم المتحدث بتسبيح الله وتنزيهه عما يصف المشركون، ويسلم على المرسلين ويحمد الله. ثم يصلي على النبي محمد وآله وصحبه، ويأمر الحاضرين بالقيام إلى الصلاة.
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون. يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساءً، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، يقول ربنا عز وجل في كتابه الكريم: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾. والله جل وعلا قد أكمل لنا الدين، وأتم علينا النعمة، ورضي لنا الإسلام دينًا. والدين ما جاء به نبينا عليه الصلاة والسلام، وما كان عليه الصحابة الكرام. قال إمام دار الهجرة مالك بن أنس رحمه الله: «الدين ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما كان عليه الصحابة رضي الله عنهم، وما لم يكن يومئذ دينًا لا يكون اليوم دينًا». نعم عباد الله، إن نبينا عليه الصلاة والسلام تركنا على مثل البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك. فما من خير إلا ودلنا عليه، وما من شر إلا وحذرنا منه، وهو القائل عليه الصلاة والسلام: «وكان حقًا على كل نبي أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، وأن ينذرهم شر ما يعلمه لهم» رواه مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما. فما من خير إلا ودلنا عليه، وما من شر إلا وحذرنا منه عليه الصلاة والسلام. ألا وإن من الخير الذي دلنا عليه لزوم سنته، واتباع هديه، والأخذ بما جاء به عليه الصلاة والسلام. ومن الشر الذي حذرنا منه الابتداء في دين الله سبحانه وتعالى، والإحداث فيه بما لم يأت به رسول الله عليه الصلاة والسلام. ولذلك حذر عليه الصلاة والسلام من البدع والمحدثات أيما تحذير، قبل ظهورها وقبل انتشارها، لعظم فسادها، ولخطر ظهورها وانتشارها. ومن ذلك ما جاء في حديث العرباض بن سارية المشهور، الذي رواه الإمام أحمد وأهل السنن، في قوله عليه الصلاة والسلام: «فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة». وهكذا كان عليه الصلاة والسلام في خطبته، خطبة الحاجة التي يفتتح بها خطبة، ويفتتح بها كلمته، يحذر من البدع والمحدثات، وينذر أمته غاية الإنذار من الإحداث في دين الله ما ليس منه، كما سمعتم في افتتاح هذه الخطبة. ألا وإن من هذه البدع والمحدثات التي ما أنزل الله بها من سلطان، ما يحتفل به الشيعة الرافضة في مثل هذه الأيام، بما يسمى بعيد الغدير. هذا العيد المحدث الذي ليس من دين الله سبحانه وتعالى. ولذلك حذر العلماء من الاحتفال به غاية التحذير. فهذا الإمام ابن كثير رحمه الله يقول في كتابه «البداية والنهاية»: «وفي عشر ذي الحجة سنة اثنتين وخمسين وثلاثمائة للهجرة، أمر معز الدولة بن بويه بإظهار الزينة في بغداد، وأن تفتح الأسواق في الليل كأيام الأعياد، وأن يضرب بالدبادب، وهي آلة من آلات اللهو والطرب والبوقات، وأن تشعل النيران عند أبواب الأمراء وعند الشرط، فرحًا بعيد الغدير. قال: فكان يومًا عجيبًا مشهودًا، وبدعة شنيعة منكرة ظاهرة». انتهى كلامه رحمه الله. وقال المقريزي رحمه الله: «وعيد الغدير لم يكن عيدًا شرعيًا، ولم يفعله أحد من سلف هذه الأمة ممن يقتدى به. قال: وإنما أول ما حدث في الإسلام في أيام معز الدولة بن بويه، سنة اثنتين وخمسين وثلاثمائة للهجرة، فاتخذته الشيعة عيدًا من حينئذ، أي من ذلك التاريخ». ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في كتابه «اقتضاء الصراط المستقيم»: «وإنما مما ينبغي أن يعلم أن هذا اليوم، أو اتخاذ هذا اليوم عيدًا، محدث لا أصل له، ولم يفعله أحد من سلف الأمة، لا من أهل البيت ولا من غيرهم. وإن الأعياد شريعة من الشرائع يجب فيها الاتباع لا الابتداع. وللنبي صلى الله عليه وسلم خطب وعهود في مواقع كثيرة، كيوم بدر، ويوم حنين، ويوم الخندق، وفتح مكة، وكذلك في هجرته ودخوله المدينة، وغير ذلك من المواقع، من الوقائع، يذكر قواعد الدين، ثم لم يوجب أن يتخذ شيئًا من ذلك عيدًا». ويقول الحافظ ابن حجر رحمه الله: «ولا شك لمن ملك ذرة من العلم أن هذا اليوم، أو اتخاذ هذا اليوم عيدًا، بدعة منكرة لا أصل لها في الدين، ولا سند لها في سنة سيد المرسلين، لا من القرآن، ولا من السنة، ولا من فعل الصحابة، ولا من أهل البيت المطهرين رضي الله تعالى عنهم أجمعين. فإنهم لم يتخذوا ذلك اليوم عيدًا، وليس لأهل الإسلام إلا عيدان: عيد الفطر وعيد الأضحى». هكذا عباد الله، أنكر العلماء هذه البدعة المنكرة. قد يقول قائل: هل ذكر هذا اليوم في سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام؟ الجواب: نعم. وأهل السنة أهل إنصاف وعدل، يذكرون ما لهم وما عليهم، بخلاف أهل الأهواء، فإنهم يذكرون ما لهم ويخفون ما عليهم. جاء في صحيح الإمام مسلم عن زيد بن أرقم رضي الله تعالى عنه قال: «خطبنا النبي صلى الله عليه وسلم يومًا عند ماء يدعى خُمًّا، بين مكة والمدينة، وهو غدير مشهور، قد يضاف إلى الغيظة فيقال له: غدير خم». قال: «عند ماء يدعى خُمًّا بين مكة والمدينة، فحمد الله وأثنى عليه، ووعظ وذكر». وكان مما قال: «أيها الناس، إنما أنا بشر، يوشك أن يجيء رسول ربي فأجيب، وإني تارك فيكم ثقلين: أولهما كتاب الله، فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به». فرغب في كتاب الله، وحث على التمسك به. قال: «وأهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي» الحديث. فالنبي عليه الصلاة والسلام خطب الناس في هذا الموضع، ووعظهم وذكرهم، وأمرهم بالتمسك بكتاب الله، وأن يعتصموا بحبل الله جل وعلا، ثم رغبهم وأوصى بأهل بيته، أن يعرفوا لهم فضلهم، وأن يعرفوا لهم منزلتهم، وأن يحبوهم المحبة الشرعية التي لا جفاء فيها ولا غلو، ولا إفراط فيها ولا تفريط. وكون النبي عليه الصلاة والسلام خطبهم في ذلك المكان وفي ذلك الموضع، فإن ذلك لا يوجب أن يتخذ ذلك اليوم عيدًا. ولذلك، كما سمعتم في كلام شيخ الإسلام رحمه الله، أن النبي عليه الصلاة والسلام قد خطب الناس في أماكن ومواضع أعظم من ذلك اليوم، وفي أيام أعظم من ذلك اليوم، وفي مواعظ ووصايا أعظم من تلك الوصايا، ولم يتخذ الصحابة رضي الله عنهم تلك الأيام عيدًا، بل ولا أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يتخذ شيئًا من ذلك عيدًا. فعلم أن اتخاذ هذا اليوم عيدًا أمر محدث في دين الله، ما أنزل الله به من سلطان. أقول ما تسمعون، وأستغفر الله، إنه هو الغفور الرحيم. أعظم لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وكفى بالله شهيدًا. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقرارًا به وتوحيدًا. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا مزيدًا. عباد الله، سمعتم ذكرى هذا اليوم في هذا الحديث الصحيح عن النبي عليه الصلاة والسلام، وليس فيه شيء مما يزعمه الرافضة من الأكاذيب والافتراءات التي ادعوها في مثل ذلك اليوم العظيم. فإن الروافض يزعمون كذبًا وافتراءً أن النبي عليه الصلاة والسلام أوصى بالخلافة لعلي رضي الله تعالى عنه في يوم غدير خم، وهو كذب وافتراء على رسول الله عليه الصلاة والسلام. ثم بنوا على ذلك أن هذا اليوم يومًا معظَّمًا، أعظم من تعظيم أعياد أهل الإسلام. فعندهم هذا اليوم يسمى بالعيد الأكبر، فهم يعظمونه أعظم من تعظيمهم لعيد الفطر ولعيد الأضحى. ثم رتبوا على ذلك أنواعًا من الفضائل المكذوبة، وأنواعًا من الفضائل المزعومة. ومن ذلك: أن من صام ذلك اليوم كان صومه يعدل صيام ستين سنة، أو يعدل صيام الدهر، أو يعدل مئة حجة. وأن من صلى فيه ركعتين كان له من الأجر كَمئة ألف حجة، أو مئة ألف عمرة. وأنه تقضى فيه الحوائج في الدنيا والآخرة. وكل ذلك كذب وافتراء، لا أصل له في دين الله، ولا في سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام. فعلمنا معاشر المسلمين أن اتخاذ هذا اليوم عيدًا ليس من دين الله سبحانه وتعالى في شيء، وإنما أحدثه بعض سلاطين الدولة البويهية الشيعية، في سنة اثنتين وخمسين وثلاثمائة للهجرة، الذين ملكوا بعض بلاد العراق وإيران، واتخذ ذلك اليوم عيدًا، وعظمه الفاطميون الباطنيون، الذين هم أكفر من اليهود والنصارى، الذين حكموا مصر وبلاد الشام وبعض أجزاء اليمن، وبويع للخليفة الفاطمي سنة سبع وثمانين وأربعمائة للهجرة. إذن يا عباد الله، ليس لهذا اليوم، أو اتخاذ هذا اليوم عيدًا، الذي يحتفل فيه الشيعة في الثامن عشر من ذي الحجة، أصل ولا دليل، ولا حجة ولا برهان، ولا كذلك أثر عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، ولا عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم. ورضي الله عن العالم النحرير والصحابي الجليل عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه حين قال: «اتبعوا ولا تبتدعوا، فقد كفيتم. اتبعوا ولا تبتدعوا، فقد كفيتم». فما في كتاب الله، وما في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحيحة، كفاية لمن أراد الخير، ولمن أراد البر، ولمن أراد الطاعة، ولمن أراد الأجر والثواب، ولمن أراد كذلك أن يجازى بالإحسان عند رب العالمين سبحانه وتعالى. فلا يحتاج أن يحدث في دين الله سبحانه وتعالى ما ليس منه. وهو القائل رضي الله تعالى عنه: «اقتصاد في سنة خير من اجتهاد في بدعة». اقتصاد في سنة، كونك تكون على السنة وعلى هدي نبيك عليه الصلاة والسلام، ولو كنت مقتصدًا على الشيء اليسير، وعلى العبادة القليلة، وأنت على هدي رسولك عليه الصلاة والسلام، خير من أن تجتهد وتريد أن تزيد في العمل، فتقع في البدعة والإحداث في دين الله سبحانه وتعالى. فخير الأمور السالفات على الهدى، وشر الأمور المحدثات البدائع. اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين. اللهم اغفر أمطارنا، ورخص أسعارنا، وأصلح أمتنا وولاة أمورنا. اللهم اجعل ولايتك فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك. اللهم من أرادنا والإسلام بسوء، فاجعل كيده في نحره، واجعل تدبيره في تدميره. اللهم وخذ أخذ عزيز مقتدر. ومن أرادنا والإسلام بخير، فوفقه لكل خير، يا ذا الجلال والإكرام. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. وقوموا إلى صلاتكم.