التعليقات على كتاب الأدب المفرد 381

الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 381، ألقاها

الوصايا النبوية وتقوى الله

شرح حديث سليم بن جابر الهجيمي ووصايا النبي صلى الله عليه وسلم بتقوى الله وعدم احتقار المعروف. وتفسير معنى تقوى الله ودلائل الأمر بها في القرآن الكريم.

تحذير النبي من إسبال الإزار ومخيلة الإزار

تحذير النبي صلى الله عليه وسلم من إسبال الإزار لكونه من المخيلة والخيلاء، وتحريم إسبال الإزار سواء كان بقصد أو بدون قصد.

آداب التعامل مع الآخرين وتحريم السب

تحريم السب والتعيير وضرورة الصبر عند التعرض للإساءة، والاهتمام بعيوب النفس بدلاً من عيوب الآخرين.

مشروعية الاحتباء بشروطه

مشروعية الاحتباء إذا أمن انكشاف العورة، واحتباء النبي صلى الله عليه وسلم كدليل على مشروعيته.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمدٍ على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام البخاري رحمه الله في كتابه «الأدب المفرد»، باب الإحتباء، قال: حدثنا عبد الله بن محمد، قال: حدثنا وهو بن جرير، قال: حدثنا قرة بن خالد، قال: حدثني قرة بن موسى الهجيمي، عن سليم بن جابر الهجيمي، قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو محتب في بردة، وإن هدابها لعلى قدميه. فقلت: يا رسول الله، أوصني، قال: «عليك باتقاء الله، ولا تحقرن من المعروف شيئا، ولو أن تفرغ للمستسقي من دلوك في إناءه، أو تكلم أخاك ووجهك منبسط، وإياك وإسبال الإزار، فإنها من المخيلة، ولا يحبها الله، وإن امرؤ عيرك بشيء يعلمه منك، فلا تعيره بشيء تعلمه منه، ودعه يكون وباله عليه، وأجره لك، ولا تسبن شيئا». قال: فما سببت بعد دابة ولا إنسانا. هذا الباب ترجمه الإمام البخاري رحمه الله بقوله: «باب الإحتباء». والإحتباء مر معنا أنه ضم القدمين بالثوب، رفع القدمين وضمهما إلى البطن أو قرب منها بثوب أو بنحوه من الثياب، أو ما قد يعد لأجل الإحتباء من ما يسمى بالحبوة، أو قد يكون أيضا باليد، كما مر معنا في الكلام على القربصاء. وأراد بهذا الباب ذكر مشروعية ذلك، وأن النبي عليه الصلاة والسلام قد احتبى، وأنه لا بأس بذلك إذا أمنا انكشاف العورة، إذا أمنا انكشاف العورة فلا بأس أن يحتبي الإنسان ويجلس هذه الجلسة. فذكر حديث سليم بن جابر الهجيمي، قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو محتب في بردة، وإن هدابها لعلى قدميه. هدابها يعني طرف البردة، طرف البردة يعني ما يكون فيها مثل الخيوط ونحو ذلك، لعلى قدميه يعني تلمس قدميه. فالنبي عليه الصلاة والسلام احتبى بهذه البردة وجعل طرفيها أو طرفها على قدميه. قال: فقلت: يا رسول الله، أوصني، قال: «عليك باتقاء الله، ولا تحقرن من المعروف شيئا» إلى آخره. سليم بن جابر طلب من النبي عليه الصلاة والسلام أن يوصيه بوصايا يعتني بها ويتمسك بها ويطبقها وينتفع بها. والمسلم إذا سئل ذلك قاله: إنسان أوصني، فإنه يوصيه بماذا أفضل ما يظن ويعتقد مما ينتفع به هذا السائل مما ينتفع به هذا السائل. وقد تختلف الوصية من شخص لآخر على حسب الحال، فقد يكون في شخص مناسبة أن يوصى ببعض الأمور، وربما آخر يسأل فيوصى بأشياء أخرى على حسب حاله وما يكون أنفع له. ولهذا لو رأينا في هذه الوصية سنرى أمورا لم يذكرها النبي عليه الصلاة والسلام لأناس آخر سألوه الوصية أن يوصيهم، فأمرهم بشيء آخر. مثلا الذي قال: يا رسول الله، أوصني، قال: «لا تغضب»، فردد مرارا، قال: «لا تغضب». كلما قال: أوصني، قال: «لا تغضب». ربما لأن الحال يناسبه ربما كان شديد الغضب والانفعال، فأوصى النبي صلى الله عليه وسلم بترك الغضب وعدم الغضب. وهكذا يختلف الجواب على حسب حال الشخص وما هو أنفع له. فلما قال: أوصني، قال: «عليك باتقاء الله»، يعني بتقوى الله. عليك باتقاء الله، يعني بتقوى الله، وهي أعظم وصية. الوصية بتقوى الله، قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾. هذه وصية الأولين والآخرين، تقوى الله جل وعلا بأن تجعل ماذا بينك وبين محارم الله وقاية، أن تفعل الأوامر وتترك النواهي. وأفضل ما ذكر أهل العلم تفسير التقوى قول طلق بن حبيب: أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله على نور من الله تخاف عقاب الله. هذا معنى عام وشامل للتقوى، أن تفعل تعمل بطاعة الله ما أمر الله سبحانه وتعالى به، تعمله على نور من الله يعني على علم وبصيرة، على علم وبصيرة ليس على جهل وتخبط، ترجو ثواب الله، هذا إشارة إلى الإخلاص في هذا العمل، أنك تخلص به لله سبحانه وتعالى تريد الأجر والثواب من الله. وأن تترك معصية الله وما حرم الله جل وعلا على نور من الله، تتركه على علم أن هذا محرم وهذا منكر، نعم وتفعل ذلك خوفا من عقاب الله، تخاف عقاب الله. هذه هي تقوى الله جل وعلا، تتق الله جل وعلا في سائر أحوالك، في حضرك وسفرك، في سرك وعلى نيتك، تعلم أن الله جل وعلا مطلع عليك، فتحرص على ما يرضيه وتبتعد عما يسخطه ويغضبه. والأمر بالتقوى كما نعلم جاءت فيها دلائل كثيرة وآيات متعددة، هي أمر الله سبحانه وتعالى فيها بتقواه، ومنها الآيات التي تتلى في خطبة الحاجة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ الآية، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾، وغيرها من الآيات كثر في بيان الأمر بتقوى الله جل وعلا. قال: «عليك باتقاء الله»، عليك يعني إلزم، إلزم تقوى الله، ولازم تقوى الله جل وعلا. قال: «ولا تحقرن من المعروف شيئا ولو أن تفرغ للمستسقي من دلوك في إنائه». ولا تحقرن من المعروف شيئا، لا تحقرن من المعروف شيئا، يعني لا تستصغر شيئا من المعروف وتستحقره، تقول: هذا شيء قليل أو هذا شيء يسير ليس بكثير ولا بعظيم فتحقره وتتركه فتحرم ثوابه وأجره، تحرم من ثوابه وأجره، لا لا تحقرن من المعروف شيئا، شيئا نكرة في سياق النهي فتفيد العموم، أي شيء من المعروف فلا تستحقره، ربما معروف قليل يكون سببا في دخولك الجنة، يكون سببا في دخولك الجنة. نعم، في حديث جابر في صحيح مسلم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لقد رأيت رجلا يتقلب في الجنة في شجرة أزاحها عن الطريق كانت تؤذي المسلمين»، شجر شوك أبعده، قال: «لا يؤذي الناس لا يؤذي المسلمين»، فأدخله الله جل وعلا بسبب ذلك الجنة. انظر هذا المعروف قد يستحقره الكثير، وربما يمر ويرى أشياء يتأذى منها الناس وما يبالي، ما يبعدها ولا يعني يقع في نفسه وفي باله أنه ينال الأجر بإبعادها، فهذا أبعد هذا الشوك فأدخله الله جل وعلا الجنة. وفي بعض الروايات: «فغفر الله له». طيب، فالمسلم لا يحتقر شيئا من المعروف، «لا تحقرن من المعروف شيئا»، أي شيء من المعروف تبذله للناس لا تحقره، من مال، من إعانة، من صدقة، من كلمة طيبة، من نصيحة، من تعليم، تعليم العلم هذا من المعروف، من أعظم المعروف، لا تحقر من المعروف شيئا. وأيضا في حديث أبي هريرة في قصة الرجل الذي سقى الكلب: رجل أصابه العطش فنزل بئر وجد بيرا نزل فشرب ثم وجد كلبا يأكل الثرى من العطش، فأخذ قال: قد بلغ بهذا الكلب من العطش مثل الذي بلغ به، نزل فما لا أخفه نزل لأنه قد صعد قد شرب وراد أن يخرج فرأى الكلب، رجع وملأ الخف ثم سقى هذا الكلب فرقى، قال: «فشكر الله له فغفر له»، وفي رواية: «فشكر الله له فأدخله الجنة»، فأدخله الجنة. قالوا: يا رسول الله، إن لنا في البهائم أجرا، قال: «في كل ذات كبد رطبة أجر»، في كل ذات كبد رطبة أجر، يعني كل حيوان، إنسان، كل حيوان، يعني سواء كان إنسانا أو غيره من حيوانات التي تعيش تدب فيه الحياة، ذات كبد، فإذا سقيته، وأطعمته، فلك أجر، في كل ذات كبد رطبة أجر. وهذا إحسان معروف لحيوان، فكيف ببذل المعروف للإنسان، وللمسلم. قال: «ولو أن تفرغ للمستسقي من دلوك في إناءه». يأتي إنسان يستسقي يريد ماء، فتضع له من دلوك تفرغ له الماء في دلوه من دلوك في دلوه، هذا من المعروف، ما تستحقر هذا. ولو أن تفرغ للمستسقي، المستسقي من يطلب السقي، من دلوك في إناءه، تضع له من دلوك في دلوه، وفي إناءه هذا من المعروف. قال: «أو تكلم أخاك ووجهك منبسط». أو تكلم أخاك ووجهك منبسط، يعني بوجه منشر مبتسم، تدخل عليه الفرح والسرور، هذا من المعروف، هذا من المعروف، فلا تستحقر من المعروف شيئا. قال: «وإياك وإسبال الإزار، فإنها من المخيلة، ولا يحبها الله». إسبال الإزار يعني أن يطول الإزار إلى ما تحت الكعبين، إلى ما تحت الكعبين، فالنبي صلى الله عليه وسلم حذره من ذلك، إياك يعني احذر، احذر أن تسبل إزارك. «وإياك وإسبال الإزار، فإنها من المخيلة»، يعني من الخيلاء، من الخيلاء، وإن لم يقصد ذلك، وإن لم يقصد ذلك، يعني قال: ما فعل ذلك لأجل الخيلاء، نقول: إسبال الإزار من المخيلة، قصدت أم لم تقصد، لا يجوز. وإذا قصدت المخيلة والخيلاء فأشد إثما وأعظم عقوبة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من جر إزاره خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة، ولم يزكه، وله عذاب أليم». وإذا كان من غير خيلاء فما تحت الكعبين من الإزار ففي النار، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما أسفل الكعبين من الإزار ففي النار». هذا من غير خيلاء، ومع الخيلاء هذه العقوبة الأشد التي سمعتم. فإسبال الإزار محرم، سواء كان لقصد الخيلاء أو لغير الخيلاء. قال: «وإياك وإسبال الإزار، فإنها من المخيلة، ولا يحبها الله»، أي لا يحب الله المخيلة والخيلاء. فإن قال: قال أبو بكر رضي الله عنه: «كان إزاري يسترخي لما سمع النبي صلى الله عليه وسلم يذكر ذلك في حديث آخر»، قال: يا رسول الله، إن إزاري يسترخي وإني أتعاهده، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «إنك لست ممن يفعله خيلاء»، أو «لست من أهل الخيلاء»، يعني لم تقصد ذلك ولم تفعل ذلك، ولست من أهل الخيلاء. هل هذا فيه أنه لا بأس أن الإنسان يسبل إزاره على غير قصد الخيلاء؟ الجواب: لا. أبو بكر رضي الله عنه أخبر أنه يسترخي من غير قصد، من غير قصد، ربما أحيانا يعني تجد أن الثوب يفتك أو يطول من غير قصد منك، فما تشعر إلا وقد وصل مثلا إلى الكعبين أو تحت الكعبين، متى ما شعرت رفعته، وجب عليك أن ترفعه مباشرة إذا حصل هذا من غير قصد، هذا لا يؤخذ عليه الإنسان لأنه حصل على سبيل الخطأ، ربما لا تأخذنا إن نسينا وأخطانا. أما أن تتعمد إسبال الإزار وتقول: أنا مثل أبي بكر ما فعله خيلاء، لا هذا خطأ. أولا: أبو بكر زكاه النبي عليه الصلاة والسلام بأنه ليس ممن يفعله خيلاء. والأمر الثاني: أنه كان يسترخي من غير تعمد منه ولا قصد، ولهذا هو يتعاهده يعني في رفعه، يتعاهد رفعه، ولم يفعل ذلك على جهة القصد والعمد. نعم، وأيضا يلحق بالإزار غيره من اللباس، الإزار هو ما يلبس من الثياب ما بين السرة إلى الركبة أو تحت الركبة، كالمعوز والفوطة ونحوها. وهذا الحكم عام يشمل كل ما تزر به الإنسان، وما لبسه من الثياب، كالقميص والسراويل، كلها تأخذ هذا الحكم. في حديث ابن عمر، قال رضي الله تعالى عنه: «ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الإزار فهو في القمص»، ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الإزار فهو في القميص، فالحكم واحد، لكن ذكر النبي صلى الله عليه وسلم الإزار لأنه غالب ما كان يلبس، غالب ما كان يلبس في زمن النبي عليه الصلاة والسلام، أو ذكرهم، باب الإشارة إلى هذا الحكم بذكر ماذا هذا النوع من الثياب التي يلبسها الناس. والشرع لا يفرق بين مجتمع، ولا يجمع بين المتفرق، لا يفرق بين مجتمع، فإذا كان الإزار هذا حكمه بأنه لا يجوز إسباله، فما الفرق؟ لا فرق بينه وبين القميص وبين غيره من الثياب، فيكون هذا يعني أدبا من آداب اللباس، وحكما يتعلق باللباس، أنه لا يجوز أن يطول إلى أسفل الكعبين. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إزار المؤمن إلى أنصاف الساقين»، إلى أنصاف الساقين، «فإن أبى فما بينه وبين الكعبين». «وإياك وإسبال الإزار»، فإن إسبال الإزار من مخيلة، يعني ما أسفل النصف وفوق الكعب هذا جائز، هذا جائز، وإلى أنصاف الساقين هذا المستحب، إلى أنصاف الساقين هذا المستحب، وما نزل فوق الكعبين فهو جائز، وما نزل تحت الكعبين هذا المحرم، ما نزل وزاد على الكعبين هذا هو المحرم. قال: «وإن امرؤ عيرك بشيء يعلمه منك، فلا تعيره بشيء تعلمه منه، ودعه يكون وباله عليه، وأجره لك». وإن امرأ عيرك بشيء يعلمه منك، يعني عيرك بشيء من عيوبك التي يعلمها فيك، فجعل يعيرك ويتنقصك بأنك كذا وكذا، فلا تقابله بهذا الخلق السيء، أن تعيره بشيء تعلمه فيه، لا لا تقابله بذلك، لا تقابل السيء بالسيء، ولكن قابل السيء بالحسنة حتى تنال الأجر ويتحمل الإثم، تنال الأجر ويتحمل الإثم. قال: «فلا تعيره بشيء تعلمه منه، ودعه يكون وباله عليه». دعه يتحمل الإثم، والله عز وجل يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾. والله نهى عن السخرية، أن يسخر المسلم بأخيه، ولو كان أفضل منه، بل يعني لا يسخر من قوم ومن شخص، وقد يكون هو أفضل منه، قد يكون هذا الذي يسخر منه أفضل منه، فلماذا تستهزئ به وتسخر منه؟ نعم. فلا تعير أخاك بشيء تعلمه فيه، فإذا عيرك دعه يكون وباله عليه، هو يتحمل الإثم، والباد أظلم، الباد أظلم، قال: «دعه يكون وباله عليه وأجره لك»، أجر تحمله والصبر عليه وعدم مقابلته بنحو فعله يكون لك الأجر، يكون لك الأجر، وهو يتحمل الإثم. وما من أحد إلا وله عيوب، ما من أحد إلا وله عيوب، لأننا بشر نصيب ونخطئ، ونعلم ونجهل، فكونك تعير أخاك بشيء تعلمه فيه ينبغي أولا أن تنظر في نفسك وفي عيوبك وتتفقد عيوبك وتصلحها. وكان الأولى أنك تنصحه إذا رأيت فيه شيئا من العيوب أن تنصحه وتوجهه وتبين له ما عنده من هذا العيب وهذا الخطأ حتى يصلحه وتقومه، لا أنك تعيره وتستغل ذلك لذنبه واستحقاره والطعن فيه. فما من أحد إلا وله عيوب، لكن إذا ترك الإنسان عيوب نفسه اشتغل بعيوب الآخرين، اشتغل بعيوب الآخرين. وكما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «يرى القذاذة في عين أخيه وينسى الجذع معترضا بين عينيه»، يرى القذاذة في عين أخيه وينسى الجذع معترضا بين عينيه، يعني عنده عيوب أعظم من العيوب التي عنده أخيه، ربما عيوبه قليلة أو يسيرة أو شيء يعني صغير، وهو عنده من العيوب ما هو كبير، ما ينتبه له ولا يعني يصلحه ويهتم بنفسه، لكن هذا بسبب كما قلنا من ترك المرء للانشغال بعيوب نفسه فيشتغل بعيوب الآخرين. قال: «ولا تسبن شيئا»، قال: «فما سببت بعد دابة ولا إنسانا». أوصى النبي صلى الله عليه وسلم بأن لا يسب، «لا تسبن شيئا»، شيئا أيضا نكرة في سياق النهي فتفيد العموم، لا حيوان ولا إنسان، وهذا بالحقيقة خلق عظيم، خلق عظيم، أن يتخلق به المسلم وهو ترك السب، ترك السب، لا يسب إنسان ولا حيوان ولا شيء. ومع ذلك تجد ربما القليل من ربما يطبق مثل هذا الخلق خاصة عند الغضب، فتجد الواحد إذا غضب أخرج الكلمات والسباب الكثيرة، هذا خلاف يعني الخلق الحسن، ينبغي أن يكون عليه المسلم، بل النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذيء»، ما يكون المسلم على هذا الخلق الذميم، بل ينبغي أن يكون ذا لسان طيب، ولا يكون سبابا ولا شتاما ولا لعانا. قال: «لا تسبن شيئا»، حتى لو سبك إنسان تحمل، وينال هو الإثم وأنت تنال الأجر، وأنت تنال الأجر. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «المتسبان فعلى البادئ منهما ما لم يعتدي المظلوم»، المتسبان فعلى البادئ، أي الإثم الذي بدأ على البادئ منهما ما لم يعتدي المظلوم، يعني لو أن المظلوم سبه بمثل سبه ما عليه شيء، المظلوم الذي سبه إذا قابل هذا الساب بمثل سبه ليس عليه شيء، طبعا إذا كان السب يعني ليس من الأمور القبيحة أو الكفرية، من باب الأخذ بحقه ليس عليه شيء، فإذا زاد شاركه في الإثم، ما لم يعتد المظلوم أن يزيده على سبه فيكون شريكا له في الإثم. قال: «ولا تسبن شيئا»، قال: «فما سببت بعد دابة ولا إنسانا». «فما سببت بعد دابة ولا إنسانا»، يعني يقول سليم بن جابر رضي الله عنه: ما سببته بعد وصية النبي عليه الصلاة والسلام له بترك السب، ما سب دابة ولا إنسانا، لا حتى حيوان ما يسبه، فضلا عن إنسان. وهذا نظر إلى العمل بالنصيحة، بوصية النبي عليه الصلاة والسلام، وهذا يدلنا على أن ينبغي أن يقصد السائل في سؤاله إذا سأل أن يعمل بالجواب، أن يعمل بالجواب، ما يكون همه فقط أن يعرف الجواب ثم يترك العمل، لا. الصحابة كانوا يسألون لأجل أن يعملوا، لأجل أن يعملوا، كانوا يسألون لأجل أن يعملوا، يعملوا بما سمعوا ويطبقوا ما علموا، هكذا كان هديهم رضي الله تعالى عنهم. فلما أوصى النبي صلى الله عليه وسلم بذلك وقال: «لا تسب»، قال: «فما سببت بعد دابة ولا إنسانا». وهذا ينبغي أن يكون المسلم إذا سأل عن شيء يسأل لأجل أن يعمل، يسأل لأجل أن يعمل، وأن يطبق ما يسمعه وما يعلمه، فيحصل له بذلك النفع. فهذه وصية عظيمة من وصايا النبي عليه الصلاة والسلام، وشاهد من ذكر هذا الحديث في هذا الباب هو قوله: «أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو محتب في بردة، وإنه الدابة لعلى قدمي». وهو ظاهر فيما بوب عليه «باب الاحتباء»، يعني مشروعية الاحتباء، وهذا النبي صلى الله عليه وسلم قد احتبى عليه الصلاة والسلام، وهذا كما مر أنه مشروع إذا أمن انكشاف العورة. صلى الله عليه وسلم عن نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

شاركنا على