التعليق على كتاب القواعد المثلى 13

الدرس في التعليق على كتاب القواعد المثلى 13، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

مقدمة في الصفات الإلهية

يشرح الشيخ العثيمين الصفات الثبوتية والسلبية لله عز وجل، ويبين أن الصفات الثبوتية هي صفات مدح وكمال. القرآن يفصل في الإثبات ويجمل في النفي.

قواعد إثبات ونفي الصفات الإلهية

يشرح كيفية التعامل مع الصفات الإلهية من حيث الإثبات والنفي، والتفصيل في الصفات الثبوتية يدل على الكمال. كما يصنف الصفات إلى ذاتية وفعلية.

تقسيم الصفات الإلهية إلى ذاتية وفعلية

يناقش تقسيم الصفات الإلهية إلى ذاتية وفعلية، حيث تُعتبر الذاتية لا تنفك عن ذات الله، بينما تتعلق الفعلية بمشيئته. بعض الصفات قد تكون ذاتية وفعلية باعتبارين.

تعريف الحكمة وإمكانية تعلمها

الحكمة يمكن تعلمها ويمكن ألا تعلم، وهذا يعتمد على إمكانية اكتسابها من خلال التعلم أو عدم القدرة على ذلك.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد، قال الشيخ العثيمين رحمه الله: القاعدة الرابعة، الصفات الثبوتية صفات مدح وكمال، فكلما كثرت وتنوعت دلالتها ظهر من كمال الموصوف بها ما هو أكثر. قالوا: لهذا كانت الصفات الثبوتية التي أخبر الله بها عن نفسه أكثر بكثير من الصفات السلبية، كما هو معلوم، وكما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وغيره: إن القرآن من طريقة القرآن أنه يفصل في الإثبات ويجمل في النفي. وكذلك أيضًا صفات الله عز وجل، فإنها بسبب أنها ثبوتية وهي كمال، فإن القرآن أكثر منها. وأما الصفات المنفية فهي قليل، وهي أيضًا صفات تجد أن القرآن يجملها، ما يفصل فيها. فقال الله عز وجل: ﴿الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم﴾، فنفى عن نفسه السنة والنوم؛ لأجل أن يثبت كمال الضد، وهو القيومية والقدرة على كل شيء. فلهذا فالإثبات يكون من الصفات الثبوتية نفسها، وكذلك من الصفات المنفية فيكون التفصيل فيها أكثر والثبوت أكثر. فأيضًا كذلك ربنا جل وعلا تجد يذكر إذا ذكر الصفات الثبوتية أكثر فيها، مثلا قال الله عز وجل في آخر سورة الحشر: ﴿هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر سبحان الله عما يشركون هو الله الخالق البارئ المصور له الأسماء الحسنى﴾، هذه تفصيل في إثبات الصفات، صحيح بعضها أسماء، لكن أسماء تشتق منها صفات. فلهذا فصل الله عز وجل في صفاته العظيمة. ولا تجد في القرآن آية يذكر سردًا صفات منفية، إن ذكر ذكر أثنتين أو واحدة. وهذا كما قلنا يجعل أن صفات الثبوت كلما كثرت كلما كانت أكمل، أو كلما كانت كمالا أكثر. وبخلاف الصفات المنفية، فكلما كثرت كلما قل الكمال؛ لأن الصفات المنفية هي صفات نقص، فكلما كثرت كثرة معنى نفيها فإن الكمال يقل. ولهذا كما ذكر بعض العلماء: لو جاء إنسان إلى ملك مثلا من ملوك الدنيا وأراد أن يمدحه، فغالبًا أن المدح ما يكون بالسلب: أنت لست كذا ولست كذا ولست كذا. فلو كان فعل هذا لعابه الناس ولعابه الملك نفسه، يعني كيف هذا أنت لست بكذا ولست بكذا ولست بكذا، يعدد أشياء أنت لست مثلا بخمار وأنت لست بكذا، فهذا يشمئز منها القلب. أن كثرة الصفات السلبية يشمئز منها القلب، ولا تصير مدحًا مثل كثرة الصفات الثبوتية. وسبحان الله، الله عز وجل لم يوفق المبتدعة في عقيدتهم. ولهذا تجد أن عقيدتهم ليست إثباتًا وإنما سل ينفون عن الله. إذا نظرت إلى كتب الأشاعرة مثلا «إحياء علوم الدين» تجد في أوله يذكر بعض الأسماء والصفات، لكن ما يذكرها بالثبوت وإنما يذكرها بالنفي. فتجد أنهم يفرغون أو يكتبون في أكثر مما أقول ورقة كاملة: الله ليس كذا وليس كذا، ليس بجسم وليس بجوار وليس بعرض وليس بكذا، وليس يذكرون أشياء كثيرة بالنفي. وتجدهم في الإثبات لا يفصلون هذا التفصيل. لماذا؟ لأنهم لا يثبتون الصفات كلها. وهذا من الحرمان، وإلا فإثبات الصفات كمال، كلما زادت صفة كلما زاد كمال فوق كمال. ولهذا أراد هنا الشيخ ابن عثيمين رحمه الله أراد أن يبين هذه القاعدة، وأن إثبات الصفات مدح وكمال، وكلما كثرت كلما كثر الكمال، بخلاف الصفات السلبية. ولما ادعى اليهود عليهم لعائن الله أن الله عز وجل كانوا يقولون أن الله عز وجل لما خلق السماوات والأرض تعب وارتاح، هكذا من عقيدة اليهود يذكرونها، وهي من العقائد المحرفة. فقال الله عز وجل: ﴿ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب﴾، أن اللغوب أي تعب. ولما قالوا: اتخذ الله ولدا، قال الله عز وجل: ﴿لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد﴾، أن هذه لعله الآية الوحيدة التي كثر الله عز وجل فيها في النفي: لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد. ولما أراد أن ينفي عن نفسه النقص عن نفسه النقص بكل وجه، فقال: ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾، ليس كمثله شيء، ولم يكن له كفوا أحد. هل تعلم له سمية؟ فتجد في النفي أن ربنا جل وعلا لا يكثر في ذكر النفي، وهذا حتى في ليس فقط في هذه الأشياء في الأسماء والصفات، بل حتى في الخير والشر. تجد من أسلوب القرآن أنه إذا جاء الخير فصل، وإذا جاء الشر أجمل، يعني يجمل في الشر ويفصل في الخير. أنا بخلاف كثير من دعاة من القصاص، تجدهم يفصلون في الشر ويجملون في الخير، وهذا خطأ وليس من دعوة القرآن وأسلوب القرآن. أنا تجد أنهم يفصلون في الشر، يأتون بالقصص التي حصلت في الشر، يفعل كذا وفعل كذا وفعل كذا، وذهب مع المرأة وقال لها كذا، فصلون في هذا الشر. والواجب أنه يجمل في الشر، لا ينبغي أن يفصل. قال: كذا وقال كذا؛ لأن هذا فيه تعليم للأشرار وتعليم لمن لم يتعلم. فلهذا فالشر يجمل فيه والخير يفصل له، أن يفصل في الخير له أن يأتي بالقصص في الخير ما في شيء يفصل فيها. أما في الشر فالواجب أنه يجمل. قال: وأما صفات السلبية فلم تذكر غالبًا إلا في الأحوال التالية: الأولى بيان عموم كماله، كما قال جل وعلا: ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾، الثاني نفيه ما ادعاه في حقه الكاذبون، كما في قوله: ﴿أن دعوا للرحمن ولدا وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا﴾، وأيضا كما سيأتي في دفع توهم أيضًا. الثالثة دفع توهم نقص من كماله فيما يتعلق بهذا الأمر المعين، كما في قوله تعالى: ﴿وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين﴾، وقوله: ﴿ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب﴾. وهنا قال: وما مسنا من لغوب، رد عليهم بهذه المناسبة؛ لأنهم اتهموه بذلك. واللغوب قال أهل اللغة: أن اللغوب هو أدنى أنواع التعب، أدنى أنواع التعب. فنفى الله عز وجل ما قد يتوهمه الناس، بل ما افترى به اليهود أن الله عز وجل تعب واستراح. بل ربنا جل وعلا بيّن أنه لم يتعب؛ لكمال قدرته سبحانه وتعالى. فقال: ﴿وما مسنا من لغوب﴾؛ لأنه قادر على هذه الأشياء؛ لأنها تحت يده وتصرفه سبحانه وتعالى. وأيضا مثلا قول الله عز وجل: ﴿فحسبتم أن ما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون﴾، فنفى هنا ربنا جل وعلا أن يكون قد خلق الخلق عبثًا ولعبًا. ﴿فحسبتم أن ما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون﴾، فنفى عن نفسه أن خلقه للإنسان خلقه للإنسان عبثًا، بل أنه خلقه سبحانه وتعالى لغاية حميدة، وهي عبادته جل وعلا. فهذه القاعدة الرابعة، وخلاصتها أن إثبات الصفات أو أن التفصيل في الصفات الثبوتية يدل على الكمال والمدح، وأما النفي فيجمل فيه؛ لأن كثرة النفي لا تدل على الكمال، كثرة النفي لا تدل على الكمال. قال رحمه الله: القاعدة الخامسة، الصفات الثبوتية تنقسم إلى قسمين: ذاتية وفعلية. إذا أخذناها لكن من باب التذكرة، فالذاتية التي لم يزل ولا يزال متصفًا بها، كالعلم والقدرة والسمع والبصر والعزة والحكمة والعلو والعظمة. ومنها الصفات الخبرية كالوجه واليدين والعينين. والفعلية عن الصفات الذاتية، كما قلنا تنقسم إلى قسمين: خبرية ومعنوية. لكن الشيخ هنا ذكر المعنوية، ثم قال: ومنها الصفات الخبرية. قلنا: أي شيء للصفات الخبرية؟ ما كان بالنسبة لنا أجزاء وأبعاض، ما كان بالنسبة للمخلوقين أجزاء وأبعاض. وأما الله عز وجل فصفاته قائمة بنفسه. فلهذا فربنا جل وعلا أثبت له هذه الصفات الخبرية كالوجه واليدين والعينين، وأيضا كذلك القدم، كذلك الأصابع وغيرها من هذه الصفات التي جاءت في الحديث. قال: والفعلية هي التي تتعلق بمشيئته، إن شاء فعلها وإن شاء لم يفعلها، كالاستواء على العرش والنزول إلى السماء الدنيا. فهذه الصفات فعلية، وهي المقابل للذاتية. الذاتية التي لا تنفك عن ذات الله، والفعلية متى شاء أن يفعلها فعلها، مثل الاستواء على العرش، مثل المجيء، مثل كذلك أيضا نزول وغيرها من هذه الصفات الفعلية. قال: قد تكون الصفة ذاتية فعلية باعتبارين، كالكلام، فإنه باعتبار أصلي صفة ذاتية؛ لأن الله تعالى لم يزل ولا يزال متكلما. وباعتبار أحد الكلام صفة فعلية، أي ما يتعلق بمشيئته، يتكلم ما يشاء بما شاء. فقد كلم أهل الجنة، وجاء ثم جاء في الحديث في الصحيحين «في حديث أبي سعيد» قال: «إذا دخل أهل الجنة الجنة يقول الله عز وجل يا أهل الجنة هل رضيتم؟ قالوا: وما لنا لا نرضى يا رب، ألم تدخلنا الجنة وألم تبيض وجوهنا؟ قال: فإني أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعدها أبدا». فهذا فيه كلام الله عز وجل لأهل الجنة. وأيضا جاء في القرآن كلام الله عز وجل لأهل النار التوبيخ، قال: ﴿اخسئوا فيها ولا تكلمون﴾، وغيرها من هذه الأشياء التي جاءت في كلام الله عز وجل في الآيات وفي الأحاديث. فصفة الكلام صفة ذاتية، أي بمعنى أن الله عز وجل له صفة الكلام، فهو متكلم سبحانه وتعالى، وهذا التي جاءت به الآيات. وأيضا يتكلم ما يشاء، يتكلم ما يشاء. فلهذا بعض العلماء يقولون: صفة الكلام قديمة النوع، حادثة الآحاد. قديمة النوع، حادثة الآحاد. أو يقولون: صفة الكلام صفة ذاتية فعلية. وهذا أو لا صفة ذاتية، أي لأن لا تنفك عن ذات الله، وصفة فعلية، أي أن أحد الكلام فإنه تحت بمشيئة الله عز وجل، متى شاء تكلم سبحانه وتعالى. قال: كما في قولي: ﴿إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون﴾. وكل صفة تعلقت بمشيئته تعالى فإنها تابعة لحكمته. قالوا: قد تكون الحكمة معلومة لنا، وقد نعجز عن إدراكها. معناه: هذا أفعال الله عز وجل متعلقة بحكمته، أي لا يفعل شيئا عبثا أو لعبا، وإنما كل ما يفعله جل وعلا فمتعلق بحكمة منه، ومتعلق بمشيئته النافذة في كل شيء. ومشيئته متعلقة بحكمته. فمثلا نهى الله عز وجل عن القتل؛ لأنه فساد واعتداء، ونهى عن الربا؛ لأنه ظلم واعتداء على أموال الناس. فالحكمة من النهي ظاهرة ومعلومة؛ لأن بعض كما قال الشيخ: بعضها تظهر لنا الحكمة، وبعض ما شرعه الله عز وجل لا تظهر حكمته. بعض ما يفعله الله عز وجل لا تظهر حكمته. معناه: مثل مثلا أن جعل لنا هذه الصلوات: الفجر ركعتين، والظهر أربع، إيش الحكمة في هذا؟ لا نعلم. هذا راجع إلى الله عز وجل. فالإنسان قد يدرك حكمة الله وقد لا يدركها. لكن إذا لم ندرك حكمة الله عز وجل فنجزم أن الله عز وجل له الحكمة البالغة في فعله سبحانه وتعالى. فلا يشرع شيئا إلا لحكمة منه جل وعلا. لهذا ختم هذه الآية: ﴿إن الله كان عليما حكيما﴾، عن قول عز وجل: ﴿ما تشاءون إلا أن يشاء الله إن الله كان عليما حكيما﴾ في سورة الإنسان. فلهذا فالحكمة ممكن أن نعلمها، وممكن أن لا نعلمها.