الدرس في قصة آسية امرأة فرعون - ٢، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول المقطع قصة آسية بنت مزاحم وكيف أيدها الله بكرامات رغم تعرضها للتعذيب، كما يذكر كرامات أخرى لبعض الصالحين. يبرز المقطع أهمية الإيمان والصبر في نيل كرامات الله.
يؤكد الخطيب على أهمية الدعاء في مواجهة المحن، مستشهدًا بأنبياء الله، ويبين أهمية البراءة من الكافرين وأفعالهم كما فعلت آسية بنت مزاحم. يشدد على أن الدعاء عقيدة راسخة وليس علامة ضعف.
يذكر المقطع فضل الصبر على البلاء مستدلًا بقصة آسية بنت مزاحم، ويبين كيف أن الصبر على التعذيب في سبيل الله يؤدي إلى نيل الأجر العظيم والكرامات من الله تعالى.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فلا زلنا إخواني في الله مع هذا الحديث العظيم، والذي أخبر فيه أبو هريرة رضي الله تعالى عنه بأن فرعون أوتد لمرأته أربعة أوتاد في يديها وفي رجليها. وعلمنا من هذه الفقرة ما فيه بيان ودلالة على ظلم وعلى جبروت فرعون، وفيه كذلك علمنا أن الإبتلاء سنة كونية قضاها الله على عباده، وعلمنا كذلك فضيلة لمرأة فرعون، واسمها آسية بنت مزاحم. وقد جاء في حقها الفضائل العديدة، منها ما جاء في البخاري، قال عليه الصلاة والسلام: «كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران وآسية بنت مزاحم». وتتم لهذا الحديث، قال أبو هريرة رضي الله تعالى عنه: قال «فكان إذا تفرقوا عنها ظللتها الملائكة»، أي أنهم بعدما يعذبونها. وقد جاء كذلك في قول سلمان الفارسي رضي الله تعالى عنه أنها كانت توضع تحت الشمس وتعذب، فإذا تفرقوا عنها أرسل ربنا عز وجل ملائكة تضللها. وهذا فيه تأييد من رب العالمين لعباده الصالحين، وهي كرامة يجعلها ربنا عز وجل لمن شاء من أوليائه ومن الصالحين، تأتي الملائكة فتحول بينها وبين الشمس، فيكون عليها كالظلال، لا تحس بالشمس ولا بحرارتها. وهذه الكرامة قد جاءت عند كثير من أهل الصلاح، ونعني بالكرامات الثابتة، ليست الزائفة. لأن بعض الناس لو ربما يتزايدون في باب الكرامات، فيدعيها لأصحابه ويدعيها لرفقائه وحزبه. لا، الكرامة يا عبد الله هو ما ثبت في الواقع حقًا وصدقًا. وشيخ الإسلام رحمه الله تعالى في كتابه «الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان» ذكر عدة كرامات جعلها ربنا عز وجل لبعض الصالحين عند موتهم، بل حتى بعد مماتهم. فذكر رحمه الله تعالى أن خبيبًا عندما كان أسيرًا في مكة قبل أن يقتل كان يدخل عليه الناس فيجدون عنده عنبًا يأكل منه، وما كان في مكة عنبًا. إنما من تيسير الله وهو في أسره. وهكذا ما ذكره رحمه الله تعالى عن عامر بن فهيرة عندما قتل شهيدًا، فأراد الكفار أن يأخذوا جثته فما استطاعوا، بل قال عامر بن طفيل رضي الله تعالى عنه أنه رأى الجثة قد ارتفعت من الأرض، كأن الملائكة حملتها. وهكذا أم أيمن عندما كانت مهاجرة حتى كادت أن تموت من العطش وكانت صائمة، فما أحست عند وقت الفطر إلا بصوت، فرفعت رأسها فإذا بدلو يصب عليها الماء. وهكذا كرامات عديدة وهي مبثوثة مذكورة بكرها شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في الكتاب السابق. فهذا من تأييد الله سبحانه وتعالى عباده، إظهارًا لكرامته وتأييدًا لما هم عليه. قال أبو هريرة: «فكانوا إذا تفرقوا عنها ظللتها الملائكة»، فقالت: «رب بن لي عندك بيتًا في الجنة، ونجني من فرعون وعمله، ونجني من القوم الظالمين». فَكَشَفَ لَهَا بَيْتُهَا فِي الْجَنَّةِ. أي المرأة الصالحة الصابر المحتسبة إبان تعذيبها كانت تدعو بهذا الدعاء. وتأمل يا عبد الله ما كان في هذا الدعاء من الفوائد والمواعظ العظيمة، منها أنها دعت الله سبحانه وتعالى أن يُفرِّج عنها عما هي فيه. «نجني من فرعون وعمله» الدعاء يا عبد الله من أعظم العبادات التي يتقرَّب بها العبد إلى ربه في أي مقام وفي أي مجال. حتى لو في باب النصرة على أعداء الدين، لا تستهون يا عبد الله من هذا الباب. للأسف ما نراه من المجازر والمآلم التي تقع في بلاد المسلمين على مستوى الأفراد والمجتمعات، فإذا نادى من ينادي بوجوب الدعاء أو بضرورة الدعاء لعامة المسلمين ولمن كان من المستضعفين، إذ نجد من بعض الناس إما يُصرَّح بقوله أن هذا فعل الجبناء، وأن ما عندكم إلا دعاء ودعاء، أين الإعداد؟ ولا زال يهيج الشعوب، وكأن الدعاء عندهم منزلة دنيا. هذا إذا صرَّح بلسانه، وبعضهم يُضمر هذا في قلبه. قل: إلى متى ونحن على هذا؟ الدعاء يا الله، فلان أخوانا في العراق، أخوانا في ليبيا، أخوانا يا رب، يا رب تعبنا من الدعاء، ما في شيء جدي. لا يا عبد الله، من ظن هذا الظن فبئس الظن بالله، هو الذي يظن أن دعاء بهذه المنزلة وأنه شيء من الضعف والهوى. لا يا عبد الله، بل أنت الضعيف، لو علمت ما كان عليه أهل الصلاح من الأشراف الأنبياء والرسل، ما كانوا يستنصرون الله عز وجل بمثل الدعاء. هذا نوح عليه السلام تكالبت الأمة في زمنه عليه، كان وحيدًا فريدًا، ما الذي فعل؟ قال: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾ طالب النصر من من؟ من الله عز وجل، هل في ذلك عيب؟ لا، بل استمع يا عبد الله لتمام الآية: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾. فتحت أبواب السماء، فتحت أخاديد الأرض، بما؟ بدعوة نوح عليه السلام: ﴿أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾. وهذا نبينا صلوات ربي والسلام عليه، ما كان ينتصر على الأعداء بمثل دعائه لربه، عندما في غزوة بدر وكانوا الصحابة ثلاثمائة صحابي مقابل جيش الذي خرج من مكة، وقعت في عين بدر ألف مقاتل. ما الذي فعل نبينا؟ هل اتكى على هذا العدد؟ إنما اتكى على ربه، فكان يرفع أكف الضرع إلى الله، يقول: «يا رب، وعدك الذي وعدتني، يا رب اللهم إنجز لي ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة لن تعبد في الأرض». فلا زال يلح بالدعاء حتى أن رداءه سقط من شدة ما كان يرفع يديه، سقط رداءه من وراء ظهره، حتى قام الصديق ورفع رداءه وقال: «يا رسول الله، لا يخزيك الله»، هذا الدعاء إخواني فينا هذا ليس ضعف وليس استضعاف، بل هذه عقيدة راسخة. ربنا عز وجل متى ما رأى من أهل الإيمان صدق التحري والدعاء والإخلاص والإقبال والابتهال إليه، يأتي ربنا بالنصر من عنده. نبينا عليه الصلاة والسلام عندما وقعت تلكم الواقعة، بل مجزرة بحق في زمنه، عندما قتل من القراء سبعين قارئًا في طرفة عين، سبعين من خيار الصحابة قراء حفاظ لكتاب الله، أرسلهم لدعوة الناس إلى الإسلام، فإذا بالخيانة نصبت في الطريق فقتلوا. ماذا فعل نبينا؟ دعاء، قلت: «عليهم اللهم عليك برعل، اللهم عليك بذكوان». هل هذه مهانة؟ لا يا إخواني في الله، فالدعاء إخواني في الله أمره عظيم. أتهزأ بالدعاء وتجدريه؟ وما تدري ما صنع الدعاء؟ دعاء سهام الليل لا تخطي، ولكن لها أمد وللأمد انقضاء. فإخواني في الله، فما نرى في هذه الأزمان وفي هذه الأحوال من مآسي والمجازر التي تباد فيها وتزهق أرواح المسلمين، ما لنا إلا الله سبحانه وتعالى، ندعو الله، إن كان ذلك بدعاء النوازل كان به، إن كان في دعائنا في أنفسنا في صلواتنا وفي جوف الليل، كان بذلك، كل يدعو الله عز وجل، فلربما دفع الله الكثير والكثير والكثير عن هذه الأمة بسبب دعاء الصالحين منها. فإخواني في الله، فنعم. وهذه المرأة الصالحة آسية بنت المزاحم وهي مربوطة، ومع ذلك ما يئست من رحمة الله. «نجني من فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمين». وفي هذا الدعاء كذلك الذي صدر من هذه المرأة الصالحة فيه البراءة من المشركين، ولو كان من أقرب قريب، هذا فرعون زوجها، لكن لما اختار الشرك واختار الكفر تبرأت منه. «ونجني من فرعون وعمله» وهكذا المسلم إذا ابتلي بقرابة من أهل الكفر فإنه يتبرأ منه. وهكذا المرأة، فإذا وجدت أن امرأة ما كان زوجها على كفر وعلى مظاهرة الردة، كأن يكون سبابًا للدين والرب، مستهزئًا بشرع الله، فإن الدين هنا يحتم عليها إما رابطة الدين أو رابطة النكاح، لا رابطة المقدمة، فتترك زوجها. وبهذا أفتى علماء ممن يقول بكفر تارك الصلاة، أنها من ابتليت بتارك الصلاة فإنها تنطلق عنه تطالب بالفرق والطلاق، ولا تبقى في عصمته أبدًا، لأن رابطة الدين مقدَّمة، إلا إذا كان يرجى منها أن تدعوه إلى الصلاة وإلى الدين، فهذاك أمر آخر. وهكذا إخواني في الله، في هذا الدعاء «ونجني من فرعون وعمله» فيه أن البراءة تكون على الفعل وتكون على الفاعل. كما أنك يا عبد الله تتبرأ من الشرك، تبرأ من أهل الشرك، تتبرأ من الكفر، تبرأ من أهل الكفر، تتبرأ من البدعة، تبرأ من أهل البدعة. لا كما يدعي كثير من الجماعات في هذه الأزمان، إن كان من براءة فالبراءة على الشرك وعلى الكفر وعلى البدعة، أما أهلها فبيننا الحسنى. لا يا عبد الله، بل البراءة تشمل الجميع، بل ربما وجد هذا في القرآن أن البراءة من الأشخاص مقدَّمة على البراءة من عقيدتهم. فلما «اعتزلهم وما يعبدون من دون الله» بدأ ممن؟ بدأ بالأشخاص، اعتزلهم هم، ثم اعتزل ما يعبدون، اعتزل المشركين قبل أن يعتزل الشرك. فلما «اعتزلهم وما يعبدون من دون الله» وفي قوله تعالى: ﴿إِنِّي بَرَاءٌ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ كانت البراءة من الأشخاص، ثم كانت البراءة من عملهم. وهكذا في دعاء آسيا «ونجني من فرعون وعمله» بدأت به ثم بدأت بعمله وهو الشرك، دلالة وأصالة إخواني في الله على أن البراءة وهكذا الخلوص والهجران يكون كذلك على الأفعال ويكون كذلك على الفاعلين. وفي هذه الآية استفاد العلماء أن الجار قبل الدار، ذكر ذلك ابن كثير رحمه الله تعالى، قال: وقد استدل العلماء بهذه الآية أن الجار قبل الدار، لأن من دعائها «ابني لي عندك بيتًا في الجنة» طلبت جوار الرب سبحانه وتعالى، ثم طلبت الدار، وذلك لأهمية ماذا؟ المجاورة. فأنت يا عبد الله إذا أردت أن تسكن سكنًا ما، فقبل أن تسأل عن السكن وعن حال السكن وعن رفاهيته وعن سعة بيته وعن كذا وعن كذا، اسأل يا عبد الله عن الجيران، سَل أولًا عن الجيران، فإن كان الجيران نعم الجيران هم، فما بعده أهوى وأسهل، وأما إن كان الجيران من أشأم الجيران عليك، ابتعد يا عبد الله وفر من هؤلاء كما يفر من الأسد. وفي ذلك فائدة استفادها العلماء من فوائد هذا الحديث، فوائد كثيرة جدًا. وفيه بيان كذلك لمسألة يذكرها العلماء، وهي أن ما تداوله بعض المؤرخين من أن الله عز وجل سيزوج آسيا لرسول الله يوم القيامة، هذا لم يصح فيه حديث صحيح. قد وجد هذا عند بعض المفسرين، وجد عند بعض المؤرخين أنهم يذكرون في ذكر آسية بنت مزاحم بأنها يوم القيامة سيزوجها ربنا لنبينا عليه الصلاة والسلام، ولكن ما صح حديث في هذا الباب، والأحاديث في هذا الباب كلها معلولة. فهذا إخواني في الله ما يذكر في هذا الحديث العظيم أو أثر الموقوف عن أبي هريرة. وقد ذكر العلماء كالشيخ الألباني رحمه الله تعالى أن هذا الحديث له حكم الرفع، أي كأن أبا هريرة سمعه من رسول الله عليه الصلاة والسلام في ذكر حال هذه المرأة المسلمة الصابرة المحتسبة آسية بنت مزاحم، كيف أنها عذبت في جنب الله، وما كان منها إلا الصبر والاحتساب والتضرع إلى الله، فجازاها الله نعم الجزاء، حيث أنها كانت ترى بيتها في الجنة. وهذا كذلك من أعظم ما يهون عليك البلاء يا عبد الله، أنك تستذكر ما عند الله من الأجر والثواب. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.