قصة آسية امرأة فرعون - ١

قصة آسية امرأة فرعون - ١

الدرس في قصة آسية امرأة فرعون - ١، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

عذاب فرعون لزوجته المؤمنة ودلالة الابتلاء

يروي قصة عذاب فرعون لزوجته المؤمنة، مما يدل على شدة ظلمه. يستفاد من ذلك أن الهداية بيد الله.

الهداية والابتلاء بيد الله تعالى

الهداية والابتلاء بيد الله وحده، ولا يستطيع أحد أن يهدي نفسه أو غيره. الابتلاء يميز المؤمن الصادق.

فضل آسيا بنت مزاحم وامرأة فرعون الصابرة

يُبين فضل آسيا بنت مزاحم وما لاقته من ابتلاء وصبر. الابتلاء قد يكون علامة على محبة الله للعبد.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، روى أبو يعلى في مسنده من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه قال. وهذا الحديث -إخواني في الله- أو هو أثر صح موقوفا على أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، وقد أعطاه بعض العلماء حكم الرفع؛ إذ ما سيأتي ذكره ليس من قبيل الاجتهاد، وصحح الحديث الشيخ الألباني رحمه الله تعالى في السلسلة الصحيحة. وهكذا قال ابن حجر رحمه الله تعالى: وقد صح موقوفا. قال أبو هريرة رضي الله تعالى عنه: «إن فرعون أوتد لامرأته أربعة أوتاد في يديها وفي رجليها». هذا صدر الحديث، والذي فيه إخبار عن طاغية من أعظم الطواغيت التي وجدت في الدنيا، وفي هذه المعمورة فرعون، الذي بلغ من كفره أن صرح بملء فمه بقوله: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ ادعى الربوبية وأنه الرب الذي يتحكم بالكون. هذا الرجل -كما في هذا الحديث- قال أبو هريرة: «إن فرعون أوتد لامرأته أربعة أوتاد». حديث يدلك أو أثر يدلك على قساوة هذا الرجل وعلى ظلمه وعلى جبروته، حتى إنه لم يرحم امرأته، من ألصق الناس به، ربما عاشت معه ردحا من الزمن، ومع ذلك لم يشفع ذلك كله في أن يخفف من عذابها أو أنه يعفو عنها ويتجاوز عنها، وإنما صلَّط عليها العذاب الشديد والعقاب الأليم. ما الذي فعل؟ أوتد لها أربعة أوتاد، أي جعل لها أربعة أوتاد. فهذا إما يُحمل على أنه جعل أوتادا بجانب أطرافها ثم ربطت بالحبال، أي معروضة على الأرض وعلى الهواء وعلى الشمس، وهي على هذه الحال يُصلَّط عليها العذاب، أو أنه جعل الأوتاد تُغرَز في أعضائها الأربع: وتد في الكف أو في اليد، ووتد في الآخر، ألصقها، جعل الوتد مثل المسمار يُدق على الأعضاء فألصقها بالأرض. سواء كان هذا أو ذاك، فهذا شدة في العذاب، شدة ما بعدها شدة في حق من؟ في حق امرأة، وهي من؟ وهي زوجته. هذا -إن دلَّ إخواني في الله- دلَّ على الفظاظة التي جعلها الله عز وجل في قلب هذا الرجل، طاغية الأمة فرعون، أو طاغية الذي وجد في هذا الكون. وهذا -إخواني في الله- هذا الذي ينبغي أن يُعقل عند الخلق، وهو أنه من كان لحق الله مُضيِّعا فهو لحق الناس أضيع، فمن استكبر عن دين ربه وأعرض وكفر وأشرك، تجد أن هؤلاء ما يحملون في قلوبهم إلا الحقد. ومن هنا ذكر ربنا عز وجل عندما بيَّن أن من أشد الناس عداوة ومن أشد الطوائف مضرَّة على أهل الإسلام، ذكر ربنا عز وجل المشركين وذكر اليهود. هؤلاء من أشد الناس، وإذا أردت أن تعرف ما العلَّة فيهما، انظر في كيفية علاقته مع ربهم. المشرك هو الذي بلغ الكفر الذي ليس له بعده كفر، وهو أنه جعل أوثانا وأصناما من دون الله، فضيَّع أعظم حق لله عز وجل، فهو لغير الله أضيع. ولهذا تجدهم يحملون الحقد العظيم على أهل الإسلام والمسلمين. وهكذا اليهود، من دون النصارى، النصارى عندهم شيء من التعبُّد، لكن اليهود ما عندهم تعبُّد البتة، عندهم علم لكن علمهم فاسد، بالمقابل عندهم الاحتيال على شرع الله، الطعن في ذات الرب، الازدراء لأنبياء الله، التنقص من رسالات النبوة، هذا دينهم. فلما كانوا لحق الله مضيِّعين كانوا لحقوق غيرهم أضيع. فهذا -إخواني في الله- مما يُستفاد، ويُستفاد أيضا من هذا الحديث على أن الهداية بيد الله سبحانه وتعالى، هو الهادي جل في علاء، يهدي من يشاء. انظر -يا عبد الله- إلى فرعون، ما الذي فعل بامرأته؟ فعل هذا العذاب المؤلم لماذا؟ لأنها آمنت، لأنها أسلمت. سبحان الله، من الذي أسلم امرأة فرعون؟ هذا الذي يدعي أنه الرب وأنه الذي له ملكوت السماوات والأرض، أول من كفر به أو من أوائل من كفر به امرأته. امرأته مع أنها تعيش في محك كله كفر، الذين في الإسطوان والذين في الحاشية والذين في قصره من خدمه وحشمه، كلهم يخرون للأذقان سجدا يسجدون لفرعون، وهي ترى هذه الأشياء المحسوسة الملموسة، ومع ذلك كتب ربنا لها الهداية، وقذف الإيمان في قلبها فآمنت وأسلمت. حتى نعلم -إخواني في الله- أن الهداية بيد الله سبحانه وتعالى، يهدي ربنا جل في علاء من يشاء من عباده. فربنا هو الهادي سبحانه وتعالى، فربنا هو الذي يخرج الحي من الميت. كم مرَّ معنا في هذه الأمة، فيمن رؤوس كفار قريش، بل من رؤوس أهل النفاق، من شاهروا الرسول بالعداوة والمروق والكفر والإعراض، ويأبى الله إلا أن يخرج من أصلابهم من يكون من خيرة الصحابة. أبو جهل من أكبر صناديد قريش، ومع ذلك كفره وعناده، أخرج ربنا من صلبه من يكون من خيرة الصحابة، عكرمة بن أبي جهل رضي الله تعالى عنه. رأس النفاق ابن أبي سلول، يأبى الله إلا أن يخرج من أصلابه من يكون من خيرة الصحابة، عبد الله رضي الله تعالى عنهم جميعا. وهكذا -إخواني في الله- الهداية بيد الله، ربنا يهدي من يشاء، فلا تظن -يا عبد الله- أنك تملك الهداية لأحد، حتى لنفسك أنت ما تملكها، والله حتى لنفسك أنت ما تملكها. وفي هذا -إخواني- في النصيحة لبعض الناس ممن لربما هم في هذه الدنيا يسيرون على خط معوج، على انحراف، على ضلالة، على شهوات وملذات، فإذا نُصحوا بترك هذه الرذائل، فيقول: أخي، دعني، فهي فترة فقط، فترة، أخرج ما في رأسي، وإن شاء الله -بإذن الله- أنا عازم، إذا كبر سني وكبر العيال، إيش معي في الدنيا؟ والله سأبقى في المسجد وأبقى في بيت من بيوت الله وأصحح ما كان مني. وهل أنت تعتقد -يا عبد الله- أن الهداية بيدك، بأنك في السن المعين وفي الوقت المعين ستجعل الهداية التي بيدك تجعلها في قلبك فتهتدي؟ واعلم أن الله يحول بين المرء وقلبه، واعلم أن الله يحول بين المرء وقلبه، حتى قلبك يحول الله، يجعل هناك حائلا ومانعا بينك وبين قلبك، تريد أن تهتدي فما تستطيع. يكبر بك السن وتذكِّر ذاك الوعد الذي قطعته على نفسك بأنك ستكون مهتديًا، لكن ما هذا بيدك، ما هذا لا يتملكه لا لنفسك، فضلا أن يكون هذا لغيرك تهدي الأقارب والأصحاب والأحباب. الهداية بيد الله -يا عبد الله-. وهكذا في هذا الحديث، وفي هذا المقطع من الحديث، فيه بيان على أن الابتلاء سنة، الابتلاء سنة قابله الله عز وجل لعباده الصالحين. أَلَمْ يُرَ أَنَّ اللَّهَ قَالَ: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾. هذه امرأة مسلمة، التي أسلمت وآمنت بشريعة موسى، امرأة فرعون، ومع ذلك كان من تبعات إسلامها أن صلَّط الله عليها هذا العذاب، ابتلاء من الله عز وجل. فالابتلاء سنة كونية، قضاء الله قضاءه الله على عباده، لا مبدل لحكمه، ولا مغير لسنته الكونية التي قضاها سبحانه وتعالى. والأدلة كثيرة وكثيرة جدا تدل على ذلك. قال عليه الصلاة والسلام: «أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلَى الرجل على قدر دينه، فإن كان في دينه رقة ابتلي على قدر دينه، وإن كان في دينه صلبة اشتد بلاؤه». فالبلاء واقع، لكن حنانيك، كل بلاء على قدر الإيمان الذي وقر في صدرك. وقد يكون البلاء يختلف من جهة إلى جهة، قد يكون البلاء بالضرب، قد يكون بالقتل، قد يكون بالحبس، قد يكون بالتنكيل، قد يكون بالتعذيب، قد يكون بمجاعة، قد يكون بنزوح، قد يكون بأعداء، بخصوم، ابتلاء الله عز وجل، قد يكون بفقر، قد يكون بضيق، بشدة، بحرج، بآفات، بأمراض، بمعاناة، بمؤاساة، كل ذلك بيد الله عز وجل يبتلي ربنا العباد. الحكمة أن يظهر ربنا عز وجل المؤمن الصادق في إيمانه، وذاك المدعي، الناس في هذه المجتمعات -إخواني في الله- الكل يدعي أنه مؤمن وأنه محب لربه وأنه معظم لشريعته، لكن كيف نعرف؟ وكيف التعرف؟ وكيف التميز؟ بالبلاء، إذا أنزل ربنا عز وجل البلاء والابتلاء على عباده، حينها يميز الله بين الصفوف، يميز الله بين الصفوف، ويمحص الله ما بين القلوب. ورحمة الله على ابن القيم في تلك العبارة الشهيرة عندما يذكر فيها فئات، يذكر فيها فئات من الناس حول هذه السنة، قال: «يا مخنث العزم، أين أنت وهذه الطريق؟ طريق تعب فيها آدم، وناح لأجلها نوح، وسار مع الوحش عيسى، وقاس الضر أيوب، وبيع يوسف بثمن بخس، وقاس أنواع الأذى محمد صلى الله عليه وسلم». في معنى كلامه -رحمه الله تعالى-. فهكذا -إخواني في الله- فهذه القصة تبين لك على أن من عباد الله الصالحين من يسلط ربنا عليهم الأذى والنكال. وأيضا -إخواني في الله- فيه فائدة على أن هذا الأذى والنكال ينبغي أن يجاب بالصبر، يجاب بالصبر، اصبر واحتسب -يا عبد الله- فإن ذلك منزلة ما بلغها إلا الخلص من عباد الله. إياك أن تتصبر، إياك أن تجزع، إياك أن تهلع، إياك أن تغير. من المؤمنين رجال، رجال صدقوا الله، صدقوا ما عاهدوا عليه الله، فمنهم من قضى نحبه، ومنهم من ينتظر، وما بدلوا تبديلا. لا تغير ولا تبدل، كحال بعض الناس، سرعان ما إذا وقع البلاء عليه غير في دينه، لو ربما انحرف، لو ربما كفر، لو ربما ترك الكثير من دين الله، عسى وعسى أن يتخلص من هذا البلاء، وله مخلص وله مخرج منها، لكنها العجلة. فهذه المرأة الصالحة، كفأ آمنت وأسلمت، لما نزل عليها البلاء، لربما كان بالإمكان أن تغير رأيها، لكن آثرت الصبر، آثرت الصبر. ولهذا عندما جاء خباب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبره بخبر ما فعله أهل قريش من الإيذاء، حتى قال: «يا رسول الله، ألا تدعو الله لنا؟ ألا تستنصر الله لنا؟». فقال نبينا وحدثه وأخبره بأحوال من قد مضى من أهل الصلاح: «أن الواحد منهم لربما مشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه، وآخر لربما وضع في حفرة ويؤتى له بمنشار من حديد فيفرق قسمين، ولا يصده ذلك عن دين الله». هذا البرهان لا يصده ذلك عن دين الله. فكونك -يا عبد الله- تصبر وتحتسب، فهذا ليس كما يقال هروب من الواقع، بل هذا مما أمر الله سبحانه وتعالى به، وكما فعلت هذه المرأة الصالحة. وختاما -إخواني في الله- في هذا الحديث بيان لصلاح هذه المرأة، وهي امرأة فرعون، والذي جاء اسمها في بعض الروايات الصحيحة بأن اسمها آسيا بنت مزاحم. آسيا بنت مزاحم امرأة فرعون، فقد جاء في حقها الفضائل الكثيرة، منها ما جاء في الصحيحين، قال عليه الصلاة والسلام من حديث أبي موسى: «كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا ...» وذكر عليه الصلاة والسلام خديجة، وذكر آسيا بنت مزاحم، وقال: «وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام». وجاء كذلك عند الترمذي من حديث أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «حسبك من النساء أربع: خديجة بنت خويلد، ومريم ابنة عمران، وآسيا بنت مزاحم، وفاطمة بنت محمد» رضي الله تعالى عنها. وفي رواية عند الترمذي قال عليه الصلاة والسلام: «خير النساء أربع» فذكرهن: «فاطمة بنت محمد، وآسيا امرأة فرعون بنت مزاحم، وخديجة بنت خويلد»، وهكذا ذكر عليه الصلاة والسلام مريم ابنة عمران. وجاء كذلك في مسند الإمام أحمد من حديث ابن عباس: أن رسول الله خط خطوطا أربعة، فقال: «أتدرون ما هذا؟» فقلنا: الله ورسوله أعلم، قال عليه الصلاة والسلام: «أفضل نساء الجنة أربع» ثم عددهن: «فاطمة بنت محمد، وآسيا بنت مزاحم، وخديجة بنت خويلد، ومريم ابنة عمران». فهذه فضائل عظيم -إخواني في الله- في حق هذه المرأة. وبه نستفيد أنه لا ملازمة بين تصليط العذاب على أحد من عباد الله، وأن هذا باعتباره أن الله جعله في دار هوان، هذا ليس شرطا، بل هذا -بل- آسيا من خيرة عباد الله من الإناث، ومع ذلك أتلاها الله بما ابتليت به، أن جعل الأوتاد على يديها وعلى رجليها، وعذبت حتى فارقت الحياة، وعلى هذا الحال. هل هذا مذلة؟ هل هذا هوان؟ لا. فكون أن الله عز وجل ربما يبتلي بعض العباد بما يبتليهم من القتل والتنكيل والتعذيب والأذى، إن هذا -إخواني في الله- لربما يخرج بمخرج على أن الله أحب هؤلاء، وأن الله عز وجل عجل لهم بشة الدنيا، فجعلهم من الشهداء، وتقبلهم ربنا عز وجل في عباده ممن يمن عليهم بالرحمة. وقد جاء في السنن، قال عليه الصلاة والسلام: «إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قوما ابتلاهم». فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فعليه السخط. قال أبو هريرة رضي الله تعالى عنه: «إن فرعون أوتد لامرأته أربعة أوتاد في يديها وفي رجليها، وكانوا إذا انصرف عنها ظللتها الملائكة». وسئل تتمة الحديث حول كرامة من كرامات الله جعلها ربنا لهذه المرأة الصالحة، بأن أرسل إليها الملائكة. وسئل معنى ذلك في درس غد بإذن الله، ما يكون من حسن الثواب الذي أعطاه الله لهذه المرأة الصابرة المحتسبة. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.