الدرس في شرح كتاب الصلاة 34، ألقاها
تجب صلاة الجمعة على المسلم البالغ العاقل الحر الذكر المقيم، ويستثنى منها الكافر والأنثى والصغير والمجنون والعبد والمريض والمسافر. هذه الشروط تحدد من يجب عليه أداء صلاة الجمعة.
تصح صلاة الجمعة للمعذورين وتجزئ عن صلاة الظهر، ووقتها هو وقت صلاة الظهر من بعد زوال الشمس. هناك خلاف حول أدائها في وقت صلاة العيد.
صلاة الجمعة ركعتان بعد الخطبتين، والخطبة ركن أساسي يميز صلاة الجمعة. الخطبتان يجب أن تسبقا الصلاة وتكونا جزءًا من صلاة الجمعة.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، وقفنا عند ذكر المؤلف - والله - لمسألة: على من تجب الجمعة؟ وعرفنا أنها تجب على كل مسلم بالغ عاقل حر ذكر قادر على إتيانها مقيم. نعم، وقلنا: خرج بالمسلم الكافر، وبالذكر الأنثى، وبالحر العبد المملوك. والقول الوسط في العبد المملوك أنه إن أذن له السيد وجبت عليه، وإن لم يأذن له لم تجب. وهكذا أيضا البالغ يخرج به الصغير، والعاقل يخرج به المجنون، والقادر يخرج به العاجز لمرض، فهذا لا تجب عليه الجمعة. وأيضا يلحق به من كان يحتاج له لتمريض أو لجلوس عند المريض، بعض المرضى يعني يحتاج لمرافق يكون بجانبه لا يفارقه، فمثل هذا قد يترخص بترك الجمعة، ويعذر بتركها؛ لأنه ربما إذا ذهب أن يحصل لهذا المريض ضرر، فمثل هذا يبقى عنده ويعذر بالتخلف عن الجمعة إذا لم يمكن الاستغناء عنه. أما إذا أمكن الاستغناء عنه فإنه يذهب إلى الجمعة. وكذلك أيضا أن يكون مقيمًا، قلنا: الإقامة لابد أن تكون ببناء، فيخرج بذلك البدو الرحل الذين يرحلون من مكان إلى مكان تبعًا للمياه، فهؤلاء لا تجب عليهم الجمعة. أما إذا استوطنوا في مكان، وإن كانوا هم رعاة للغنم مثلا، لكن اتخذوا مكانًا وبنوا بناء واستوطنوا فيه، فهنا تجب عليهم الجمعة. قال: «فلا تجب على عبد مملوك أو امرأة أو صبي أو مجنون أو مريض أو مسافر»، لقوله صلى الله عليه وسلم: «الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة إلا أربعة: عبد مملوك أو امرأة أو صبي أو مريض». الحديث أخرجه أبو داود، وصححه العلامة الألباني رحمه الله من حديث طارق بن شهاب. قالوا: أما المسافر فلا تلزمه الجمعة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يصليها في أسفاره، وقد وافق يوم عرفة في حجته جمعة، ومع ذلك صلاها ظهرًا وجمع العصر معها، كما في صفة حجة النبي عليه الصلاة والسلام. وصلاها ظهرًا وجمع العصر معه ولم يصل جمعة. ومعنى ذلك: إذا كان الإنسان مسافرًا معه جماعة، طيب في يوم جمعة جاء وقت الظهر ما ينزل، يعني ينزلون في مكان ويخطب بهم أحدهم ويصلون جمعة، لا، هذا ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم. إذا أنتم في سفر في يوم الجمعة فإنكم تصلون ظهرًا، إلا إذا حضرتم مسجدًا تقام فيه الجمعة فيجوز حينئذ حضور صلاة الجمعة. قال: أما المسافر الذي ينزل بلدًا تقام فيه الجمعة فإنه يصليها مع المسلمين إذا نزلت في منزل - يعني في أثناء السفر - أو مثلا نزلت يوم الخميس في بلد يوم الجمعة أنت موجود تقام الجمعة وهنا تشهدها، لا، بقى تصلي مع الناس جمعة. أما أن تقيم أنت مع من معك من المسافرين فلا. والصحابة الذين كانوا يأتون إلى النبي عليه الصلاة والسلام ويفدون عليه فكانوا يجلسون إلى يوم الجمعة ولم يروى عنهم أنهم يتخلفون عن الجمعة، بل كانوا يشهدونها، بل كانوا يشهدونها مع النبي عليه الصلاة والسلام. قال: وإذا حضرها العبد أو المرأة أو الصبي أو المريض أو المسافر صحت منه وأجزأته عن صلاة الظهر. يعني من كان معذورًا في ترك الجمعة فإذا شهدها وحضرها - المسافر لا تجب عليه جمعة، المريض لا تجب عليه، المرأة لا تجب عليها، وكذلك الصبي والعبد - فإذا حضروا هؤلاء الجمعة هل تصح منهم وتجزئهم عن صلاة الظهر؟ الجواب: نعم، تجزئهم عن صلاة الظهر. فيتحمل المريض مثلا ويخرج قال: أنا سأشهد الجمعة ما سأصلي في البيت، وجاء وحضر تجزئه صلاة الجمعة عن الظهر. ومثل المرأة مثلا إذا كان هناك مسجد النساء فقال: سأصلي الجمعة مع الناس في المسجد وحضرت يجزئها ذلك وإن كانت جمعة لا تجب عليها. قال: المسألة الثالثة: وقتها. قال: وقت الجمعة هو وقت الظهر، من بعد الزوال إلى أن يصير ظل الشيء كطوله. من أول أن تزول الشمس فيدخل وقت الظهر، هو وقت صلاة الجمعة من بعد الزوال إلى أن يصير ظل الشيء كطوله. قال: لحديث أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم «كان يصلي الجمعة حين تميل الشمس»، تميل يعني من جهة المشرق إلى جهة الغروب، بعد أن تصل إلى كبد السماء وتميل إلى جهة الغروب هنا كان يصلي الجمعة، وهو وقت صلاة الظهر. وهو الحديث البخاري. وفي حديث سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال: «كنا نصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الجمعة إذا زالت الشمس، ثم نرجع فنتبع الفيء» يعني الظل. قال: وهو المروي عن أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام من فعلهم، يعني أنهم كانوا يصلون الجمعة إذا زالت الشمس. قال الشافعي رحمه الله: صلى النبي صلى الله عليه وسلم، أبو بكر وعمر وعثمان والأئمة بعدهم بعد الزوال، وهذا قول جمهور التابعين أن الجمعة تصلى بعد زوال الشمس. هنا قول آخر، وهو قول الحنابلة: إلى أنها تصلى الجمعة في وقت صلاة العيد، تصلى في وقت صلاة العيد يعني بعد ارتفاع الشمس قدر الرمح وزيادة على ذلك، يعني في أول النهار، كما تصلى صلاة الأضحى وصلاة الفطر بعد طلوع الشمس بقدر الساعة أو نحو ذلك، فيرون أنها تصلى الجمعة في هذا الوقت. ويستدلون بأثر عن ابن الزبير أنه شهد الجمعة مع أبي بكر أنه صلاها في نصف النهار. نعم، وهكذا أيضا مع عمر وأنه يقول: إذا انتصف النهار أو قد انتصف النهار. وعثمان كذلك. وهذا الأثر رواه الدارقطني وأحمد. وهذا الراوي الذي روى هذا الأثر غير معروف بالعدالة، طيب فلا يصح هذا الأثر. نعم، وإن صح عن بعض السلف أنه فعل ذلك، فبعض العلماء يعني يرى جواز ذلك أن تصلى قبل الزوال، لكن الأصح - والله أعلم - أنها تصلى بعد الزوال لفعل النبي صلى الله عليه وسلم، فهذا صريح في أنه كان يصليها بعد الزوال. قال: وعلى هذا من أدرك ركعة منها قبل خروج وقتها فقد أدركها، وإلا صلاها ظهرًا، لقوله صلى الله عليه وسلم: «من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة». وقد تقدم: من أدرك ركعة منها قبل خروج وقتها. ومتى يخرج وقتها؟ بدخول وقت العصر؛ لأن وقتها بعد الزوال، ووقتها ووقت صلاة الظهر، فإذا تنتهي بانتهاء وقت صلاة الظهر. فمن فاتته الركعتين في وقتها وخرج الوقت ولم يدرك منها ركعة فهنا لم يدرك الصلاة، يعني لم يدرك وقت الجمعة. ومن صلى خلف الإمام في صلاة الجمعة وأدرك معه ركعة فإنه يأتي بركعة أخرى ويصليها جمعة. وأما إن فاتته ركعتين إذا فتته الركعتين فإنه يصلي ظهرًا. قال: المسألة الرابعة: الخطبة. قال: الخطبة ركن من أركان الجمعة، لا تصح إلا بها؛ لمواظبته عليها وعدم تركها لها أبدًا، وهما خطبتان. يشترط لصحة صلاة الجمعة أن يتقدم على الصلاة الخطبة، ركن من أركان الجمعة لا تصح الجمعة إلا بالخطبة. إذا أراد الناس يصلوا جمعة من غير خطبة لا تصح الجمعة، لابد من خطبة. فالله عز وجل يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾، أمر بالسعي والذهاب إلى المسجد لحضور الجمعة وسماع الخطبة المحتملة على ذكر الله، فهذا الأمر يدل على وجوب الخطبة. والنبي صلى الله عليه وسلم نهى عن أن يقول الشخص لصاحبه والإمام يخطب: «أنصت»، إذا قال له ذلك فقد لغى، فإذا كان الاستماع للخطبة واجب دل هذا على أن الخطبة واجبة. وكذلك أيضا السعي إلى ذكر الله إذا كان هذا السعي واجب؛ لأن الله أمر به: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾، فإذا كان هذا السعي واجب فما سعي إليه وهو واجب، وما سعي إليه وهو ذكر الله وهي الخطبة، إذن الخطبة واجبة. والنبي صلى الله عليه وسلم واظب عليها ولم يتركها، لم يأت أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى جمعة من غير خطبة أبدًا، فدل هذا على أنها ركن من أركانها لا تصح إلا بها. وأيضا يشترط أن تكون خطبتان، لابد من خطبتين بفعل النبي عليه الصلاة والسلام، في حديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب خطبتين، فصل بينهما بجلوس. سيأتي معنا في الكلام على سنن الخطبة لابد من خطبتين. ويشترط أيضا لصحة صلاة الجمعة أن تتقدم الخطبتان قبل الجمعة، أن تكون الخطبتان قبل الجمعة ثم الصلاة بعدها، هذا لفعل النبي عليه الصلاة والسلام ومواظبته على ذلك. ولو لم تتقدم الخطبة لكانت كسائر الصلوات، لكن الجمعة امتازت عن غيرها من الصلوات بتقدم الخطبة قبلها. طيب نكتفي بهذا القدر إلى هنا، صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.