الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 387، ألقاها
يشرح المقطع بابين من كتاب الأدب المفرد للإمام البخاري حول جواز إدلاء الرجلين عند الجلوس وما يقوله الشخص عند الخروج لحاجته. ذكر الأحاديث النبوية والآثار التي تدل على ذلك يشكل محور هذا الفصل.
يفصل هذا الفصل أدعية النبي صلى الله عليه وسلم عند الخروج من المنزل مثل "اللهم إني أعوذ بك أن أزل أو أظل" و"بسم الله، توكلت على الله". الدعاء يشمل طلب السلامة للنفس وسلامة الناس من الأذى.
يشرح هذا الفصل حديث الخروج من البيت "بسم الله، توكلت على الله" ومعناه، ويبين أن هذا الذكر يحصن قائلها من الشيطان. الحديث ضعيف السند لكن له شاهد صحيح عند أبي داود وغيره.
يناقش هذا الفصل أهمية قول الأدعية المأثورة عند الخروج من المنزل مثل "بسم الله، توكلت على الله". كان النبي عليه الصلاة والسلام يحافظ على قول هذه الأدعية عند الخروج من بيته.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله في كتابه الأدب المفرد، باب هل يدلي رجليه إذا جلس. قال: حدثنا إسماعيل، قال: حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، قال: شهد عندي أبو سلمة بن عبد الرحمن، أخبره عبد الرحمن بن نافع بن عبد الحارث الخزاعي أن أبا موسى الأشعري أخبره أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في حائط على قف البئر، مدليا رجليه في البئر. هذا الباب ترجمه رحمه الله بقوله: هل يدلي رجليه إذا جلس، يعني إذا جلس الإنسان في مجلس على سرير أو على بئر أو غيره، هل يدلي رجليه، يعني يجعل رجليه متدلية، هل له أن يفعل ذلك؟ ذكر في هذا الباب ما يدل على ذلك. وقد ذكر نحو هذا الباب في كل الأبواب التي قد مضت، لكن بشيء من التخصيص، وهو هل يدلي رجليه في البئر إذا جلس على حافة البئر؟ ففيه يعني تقييد هذه الجلسة وهذا الإدلاء إذا جلس على البئر، وهنا أطلق هل يدلي رجليه إذا جلس، فيشمل على البئر وغيره. ففي هذا التبويب عموم، والتبويب الذي تقدم فيه شيء من الخصوص. ذكر فيه نفس الدليل الذي ذكره في ذلك الباب، حيث بموسى ذكره هناك مطولا وذكره هنا مختصرا، ليستدل به على ما أراد الاستدلال به من جواز ذلك. ذكر حديثا بموسى أن النبي عليه الصلاة والسلام كان في حائط على قف البئر، أي حافة البئر، مدليا رجليه في البئر. فالنبي عليه الصلاة والسلام جلس في حافة البئر ودل برجليه، ثم جاء أبو بكر رضي الله عنه وفعل مثله، ثم جاء عمر وفعل مثله. فدل هذا على جواز مثل هذه الجلسة إذا جلس إنسان على سرير أو على حافة بئر أو غيرها من الأماكن، جاز له أن يدلي برجليه. قال: باب ما يقول إذا خرج لحاجته. قال: حدثنا محمد، قال: أخبرنا عبد الله، قال: أخبرنا محمد بن إبراهيم، قال: حدثني مسلم بن أبي مريم أن ابن عمر كان إذا خرج من بيته قال: «اللهم سلمني وسلم مني». هذا الباب ما يقول إذا خرج لحاجته، يعني إذا خرج إنسان لحاجته، خرج من بيته أو من مسكنه الذي يسكن فيه، خرج لحاجة لشيء من حاجاته التي يحتاجها، سواء كانت حاجة دينية أو حاجة دنيوية. قد يخرج لأجل شراء شيء من السوق، أو يخرج للذهاب إلى المسجد للصلاة أو لحضور مجلس علم أو ذلك من الحاجات، فماذا يقول إذا خرج؟ ذكر أثرا لابن عمر أنه كان إذا خرج من بيته قال: «اللهم سلمني وسلم مني»، اللهم سلمني وسلم مني، هذا دعاء فيه دعاء الله عز وجل بطلب السلامة، السلامة له، بمعنى أنه لا يؤذيه أحد، ولا يظلمه أحد، ولا يعتدي عليه أحد لا في ماله ولا في عرضه ولا في دمه. اللهم سلمني، وهكذا أيضا ألا يؤذيه الشيطان، لأن الشيطان يتربص لابن آدم، والنبي عليه الصلاة والسلام في حديث أبي سعيد في السنن، سنن أبي داود وغيره، أنه عليه الصلاة والسلام قال: إذا خرج الإنسان من بيته... الحديث. إذن الشيطان يتربص الإنسان، يتربص له ويقصده، فلذلك أنت عندما تأتي بالدعاء عند الخروج من منزلك ومسكنك، تسأل الله جل وعلا أن يسلِّمك من كل شر، سواء كان من الإنس أو من الجن والشياطين. وسلم مني، يعني سلِّم الناس مني، فلا أوذيهم ولا أظلمهم ولا أعتدي عليهم، فهذا فيه سؤال السلامة لك أن تسلم من أذية غيرك، وأن يسلم الناس من أذيتك. وهذا الأثر ضعيف، ضعيف الإسناد، فمحمد بن إبراهيم بن عبد الرحمن مجهول. لكن يدل على معناه مما صح عن النبي عليه الصلاة والسلام، ما جاء عند أبي داود وغيره من حديث أم سلمة رضي الله عنها أن النبي عليه الصلاة والسلام كان إذا خرج من منزله قال: «اللهم إني أعوذ بك أن أزل أو أظل أو أضل أو أظلم أو أجهل أو يجهل علي». هذا فيه دعاء بهذا المعنى، السلام لنفسك وسلامة الناس منك. اللهم إني أعوذ بك أن أزل، يعني عن الحق والهدى، الصراط المستقيم، أو أظل، يعني أكون سبب في ضلاله وانحرافه وبعدي عن الحق والهدى، أو أظلم، أي غيري، سواء في مال أو عرض أو دم، أو أظلم، أي يظلمني غيري. فهذا فيه معنى هذا الأثر. وهذا الصحيح من حديث أم سلمة، الصحيح هو صحيح، فكان هذا من هدي النبي صلى الله عليه وسلم إذا خرج من منزله أن يقول هذا الدعاء: «اللهم إني أعوذ بك أن أزل أو أظل أو أضل أو أظلم أو أجهل أو يجهل علي». أجهل يعني أصيب بجهل وسفه وخطأ من سب أو شتم أو نحو ذلك، أو يجهل علي أحد من الناس بسب أو شتم أو تعيير أو غير ذلك من معاني الجهل. قال: وحدثنا محمد بن الصلت أبو يعلى، قال: حدثنا حاتم بن إسماعيل، عن عبد الله بن حسين بن عطاء، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «بسم الله، لا حول ولا قوة إلا بالله». هذا حديث أبي هريرة أن نبي صلى الله عليه وسلم كان إذا خرج من بيته قال: «بسم الله، توكلت على الله، لا حول ولا قوة إلا بالله». بسم الله يعني مستعينا، بسم الله، الجار المجرور هنا متعلق بمحذوف يكون على حسب الحال. فإن كنت في حال كتابة بسم الله أكتب، وإن كنت في حال قراءة بسم الله أقرأ، وإن كنت في حال خروج بسم الله أخرج، وإن كنت في حال دخول بسم الله أدخل، وهكذا. وهنا يكون التقدير بسم الله أخرج، لأنك تقول عند الخروج من البيت، فتقول بسم الله، أي مستعينا بالله في خروجي. توكلت على الله، أي متوكلا على الله، ومعتمد على الله جل وعلا. والتوكل صدق الاعتماد على الله جل وعلا في جلب المنافع ودفع المضار مع الأخذ بالأسباب الشرعية. فأنت تتوكل على الله في خروجك وتعتمد على الله سبحانه وتعالى. ولا حول ولا قوة إلا بالله، لا حول يعني لا تحول لي من حال إلى حال، ولا قوة لي في ذلك التحول إلا بالله. فلولا أن الله عز وجل أعانني على ذلك وقواني لما استطعت أن أتحول وأن أخرج من بيت إلى حاجتي إلا بحول الله وقوته. فلا حول ولا قوة إلا بالله، لا تحول لك ولا قوة لك في ذلك إلا بالله، إلا معينك الله، وإلا مقويك الله، ما استطعت أن تتحول من حال إلى حال ومن مكان إلى آخر. هذا الحديث بهذا السند فيه ضعف، فعبد الله بن حسين بن عطاء ضعيف. لكن الحديث معناه صحيح، ويشهد له ما صح عند أبي داود وغيره من حديث أنس أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «من قال إذا خرج من بيته: بسم الله، توكلت على الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، يقال له: هديت وكفيت ووقيت، وتنحى عنك الشيطان». وفي رواية عند الترمذي: «وقال الشيطان لآخر: كيف بك برجل قد هدي وكفي ووقي؟». هذا الحديث صحيح، وهو شاهد لهذا الحديث. من خرج من بيته فقال: بسم الله، توكلت على الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، فيه معنى ما ذكر في هذا الحديث. بسم الله، توكلت على الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، نفس اللفظ إلا في قوله توكلت على الله، وفي حديث أنس: توكلت على الله، يقال له: هديت وكفيت ووقيت، وتنحى عنك الشيطان. هديت، أي هداك الله الهداية والاستقامة والسداد. وكفيت، أي كنت في كفاية الله، وكفاك الله ما أردت، كفاك الله عز وجل ما أردت ويسر لك ما أردت. ووقيت، أي وقاك الله جل وعلا شر ما تحذره، وأبعد عنك ما تبتعد عنه وتحذر منه. وقاك الله عز وجل الشرور والمصائب. وتنحى عنك الشيطان، ابتعد، صار في حصن ومأمن من الشيطان. في الرواية الأخرى يقول الشيطان لآخر من الشياطين: كيف بك برجل قد هدي وكفي ووقي؟ أي كيف تستطيع أن تضره أو أن تصيبه بسوء أو أن توسوس له أو أن تزين له الباطل، وهو في هداية وكفاية ووقاية من الله جل وعلا؟ فهذا ذكر مبارك ينبغي للمسلم أن يحرص على أن يقوله إذا خرج من منزله ومن بيته: بسم الله، توكلت على الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله. وأيضا حديث أم سلمة المذكور سابقا، كذلك تحرص على أن تقوله، فهذا كان من هديه عليه الصلاة والسلام إذا خرج من بيته أن يقول هذه الأدعية. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.