الدرس في التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 92، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
التشبه بالسابقين الأولين يلزم الإنسان بهم، وقد أكد العلماء على أهمية التكلم بالعربية وتجنب غيرها لغير حاجة. مشابهة السابقين الأولين في أقوالهم وأفعالهم تعتبر من الأمور الهامة.
أهل أصبهان وفارس لهم فضل كبير في الإسلام، حيث اشتهروا بالخير والاجتهاد والعلم. يُثنى عليهم لكونهم أئمة السنة وعلماء الحديث، وقد ورد حديث نبوي يشير إلى تناولهم الدين إذا علق بالثريا.
التواضع وعدم الفخر على الآخرين أمران مهمان في الإسلام. الفضل الحقيقي يأتي بتقوى الله وليس بالانتساب إلى قبيلة أو جنس معين، والعبرة الحقيقية في الإسلام هي بالتقوى والعمل الصالح.
يجب تقييد تفضيل العرب على العجم أو اتباع السابقين الأولين بضوابط شرعية، دون شهوة خفية أو دفاع عن النفس. التفضيل أو الاتباع يجب أن يكون بناءً على اعتبارات شرعية وليس تحيزًا شخصيًا.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. ما بعد، ذكر الشيخ -السلام رحمه الله- أن التشبه من العرب بالعجم أو من تشبه من العرب بالعجم يلحق بهم، ومن تشبه من العجم بالعرب أيضا لحق بهم، فإن كان من أهل إيمان فهو يلحق بها الإيمان، وأما إن كان من أهل الكفر فهو يلحق بها الكفر. ولهذا ذكر الله النبي عليه الصلاة والسلام سلمان الفارسي وأثنى عليه ثناء عظيما، قال: «لو كان الدين بالثريا لناله رجال من أهل فارس». قال رحمه الله: وسنذكر إن شاء الله تعالى بعض ما قاله العلماء من الأمر بالخطاب العربي، كراهة مداومة غيره لغير حاجة. أنا بالتكلم بالعربي هو الأصل، وأما غيره فلا يتكلم إلا إذا كان لحاجة. قالوا: اللسان تقارنه أمور أخرى من العلوم والأخلاق، أن الإنسان عندما يتكلم بلغة قوم غالبا يتخلق بأخلاقهم ويأخذ من علومهم. قال: فإن العادات لها تأثير عظيم فيما يحبه الله أو فيما يكرهه، فلهذا أيضا جاءت الشريعة بلزوم عادات السابقين الأولين في أقوالهم وأعمالهم، وكراهة الخروج عنها إلى غيرها من غير حاجة. وذكرنا هذا في قول العزيز جل ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾، فمن تبعهم بإحسان فهو ممن أثنى الله عز وجل عليه ورضي بطريقتهم، وأما من خالف وأيضا ابتعد عن هذه الطريق فهو ممن لم يرض الله عز وجل عنه. قال: فحاصله أن النهي عن التشبه بهم لما يفضي إليه من فوت الفضائل التي جعلها الله تعالى للسابقين الأولين، أو حصول النقائص التي كانت في غيرهم. ولهذا لما علم المؤمنون من أبناء فارس وغيرهم هذا الأمر، أخذ من وفقه الله منهم نفسه بالاجتهاد في تحقيق مشابهة بالسابقين، يريد أن يأتي بمنزلة هؤلاء السابقين. قال: فصار أولئك من أفضل التابعين لهم بإحسان إلى يوم القيامة، وصار كثير منهم أئمة لكثير من غيرهم. وكانوا يفضلون من الفرس من رأوه أقرب إلى متابعة السابقين، حتى قال الأصمعي فيما رواه عنه أبو الطاهر السلف في كتاب فضل الفرس: «عجم أصبهان قريش العجم»، أنا مثل قريش في العرب، فعجم أصبهان قريش فيهم مثل قريش في العرب لأنهم مجتهدون في الخير. قالوا: رواه أيضا السلفي عن أبي الطاهر السلفي، له كتاب سماه فضل الفرس. وروي بإسناد معروف عن عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون، عن وسامة بن زيد الليثي -وليس ابن أسلم، وليس به بأس- عن سعيد بن مسيب، قال: «لو أني لم أكن من قريش، أحببت أن أكون من فارس، ثم أحببت أن أكون من أصبهان». ورواه بإسناد آخر عن سعيد بن مسيب، قال: «لولا أني رجل من قريش، لتمنيت أن أكون من أهل أصبهان». فأصبهان انتشر فيهم الخير والاجتهاد والعلم. لقول النبي عليه الصلاة والسلام عن سعيد بن سيم -وهو تابعي- معناها هذا الحديث مرسل، يقول سعيد: «لولا أني رجل من قريش، لتمنيت أن أكون من أهل أصبهان»، لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «لو كان الدين معلقا بالثريا، لتناوله ناس من أبناء العجم، أسعد الناس بها فارس وأصبهان». والحديث فيه صحيح مسلم، لكن بدون ذكر أصبهان، وإنما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لو كان الدين بالثريا، لناله رجال من أهل فارس». وجاء في رواية أنه أشار إلى سلمان، قال: «لأو لناله رجال من هؤلاء وأشار إلى سلمان». وكان سلمان الفارسي من أهل أصبهان. وكذلك عكرمة مولى بن عباس، ولكن عكرمة من البربر، والبربر يقال أنهم من سكان أصبهان، لكنهم تحولوا إلى المغرب العربي، لأن كانوا في الشرق في أصبهان وما حولها، لكن تحولوا بعد ذلك إلى المغرب العربي، في قرب الجزائر. كان أئمة السنة علما وفقهاء، والعارفون بالحديث وسائر أمور الإسلام المحط فيهم أكثر من غيرهم، في أهل أصبهان خاصة. حتى إنه قيل: إن قضاتهم كانوا من فقهاء الحديث، مثل صالح بن أحمد بن حنبل، ومثل أبي بكر بن أبي عاصم، ومن بعدهم. وألف الإمام أبو نعيم الأصبهاني كتابا سماه فضائل أصبهان، وأيضا ألف كتابا سماه تاريخ أصبهان. وكذلك كل مكان أو شخص من أهل فارس يمدح المدح الحقيقي، إنما يمدح لمشابهته السابقين، حتى يختلف في فضل شخص على شخص، أو قول على قول، أو فعل على فعل، لأجل اعتقاد كل من المختلفين أن هذا أقرب إلى طريق السابقين الأولين. فإن الأمة مجمعة على هذه القاعدة، أن أهل السنة وأمة الإسلام مجمعون على أن أعظم قدوة بعد النبي عليه الصلاة والسلام هم السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، ورضي الله عز وجل عن طريقتهم بنص القرآن، فمن خالف طريقتهم فهو مخالف للإسلام. فالآن الشيعة مثلا الرافضة ينتقدون أبا بكر وعمر، بل يذمونهما، بل بعضهم يسب هؤلاء، لا خير فيهم، ولا أيضا لهم نصيب من الإسلام لأنهم تركوا طريق الإسلام. وإنما يتم الكلام بأمرين، أحدهما أن الذي يجب على المسلم إذا نظر في الفضائل أو تكلم فيه أن يسلك سبيل العاقل الدين، الذي غرضه أن يعرف الخير ويتحراه جهده، ليس غرضه الفخر على أحد، ولا الغمز من أحد. قال: وروى مسلم في صحيحه عن عياذ بن حمار المجاشعي -وهو في عداد أهل البصرة- قال: رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إنه أوحي إلي أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد، ولا يبغي أحد على أحد». قال: فنهى الله سبحانه على لسان رسوله عن نوع الاستطال على الخلق، وهي الفخر والبغي، لأن المستطيل إن استطال بحق فقد افتخر، وإن كان بغير حق فقد بغى، فلا يحل لا هذا ولا هذا. فإن كان الرجل من الطائفة الفاضلة، مثل أن يذكر فضل بني هاشم أو قريش أو العرب أو بعضهم، فلا يكون حظه استشعار فضل نفسه، والنظر إلى ذلك، فإنه مخطئ في هذا، لأن فضل الجنس لا يستلزم فضل الشخص كما قدمناه. وهذا تنبيه من شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، لما نقول: فضل الجنس، جنس العرب أفضل من جنس العجم، ليس معنى أن من كان عربيا أفضل ممن كان عجميا، لا ليس هذا المقصود، وإنما المقصود أنه فضل عام فقط، وإلا فكل شخص باجتهاده وأيضا بتقواه. قال: وإن كان من الطائفة الأخرى، مثل العجم أو غير قريش أو غير بني هاشم، فليعلم أن تصديقه لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيما أخبر، وطاعته فيما أمر، ومحبة ما أحبه الله، والتشبه بمن فضل الله، والقيام بالدين الحق الذي بعث الله به محمدا، يجب له أن يكون أفضل من جمهور الطائفة المفضلة. وهذا هو الفضل الحقيقي، فالفضل هو بتقوى الله، ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾. وانظر إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين وضع الديوان، وقال له: يبدأ أمير المؤمنين بنفسه، فقال: لا، ولكن ضعوا عمر حيث وضعه الله، أنا لا أبدأ بنفسي، لكن أضع نفسي حيث أضعني الله. قال: فبدأ بآل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم من يليهم، حتى جاءت نوبته في بني عدي، وهم متأخرون عن أكثر بطون قريش. ثم هذا الاتباع للحق ونحوه قدمه على عامة بني هاشم، فضلا عن غيرهم من قريش. فالعبرة كما قلنا، ليس في القبيلة ولا بكذا وكذا، وإنما العبرة بتقوى الله جل وعلا. هذا الأمر الأول من التنبيهات من ما نبه الشيخ، أن مسألة تفضيل العرب على العجم، أو اتباع طريقة السابقين وترك غيرها، هذا يحتاج إلى أن يقيد، فذكر القيد الأول: أنه إن نظر إلى هذه الفضائل لا يكون فيه شهوة خفية لأجل أنه هو من هؤلاء، فلهذا يذكر فضلهم، وأيضا يدافع عن ذلك.