التعليقات على كتاب الأدب المفرد 371

الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 371، ألقاها

خروج النبي وتعبيره عن حبه للحسن

خرج النبي إلى السوق وجلس بفناء بيت فاطمة ونادى على الحسن بن علي، وعانقه وقبله ودعا له بالمحبة. يبين الحديث تواضع النبي وطبيعته البشرية.

دعاء النبي للحسن وفضل أهل البيت

دعا النبي للحسن بقوله 'اللهم أحببه وأحبب من يحبه'، مما يدل على محبته له ولأهل بيته. يشير إلى فضل الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة.

عقيدة أهل السنة والجماعة في الصحابة وأهل البيت

أهل السنة والجماعة يحبون الصحابة وأهل بيت النبي جميعا ويترضون عنهم، ويشددون على أهمية سلامة القلب من الغل والحقد عليهم. يبين أهمية الثناء عليهم وذكر محاسنهم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، أبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام محمد بن إسماعيل البخاري رحمه الله في كتابه «الأدب المفرد»: حدثنا علي، قال: حدثنا سفيان، عن عبيد الله بن أبي يزيد، عن نافع بن جبير بن مطعم، عن أبي هريرة، قال: خرج النبي صلى الله عليه وسلم في طائفة النهار، لا يكلمني ولا أكلمه، حتى أتى سوق بني قينقاع، فجلس بفناء بيت فاطمة، فقال: أثم لكع؟ أثم لكع؟ فحبسته شيئا، فظننت أنها تلبسه سخابا أو تغسله، فجاء يشتد حتى عانقه وقبله، وقال: اللهم أحببه، وأحبب من يحبه. والحديث في الصحيحين. هذا الحديث يقول أبو هريرة رضي الله عنه: خرج النبي صلى الله عليه وسلم في طائفة النهار، يعني في وقت من النهار أو جزء من النهار. قال: لا يكلمني ولا أكلمه حتى أتى سوق بني قينقاع، وهو أحد الأسواق التي كانت موجودة في أيام النبي عليه الصلاة والسلام. وخروج النبي عليه الصلاة والسلام إلى السوق هذا ليس فيه منقصة في حقه، بل هذا من كمال تواضعه عليه الصلاة والسلام، أنه يخرج إلى السوق ويشتري حاجته، نعم، ويبايع الناس. وأما إنكار المشركين على النبي عليه الصلاة والسلام هذا الفعل، هذا من جهلهم وعنادهم، وقالوا: ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق؟ هذا الإنكار غير مقبول. فالنبي عليه الصلاة والسلام بشر كسائر البشر، إلا أن الله عز وجل شرفه وكرمه بالرسالة والنبوة، فهو يفعل ما يفعله غالب البشر مما يحتاجون إليه في أمور معاشهم وحياتهم. لكن خروج عليه الصلاة والسلام بنفسه هذا من تواضعه، وإلا كان يستطيع أن يوكل غيره أن يشتري له حاجته من السوق، لكن كان أحيانا يوكل وأحيانا يخرج بنفسه. قال: جلس بفناء بيت فاطمة، فناء البيت يعني المكان المتسع الذي أمام البيت، فجلس فيه النبي عليه الصلاة والسلام. ومر معنا في أبواب مضت جواز ذلك أن يجلس الرجل بفناء البيت أو جلوس في الساحات، كما مر معنا في الباب الذي قبل هذا. قال: فقال أثم لكع؟ أثم لكع؟ لكع كلمة تطلق لعدة معاني عند العرب، تطلق بمعنى العبد، وبمعنى الحمق والذنب، وبمعنى الصغير، وهو المراد في هذا الموضع. أثم لكع يعني هل الحسن موجود؟ أي الحسن ابن علي من أبي طالب، وهو ابن ابنته فاطمة رضي الله تعالى عنها. فقوله: أثم لكع؟ أي أثم الحسن ابن علي؟ هل هو موجود؟ قال: فحبسته شيئا، يعني فاطمة حبست الحسن، فتأخر عن خروجه إلى النبي عليه الصلاة والسلام. فقالت: وظننت أنها تلبسه سخابا أو تغسله، يعني سبب هذا الحبس التأخير إما أنها تلبسه سخابا، والسخاب جمع السخب، وهو خيط يوضع فيه شيء من الطيب، يعلق على الصبي حتى تكون ريحه طيبة، أو تغسله، يعني تنظفه حتى يلقى جده وهو على أحسن نهاية. فجاء يشتد الحسن من عند علي رضي الله عنه حتى عانقه وقبله، أي عانق النبي عليه الصلاة والسلام وقبله، وقال: اللهم أحببه، وقوله: عانقه وقبله، يعني النبي صلى الله عليه وسلم عانق الحسن وقبله، أو كذلك أيضا الحسن عانقه وقبله. وتقبيل النبي عليه الصلاة والسلام للحسن هذا من الرحمة، أن يقبل الكبير الصغير شفقة ورحمة، فتقبيل الأبناء هذا من الرحمة بهم. والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «من لا يرحم لا يرحم». ولما رأى العجوز النبي عليه الصلاة والسلام وهو يقبل الحسن والحسين، قالت: تقبلون صبيانكم؟ قالوا: نعم، قالت: إن لي عشرة من الولد ما قبلت أحدا منهم، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «أو أملك أن نزع الله من قلبك الرحمة؟». قال: وقال اللهم أحببه وأحبب من يحبه، دعا النبي عليه الصلاة والسلام للحسن بدعوة خاصة، وهي أن الله عز وجل يحبه، اللهم أحببه، أي أحبب الحسن، ثم دعا بدعوة عامة، وهي أن يحب الله عز وجل من أحبه، أي من أحب الحسن. قال: وأحبب من يحبه، اللهم أحببه وأحبب من يحبه، أي من يحب الحسن ابن علي ابن أبي طالب رضي الله تعالى عنهما. وأهل السنة والجماعة يحبون الصحابة رضوان الله تعالى عليهم جميعا، وهكذا أيضا أهل بيت رسول الله عليه الصلاة والسلام. ونحن نشهد الله عز وجل بمحبتنا للحسن والحسين وعلي وفاطمة وسائر أهل بيت رسول الله عليه الصلاة والسلام من آمن منهم، وكذا سائر الصحابة رضوان الله تعالى عليهم. فهذه الدعوة دعا بها النبي عليه الصلاة والسلام لأن يحب الله عز وجل الحسن، وأن يحب كذلك من أحبه. والحسن والحسين كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام سيدا شباب أهل الجنة، وهما ابنا بنت رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأبوهما علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، أحد الخلفاء الراشدين وأحد العشرة المبشرين بالجنة، وهو أيضا من أهل بيت رسول الله عليه الصلاة والسلام. هذا الحديث ساقه الإمام البخاري رحمه الله في هذا الباب، باب من أدلى رجليه إلى البئر إذا جلس، وكشف عن الساقين، وليس فيه شيء يتعلق بهذا الباب، لا يوجد في هذا الحديث شيء يتعلق ويدل على هذا التبويب الذي بوب عليه. ولهذا قال بعض أهل العلم أن ذكره لهذا الحديث إنما هو يتعلق بالباب الذي قبل ذلك، وهو باب جلوس في الساحات، في قوله: فجلس بفناء بيت فاطمة، أو يكون مراد الإمام البخاري بذكره لهذا الحديث بيان عقيدة أهل السنة والجماعة في الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، وفي أهل بيت رسول الله عليه الصلاة والسلام. فلما ذكر حديث أبي موسى الذي قبل هذا، وفيه فضيلة عظيمة لأبي بكر وعمر وعثمان، وأنهم من أهل الجنة، وقد بشرهم النبي عليه الصلاة والسلام بذلك، ذكر هذا الحديث الذي فيه فضيلة الحسن بن علي رضي الله تعالى عنهما، ليبين أن أهل السنة موقفهم من الصحابة رضوان الله تعالى عليهم جميعا موقف الإنصاف والعدل. وهكذا أيضا أهل بيت رسول الله عليه الصلاة والسلام، ونحن نشهد الله عز وجل بمحبتنا للحسن والحسين وعلي وفاطمة وسائر أهل بيت رسول الله عليه الصلاة والسلام من آمن منهم، وكذا سائر الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، فهذه الدعوة دعا بها النبي عليه الصلاة والسلام لأن يحب الله عز وجل الحسن، وأن يحب كذلك من أحبه. وأهل السنة والجماعة يحبون الصحابة رضوان الله تعالى عليهم جميعا، كما سمعنا، وهكذا أيضا أهل بيت رسول الله عليه الصلاة والسلام، ويترضون عنهم، بل وربما كذلك أيضا من شدة محبتهم أن يسموا أبناءهم بأسماء أهل بيت رسول الله، يسمون الحسن والحسين وعلي وفاطمة، وأيضا غيرهم من الصحابة، عائشة وخديجة وأبو بكر وعمر وعثمان إلى آخر ذلك من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام. فليس بقلوبهم شيء من الغل والحقد على الصحابة، وهذا هو الواجب أن يكون المسلم قلبه صافيا من الغل والحقد على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. فالله جل وعلا لما ذكر المهاجرين وأثنى عليهم، ثم ذكر الأنصار وأثنى عليهم، ثم ذكر من جاء بعدهم، فقال: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾. هذا هو الموقف الواجب الذي ينبغي أن يكون عليه كل مسلم، هو أن يسلم قلبه وصدره من الحقد أو البغضاء على أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام. وهذا الأمر الذي ينبه عليه، وربما يطال في الكلام فيه، لأنه يوجد في هذه الأزمنة من يطعن في الصحابة، ويتنقصهم، أو كذلك أيضا يذكر شيء من المساوي أو نحو ذلك، وهذا خلاف ما عليه أهل السنة والجماعة. من أن الواجب كما سمعنا هو الثناء عليهم والترضي عنهم وذكر محاسنهم والكف عن مساويهم، فلهم من الحسنات الكثيرة ما تنغمر فيه ما حصل منهم من أخطاء. وما تضر النجاسة إذا وقعت في البحر، فإنها لا تؤثر فيه، فما صدر منهم رضي الله تعالى عنهم فإنه مغمور في بحور حسناتهم، رضي الله تعالى عنهم جميعا. فالشاهد أن هذا الحديث الأظهر أن الإمام البخاري رحمه الله ذكره لما فيه من بيان عقيدة أهل السنة والجماعة من أنهم يحبون الصحابة رضوان الله عليهم جميعا، وهكذا أيضا أهل بيت رسول الله عليه الصلاة والسلام. طيب الله ثراه، صلى الله وسلم على نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين.

شاركنا على