التعليقات على كتاب الأدب المفرد 420

الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 420، ألقاها

إنكار السلف الصالح على لعب النرد

ذكر الإمام البخاري آثارًا عن السلف الصالح في إنكار لعب النرد وإتلافها، ومنها أثر عبد الله بن عمر وعائشة رضي الله عنهما. يُستدل من هذه الآثار على وجوب إنكار المنكر ومراقبة الأهل.

موقف عائشة وابن الزبير من لعب النرد

ورد إنكار عائشة وابن الزبير على من يلعب بالنرد، حيث هددت عائشة بإخراج المستأجرين من دارها، وتعهد ابن الزبير بمعاقبة من يلعب بالنردشير. يظهر شدة إنكارهم على هذه اللعبة.

حكم اللعب بالنرد وعقوبته

يناقش المقطع حكم اللعب بالنرد مستشهدا بآثار عن الصحابة، ويبين شدة التحريم عند اللعب به. الآثار تدل على بشاعة لعب النرد وقد شدد الصحابة في الإنكار وعقوبة من لعب بها.

  • 11 جمادى الآخرة 1438هـ - 09/03/2017مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه وأجمعين. أما بعد، قال إمام البخاري رحمه الله في كتابه «الأدب المفرد»، باب الأدب وإخراج الذين يلعبون بالنرد وأهل الباطل. قال: حدثنا إسماعيل، قال: حدثني مالك، عن نافع، أن عبد الله بن عمر كان إذا وجد أحدا من أهله يلعب بالنرد ضربه وكسرها. هذا الباب جمعه الإمام البخاري رحمه الله بقوله «باب الأدب وإخراج الذين يلعبون بالنرد وأهل الباطل»، يعني تأديب من له ولاية على غيره، كالحاكم أو السلطان، أو من يقوم مقامه، أو كذلك أيضا رب الأسرة في بيته، ونحو ذلك، إذا رأى من يلعب بالنرد أو بغيره من اللهو الباطل، فإنه ينكر عليهم، وينكر كذلك بيده. ينكر عليهم بيده، وأما من لم يكن للإنسان عليه سلطان أو ولاية، فيقول الإنكار باللسان، ينصح ويبين حرمة اللعب بالنرد، وأن اللعب به معصية لله ولرسوله. فإن استجاب فالحمد لله، وإن لم يستجب فأدى الذي عليه. لكن إذا رأى هذا المنكر في بيته، ويستطيع أن ينكر بيده، وله السلطان عليهم، فينكر بيده، كما سيأتي في هذه الآثار التي ذكرها الإمام البخاري رحمه الله في هذا الباب. ذكره أثر ابن عمر، قال: كان إذا وجد أحدا من أهله يلعب بالنرد ضربه وكسرها. ضربه وكسرها، يعني ينكر عليهم لعبهم بالنرد، فربما ضرب من لعب بها من أهله ومن أولاده، وكسر هذه اللعبة. وكسر هذه اللعبة، والأولاد ربما يدخل عليهم شيء من هذه الألعاب عن طريق الأصحاب، ومن كان مثلهم من الأطفال، ربما يراها عند غيره فيغتر بها، فيأتي له بمثلها ويدخلها إلى بيته، ولا يعلم الأب. فإذا رآها ينبغي الإنكار وعدم الرضا ببقائها، سواء كان النرد أو غيره من الألعاب المحرمة، فإنه ينكر ذلك، ولو بإتلافها، وضرب الولد إذا احتاج الأمر إلى ذلك، من باب التأديب، حتى ينتبه الولد ويعرف سبب الخطأ الذي وقع فيه، فلا يتكرر منه، ويعلم أنه إن أتى بشيء من هذه الألعاب المحرمة، أنه سيعاقب بالضرب وبإتلاف هذه اللعبة، فلا يتجرأ على ذلك، وعلى إدخال شيء من هذه الألعاب المحرمة. وهذا من باب حسن التربية، تربية الأب وولي الأمر لمن تحت يده، في مراقبتهم، وإنكار ما يقعون فيه من منكر، حتى ينشأون على الصلاح واستقامة. قال: حدثنا إسماعيل، قال: حدثني مالك، عن علقمة بن أبي علقمة، عن أمه، عن عائشة رضي الله عنها، أنه بلغها أن أهل بيت في دارها كانوا سكانا فيها، عندهم نرد، فأرسلت إليهم: لئن لم تخرجوها لأخرجنكم من داري، وأنكرت ذلك عليهم. هذا الأثر عن عائشة رضي الله عنها، أنه بلغها أن أهل بيت في دارها، يعني يسكنون في دار لعائشة رضي الله عنها، كانوا سكانا فيها، يعني في هذه الدار التي لعائشة، عندهم نرد، يعني في البيت عندهم نرد، في هذا البيت الذي هو لعائشة. فأرسلت إليهم، أي عائشة رضي الله عنها: لئن لم تخرجوها لأخرجنكم من داري، وأنكرت ذلك عليهم، يعني إن لم تخرجوا هذا النرد لأخرجتكم من داري، من باب الإنكار عليهم، عدم الرضا باللعب بهذه اللعبة التي هي معصية لله ولرسوله. وهذا فيه أيضا أن من أسكن داره أحدا من الناس، كمن يؤجر مثلا بيته لشخص، ثم علم أنه يستعمل فيه شيئا من منكرات، فإن صاحب الدار ينبغي أن ينكر على هذا المستأجر الذي سكن في بيته. فإن امتنع بترك ذلك، فإن أبى، فإن يخرجه من بيته، ولا يرضى ببقائه في بيته وهو يفعل هذا المنكر، كما قالت عائشة رضي الله عنها: لئن لم تخرجوها لأخرجنكم من داري، من أجل الإنكار عليهم، عدم الرضا بفعل شيء من المنكر في بيتها، وإنكارها على هؤلاء بسبب لعبهم بهذه اللعبة، بسبب لعبهم بلعبة النرد. قال: حدثنا موسى، قال: حدثنا ربيعة بن كلثوم بن جبر، قال: حدثني أبي، قال: خطبنا ابن الزبير، فقال: يا أهل مكة، بلغني عن رجال من قريش يلعبون بلعبة يقال لها النردشير، وكان أعسر - يعني ممن يستعمل اليد اليسرى في أعماله، في الكتابة، وفي الحمل، في العمل، تكون اليسرى أقوى عندهم - يليمنا، يقال فيه الأعسر. قال الله: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾، وإني أحلف بالله لا أوتى برجل لعب بها إلا عاقبته في شعره وبشره، وأعطيت سلبه لمن أتاني به. هذا الأثر عن ابن الزبير، أي عبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنهما، أنه خطب الناس، فقال: يا أهل مكة، بلغني عن رجال من قريش يلعبون بلعبة يقال لها النردشير، وهي النرد، لعبة النرد، ويقال لها لعبة الطاولة، ويقال لها النردشير. نسف، نسف، نسف، إلى ملك الملوك العادل. فقال: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾، وكأنه يشير إلى أن هذه اللعبة من الميسر، كما مر معنا في أثر عبد الله بن مسعود. ثم حلف بالله أنه لا يؤتى برجل يلعب بها إلا عاقبه في شعره وبشره، في شعره بالحلق، وبشره بالضرب. قال: وأعطيت سلبه لمن أتاني به، أعطيت سلبه، أعطيت سلبه لمن أتاني به. سلبه، يعني ما معه من متاع، يعطيه لمن أتى بهذا الذي يلعب بالنرد، من أتى به أعطاه سلبه، من باب الحث والترغيب على إنكار هذا المنكر، ومرأى من يلعب هذه اللعبة أن ينكر عليه، ويأتي به إلى ابن الزبير. وكان ابن الزبير رضي الله تعالى عنه له الولاية في مكة، فهو يتكلم بهذا الكلام لأنه كان ولي أمرهم، والشاهد به إنكاره رضي الله عنه على من لعب بهذه اللعبة، والتغليظ بذلك، حتى أنه سيعاقب في شعره وبشره، ويعطى سلبه لمن أتى به. قال: حدثنا مسدد، قال: حدثنا إسماعيل بن زكريا، عن عبيد الله بن أبي أمية الطنافسي، قال: حدثني يعلى أبو مرة، قال: سمعت أبا هريرة، في الذي يلعب بالنرد قمارا، كالذي يأكل لحم الخنزير، والذي يلعب به من غير قمار، كالذي يغمس يده في دم خنزير، والذي يجلس عندها ينظر إليها، كالذي ينظر إلى لحم الخنزير. هذا الأثر عن أبي هريرة رضي الله عنه، فيه بيان شناعة اللعب بالنرد، وأنه على مراتب، بعضها أشد من بعض. فالذي يلعب بالنرد قمارا، يلعب بالنرد قمارا، يعني يوضع شيء من المال، ومن فاز أخذه، فإذا لعبت على جهة القمار والميسر، حاله كالذي يأكل لحم الخنزير، كالذي يأكل لحم الخنزير، ومعلوم أن أكل لحم الخنزير أمر شنيع وأمر محرم، وغاية في الشناعة. والذي يلعب به من غير القمار، يلعب به من غير قمار، قال: كالذي يغمس يده في دم خنزير. وفي نسخة: في لحم خنزير، يعني من غير أكل، يغمس يده في لحم خنزير من غير أكل، وهذا أيضا أمر بشع، لكنه دون المرتبة الأولى. قال: والذي يجلس عندها ينظر إليها، يعني ينظر إلى من يلعب بالنرد، قال: كالذي ينظر إلى لحم الخنزير، كالذي ينظر إلى لحم الخنزير. وهذه أيضا مرتبة شنيعة، لكنها دون المرتبتين قبلها. وهذا الأثر فيه ضعف، فيه يعلى وهو مجهول. قال: وحدثنا الحسن بن عمر، قال: حدثنا يزيد بن زريع، عن حبيب بن الشهيد، عن عمر بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: اللاعب بالفصين قمارا كآكل لحم الخنزير، واللاعب بهما غير قمار، كالغامس يده في دم خنزير. وهذا الأثر صحيح، عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما، قال: اللاعب بالفصين قمارا، بالفصين، يعني فصي هذه اللعبة، فصي لعبة النرد، لأنها كما علمنا أنها عبارة عن لعبة ذات صندوق، ولها أحجار، ولها فصان، ويقال لهما أيضا كعبان أو زهرتان. فاللاعب بها قمارا، كآكل لحم الخنزير، من لعب بها على جهة القمار، كآكل لحم الخنزير، يعني في بشاعة وفي الخبث، كمن أكل لحم الخنزير. واللاعب بها غير قمار، يعني لعب بها من غير قمار، قال: كالغامس يده في دم خنزير، كالغامس يده في دم خنزير. وهذا أمر كذلك بشع وشنيع، لكن دون الحالة الأولى. وهذه الآثار كلها كما سمعنا تدل على بشاعة هذه اللعبة، حتى إن الصحابة رضوان الله عليهم شددوا في من لعب بها في الإنكار وفي العقوبة، حتى يكون ذلك زاجرا عن اللعب بها. طيب، نكتفي بهذا القدر. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.

شاركنا على