الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 436، ألقاها
الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم عند الغضب تدرأ شر الشيطان وتساعد في السيطرة على النفس. النبي صلى الله عليه وسلم أرشد إلى ذلك في حديثه الشريف.
السيطرة على النفس عند الغضب تتم من خلال اللجوء إلى الاستعاذة بالله وتغيير الحالة الجسدية. حتى الأشخاص الفاضلون قد يغضبون ولكن عليهم الرجوع إلى الله.
القوي هو من يملك نفسه عند الغضب فيسكت ويسيطر على جوارحه، وبذلك يحصل على الخير ويندفع عنه الشر. هذا الفعل هو دليل على القوة الحقيقية.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله في كتابه «الأدب المفرد»، باب ما يقول إذا غضب. قال: حدثنا علي بن عبد الله، قال: حدثنا أبو أسامة، قال: سمعت الأعمش يقول: حدثنا عدي بن ثابت، عن سليمان بن صرد، قال: استب رجلان عند النبي صلى الله عليه وسلم، فجعل أحدهما يغضب ويحمر وجهه، فنظر إليه النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب هذا عنه، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. فقام رجل إلى ذلك الرجل، فقال: تدري ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: قل أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. فقال الرجل: أمجنون تراني؟ هذا الباب ترجمه الإمام البخاري رحمه الله بقوله: باب ما يقول إذا غضب، يعني إذا غضب الإنسان فماذا يقول وبماذا يتكلم. ذكر فيه هذا الحديث، حديث سليمان بن صرد، قال: استب رجلان عند النبي صلى الله عليه وسلم، يعني حصل بينهما شيء، فجعل كل واحد يسب الآخر، فجعل أحدهما يغضب ويحمر وجهه، يعني زاد عليه الغضب حتى حمر وجهه بسبب ثوران الدم والانفعال. قال: فنظر إليه النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه هذا الغضب، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، يعني لو استعاذ بالله جل وعلا من الشيطان الرجيم فإنه سيذهب عنه هذا الغضب؛ لأن الغضب من الشيطان، فهو يغضب الإنسان ويثيره حتى يقع في المحذور. قال: لو قال أعوذ بالله من الشيطان الرجيم -أعوذ بالله يعني ألتجئ وأعتصم بالله، أعوذ به ألتجئ وأعتصم به من الشيطان الرجيم- أي أن يعيذني منه ويسلمني من شره. فقام رجل إلى ذلك الرجل، فقال: تدري ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: قل أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. فقال الرجل: أمجنون تراني؟ يعني هل ترى أني مجنون حتى تقول لي ذلك؟ وهذا قاله من شدة الغضب، فما زال الغضب فيه. فهذا الحديث يدل على أن من غضب فإنه يتعوذ بالله من الشيطان الرجيم، يتعوذ بالله من الشيطان الرجيم. مع ما مر ذكره في الدرس الماضي من أنه ينبغي أن يملك نفسه بالسكوت، فيسكت إذا غضب. وهكذا أيضا يملك جوارحه، وهكذا يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم. وأيضا يغير الهيئة التي هو عليها، فيجلس إذا كان قائما، ويضطجع إذا كان جالسا كما أمر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم. قالوا: حدثنا عبد الله بن عثمان قراءة، عن أبي حمزة، عن الأعمش، عن ابن ثابت، عن سليمان بن صرد، قال: كنت جالسا مع النبي صلى الله عليه وسلم ورجلان يستبان، فأحدهما أحمر وجهه وانتفخت أوداجه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد. فقالوا له: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: تعوذ بالله من الشيطان الرجيم. قال: وهل بي من جنون؟ وهذا الحديث نفس الحديث المتقدم، لكن ساقه الإمام البخاري رحمه الله هنا من طريق آخر. وفي هذا الحديث أيضا أن الإنسان مهما بلغ في الفضل وفي حسن الاستقامة قد يقع منه شيء من الغضب، نعم، أو يقع ما يكون سببا في إثارته. فينبغي أن يحرص على أن يملك نفسه، ويستعيذ بالله جل وعلا من الشيطان الرجيم. وربما أيضا قد يقع منه شيء من السب بسبب الغضب، فيسب أخاه. والواجب في مثل ذلك أنه يرجع عن هذا الأمر ويتوب إلى الله، ويطلب من أخيه العفو إن حصل شيء من ذلك. وهو غير معصوم، فهو بشر يصيبه ما يصيب البشر. فإذا كان مثل هذا قد وقع ممن هم أفضل هذه الأمة، وهم صحابة رضوان الله عليهم، فغيرهم من باب أولى أن يقع شيء من ذلك منهم. لكن الذي ينبغي سرعة الرجوع إلى الله جل وعلا، والإقلاع عن هذا الأمر، ويطلب الأخ من أخيه العفو والسماح إن وقع منه شيء من ذلك إذا أخطأ عليه أو تكلم عليه أو سبه أو شيء من ذلك، فإنه يطلب العفو والصفح. والله عز وجل يقول: ﴿ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم﴾. قال رحمه الله: باب يسكت إذا غضب. قال: حدثنا مسدد، قال: حدثنا عبد الواحد بن زياد، قال: حدثنا ليث، قال: حدثني طاوس، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: علموا ويسروا، علموا ويسروا ثلاث مرات، وإذا غضبت فاسكت مرتين. هذا الباب ترجمه الإمام البخاري رحمه الله: باب يسكت إذا غضب، يعني من غضب فينبغي عليه أن يسكت ولا يتكلم، يسكت ولا يتكلم. وهذا مما يسد به باب الشر، ويقطع على الشيطان ما يريد أن يوقع فيه المسلم في حال الغضب من أنواع الذنوب أو المحرمات أو الأشياء التي ربما يندم عليها إذا فعلها أو قالها في حال الغضب من سب أو شتم أو طعن أو لعن أو طلاق أو ضرب أو غير ذلك. فإذا سكت وكتم غيظه سلم من ذلك، سلم من الوقوع في هذه الآثام. ذكر أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: علموا ويسروا ثلاث مرات، يقول عليه الصلاة والسلام: علموا ويسروا، يعني إذا علمتم الناس فيسروا لهم، لا تشقوا عليهم؛ لأن هذا الدين دين الحنيفية السمحة، دين اليسر والسعادة. إن الدين يسر كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ليشاد الدين أحد إلا غلبه». وقال: «يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا». فالمراد بالتيسير هنا التيسير الشرعي الموافق للشريعة، لا التيسير بالأهواء والذوق والتنازل عن الأمور الشرعية من أجل ترغيب الناس أو نحو ذلك. المراد به التيسير الشرعي بما يوافق الشريعة؛ فإن هذه الشريعة قائمة على التيسير، يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر. قال: علموا ويسروا ثلاث مرات، وإذا غضبت فاسكت مرتين، يعني كررها مرتين: وإذا غضبت فاسكت، وإذا غضبت فاسكت. هذه وصية من النبي صلى الله عليه وسلم أن يسكت الإنسان عند الغضب، إذا غضب فيسكت. وإذا سكت كما سمعنا سلم، سلم من الشر. يسكت حتى يهدأ منه الغضب، وحينئذ يتكلم بما يراه أصلح وما فيه خير. لكن عند الغضب قد يتكلم الإنسان بكلام يندم عليه بعد ذلك. فهذا فيه أيضا علاج من علاجات الغضب السكوت، السكوت عند الغضب. وكما مر معنا أن الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب هذا هو القوي، يملك نفسه فيملك لسانه فيسكت، ويملك جوارحه فلا يطلق جوارحه على من غضب عليه. وبهذا يحصل له الخير، ويندفع عن نفسه الشر. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.