التعليقات على كتاب الأدب المفرد 16

الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 16، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

فضل صلة الرحم وبر الوالدين بعد الوفاة

يتناول هذا الفصل أهمية الصدقة عن الميت وبر الوالدين بعد وفاتهما، حيث يستدل بحديث عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم يفيد بأن الصدقة عن الميت تنفعه. كما يشير إلى أهمية صلة الأرحام والأصدقاء الذين كانوا على صلة بوالد الشخص بعد وفاته.

فضل الصدقة وبر الوالدين وتطبيقات عملية

يروي هذا الفصل قصة ابن عمر مع أعرابي وأعطاه عمامته صدقة، واستدل بحديث النبي عن بر الوالدين. كما يشير إلى فضل الصدقة وعدم احتقار الشيء اليسير، مما يدل على عمق الاهتمام بالوالدين حتى بعد وفاتهما.

آداب التعامل مع الأب وآثار السلف

يتناول هذا الفصل آداب التعامل مع الأب، مثل عدم مناداته باسمه، والمشي خلفه أو بجانبه، وعدم الجلوس قبله. كما يذكر بعض الآثار عن الصحابة والتابعين في هذا الشأن، ويبين صحة أو ضعف هذه الآثار، مما يعكس حرص السلف على بر الوالدين.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. قال الإمام البخاري رحمه الله في كتاب الأدب المفرد: حدثنا إسحاق بن صفوان، قال: حدثنا محمد بن مسلم، عن عمر بن إكرمة، عن ابن عباس أن رجلا قال: يا رسول الله، إن أمي توفيت ولم توص، أفينفعها أن نتصدق عنها؟ قال: نعم. والحديث صحيح، وهو صحيح على شرط الإمام البخاري رحمه الله. وجاء في رواية البخاري: «إن أمي افتلتت نفسها -أو قالت: ماتت- قفلا ولم توص، أفينفعها أن نتصدق عنها؟ قال: نعم». علم رضي الله تعالى عنه أن أمه حريصة على الخير، فأراد أن يتصدق عنها، فأجاز له النبي عليه الصلاة والسلام أن يتصدق عنها. وهذا كما مر أنه مما ينتفع به الميت الصدقة، مما ينتفع به الميت الصدقة. ويكون ذلك مخصصا لعموم قول الله جل وعلا: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾. ومر كذلك أنه يتصدق عن الميت صدقة التطوع، ولا تجب على الوارث أن يتصدق عنه صدقة التطوع، وإنما يستحب. وأما الحقوق الواجبة التي على الميت، كحقوق تعلق بالله سبحانه وتعالى، ككفارة أو زكاة أو نذر أو غير ذلك، أو تتعلق بحق الآدمي من ديون ونحوها، فإن ترك الميت مالا، فإنها تخرج من ماله. وإن لم يترك مالا، فيستحب إخراجها عنه، سواء كان لولده أو غيره. قال رحمه الله: «باب بر من كان يصله أبوه». قال: حدثنا عبد الله بن صالح -وهو كاتب الليث، وهو ضعيف- قال: حدثنا الليث، عن خالد بن يزيد، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر قال: مر أعرابي في سفر، فكان عندنا في الأضيف. وكان أبوه صديقا لعمر -يعني أن أب هذا الأعرابي كان صديقا لعمر رضي الله عنه- فقال للأعرابي: ألست ابن فلان؟ قال: بلى. فأمر له ابن عمر بحمار كان يستعقب -يعني كان إذا تعب من ركوب الجمل نزل، فركب على هذا الحمار-. وفي رواية الصحيح: «كان له حمار يتروح عليه». قال: ونزع عمامته من رأسه، فأعطاه. فقال بعض من معه: أما يكفيه جرمان؟ فقال: «قال النبي صلى الله عليه وسلم: احفظ ود أبيك، لا تقطعه، فيطفئ الله نورك». وهو بهذا السند الضعيف. وأصل الحديث في مسلم، أصله في مسلم، وسيأتي أيضا لفظه فيما بعده. قال: حدثنا عبد الله بن يزيد، قال: حدثنا حيوية، قال: حدثني أبو عثمان الوليد بن أبي الوليد، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن أبر البر أن يصل الرجل أهل ود أبيه». وهو بهذا اللفظ في مسلم. وفي هذا الحديث أنه كذلك من البر الذي ينبغي أن يقوم به الإبن لأبيه أن يصل من كان يصله أبوه، أن يصل من كان يصله أبوه من الأقارب والأصدقاء. فالذين يودهم أو يودهم الأب ويتقرب إليهم ويصلهم، فإن من البر أن تقوم بصلتهم كما كان يفعل والدك. فابن عمر لما رأى هذا الأعرابي وعلم أن أباه كان صديقا لعمر، فسأله: ألست ابن فلان؟ -من باب التأكد وتثبت- قال: نعم -أو بلى- فمباشرة أمر له ابن عمر بحمار يركب عليه، وأعطاه عمامته -يعني نزعها وأعطاها له- صدقا بها عليه. فلما سئل عن ذلك، أخبر أن أباه كان ودا لعمر، وإلى النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إن أبر البر أن يصل الرجل أهل ود أبيه». وفي هذا الحديث حرص الصحابة رضوان الله تعالى عليهم على العمل بالعلم. فابن عمر علم أن النبي عليه الصلاة والسلام أخبر أن من أبر البر أن يصل الرجل أهل ود أبيه، فلما رأى هذا الأعرابي مباشرة طبق هذا الحديث، فأعطاه ما كان يملكه أو ما يستطيع أن يتصدق به عليه، فأعطاه حماره ونزع عمامته، فتصدق بها عليه. وكذا أيضا فيه فضل الصدقة، وأن الإنسان يتصدق ولو بالشيء اليسير، لا يستحقر شيئا، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لا تستحقر من المعروف شيئا، ولو أن تلقى أخاك بوجه طليق». وقال عليه الصلاة والسلام: «تبسمك في وجه أخيك صدقة». تبسمك في وجه أخيك صدقة. فإن كنت لا تملك شيئا وتيسر لك أن تنفق بشيء من اللباس الذي معك وأنت تملك غيره، فلا بأس بذلك. ما فعل تعالى من عمر رضي الله تعالى عنهما فنزع عمامته وتصدق بها على هذا الأعرابي. بل النبي عليه الصلاة والسلام قال: «اتقوا النار ولو بشق تمرة»، لتصدق بنصف تمرة تكون بذلك سببا في إبعادك عن النار. فهو كذلك مما يطلب منك وتنتفع به وتنتفع به عند الله سبحانه وتعالى. قال: «باب لا تقطع من كان يصل أباك فيطفئ نورك». قال: أخبرنا بشر بن محمد، قال: أخبرنا عبد الله، قال: أخبرنا عبد الله بن لاحق، قال: حدثني سعد بن عبادة الزرقي أن أباه قال: كنت جالسا في مسجد المدينة مع عمر بن عثمان، فمر بنا عبد الله بن سلام متكئا على ابن أخيه، فنفذ عن المجلس، ثم عطف عليه، فرجع إليهم، فقال: ما شئت يا عمر بن عثمان -مرتين أو ثلاثا- فوالذي بعث محمدا صلى الله عليه وسلم بالحق، إنه لفي كتاب الله عز وجل -مرتين-. ويريد بكتاب الله في التوراة. فعبد الله بن سلام كان من أحبار اليهود ثم أسلم رضي الله تعالى عنه قال: «لا تقطع من كان يصل أباك فيطفئ بذلك نورك». وهذا أثر ضعيف لا يصح، فسعد الزرقي مجهول. قال: «باب الود يتوارث». قال: حدثنا بشر بن محمد، قال: أخبرنا عبد الله، قال: أخبرنا محمد بن عبد الرحمن، عن محمد بن فلان بن طلحة، عن أبي بكر بن حزم، عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كفيتك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الود يتوارث». وهذا الحديث ضعيف، فمحمد بن عبد الرحمن هو ابن أبي بكر المليكي، وهو ضعيف جدا. وأما قول: «عن رجل من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام»، فهذا لا يضر، فجهالة الصحابي لا تضر لأن الصحابة كلهم عدول. لكن العلة من محمد بن عبد الرحمن، فهو كما قال الذهبي: واهن. لكن معناه صحيح، لكنه منسوخ. فقد كان الود -يعني الأخوة والمحبة- يتوارث بها لما آخى النبي عليه الصلاة والسلام بين المهاجرين والأنصار، وكانت من شدة هذه الأخوة أنهم كانوا يتوارثون بها. يرث هذا الأخ من أخيه، ولا يرثه قرابته، كانت مقدمة على قرابة النسب والأرحام، حتى نزل قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ﴾ كما جاء عن ابن عباس وسعيد بن جبير وغيرهم من السلف: أن هذه الآية نسخت هذا التوارث الذي كان بينهم في الأخوة، فصار الإرث خاصا بالقرابة. قال: «باب لا يسمي الرجل أباه، ولا يجلس قبله، ولا يمشي أمامه». قال: حدثنا أبو الربيع -وهو سليمان بن داود العتكي- عن إسماعيل بن زكريا، قال: حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه -أو غيره- أن أبا هريرة أبصر رجلين، فقال لأحدهما: ما هذا منك؟ فقال: أبي. قال: لا تسميه باسمه، ولا تمشي أمامه، ولا تجلس قبله. وهذا الأثر صحيح، صححه الألباني رحمه الله. ففيه أن أبا هريرة رضي الله تعالى عنه أبصر رجلين -يعني يمشيان- ورأى منهما شيئا، فقال لأحدهما: ما هذا منك؟ يعني ما يقرب لك. فقال: أبي. فقال له أبو هريرة رضي الله تعالى عنه: لا تسميه باسمه -يعني إذا دعوته- فمن الأدب أنك لا تدعو أباك باسمه، تقول له: يا محمد -مثلا اسم أبيك محمد- تناديه باسمه: يا محمد أو يا علي، لا، ليس هذا من الأدب أن تناديه باسمه. لكن من الأدب أن تناديه إما بلفظ الأبوة: يا أبي. أو تكنيه كما سيأتي بكنيته: يا أبا فلان، هكذا تناديه من باب التأدب. قال: ولا تمشي أمامه، كذلك إذا مشيت معه، فإنك لا تمشي أمامه، لكن تمشي بجانبه أو خلفه من باب التأدب معه. وهكذا لا تجلس قبله، إذا دخلت معه في مجلس، فإنك تجلس بعده، تنتظر حتى يجلس ثم تجلس بعده من باب التأدب. فكذا ينبغي أن يكون الابن مع أبيه، يتأدب بمثل هذه الأداب. قال: «باب هل يكني أباه -يعني هل يناديه بكنيته- والكنية كما يقول أهل اللغة: هو ما أطلق بلفظ الأب أو الأم، ما لقي بأب أو أم -يعني أبو فلان هذه تسمى كنية-». قال: حدثنا عبد الرحمن بن شيبة، قال: أخبرني يونس بن يحيى بن نباتة، عن عبيد الله بن موهب، عن شهر بن حوشب قال: خرجنا مع ابن عمر، فقال له سالم: السلام يا أبا عبد الرحمن. وهذا الأثر ضعيف، فشهر بن حوشب ضعيف. قال أبو عبد الله -عن البخاري-: حدثنا أصحابنا، عن وكيع، عن سفيان، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر قال: «لكن أبو حفص عمر». والشاهد منه قوله: «لكن أبو حفص عمر» -يعني قوله من عمر في إخباره بذكر أبيه ذكره بكنيته- «لكن أبو حفص عمر». فيذب ذلك أنه يجوز أن يكني الابن أباه إذا أراد أن يناديه، فإنه يناديه بكنيته: يا أبا فلان. فهذا من أدب، ولا يناديه باسمه.