الدرس في كتاب الصيام 5، ألقاها
النية ركن من أركان الصيام، يجب تبييتها في الليل للصوم الواجب. يجوز نية الصوم في أثناء النهار للصوم المستحب بشرط عدم تناول المفطرات قبل النية.
يباح الفطر في رمضان للمريض الذي يرجى برؤه وللكبير في السن. يُشترط في المرض أن يشق على المريض الصيام أو يتأخر الشفاء أو يزيد المرض.
الكبير في السن والمريض بمرض لا يرجى برؤه يفطران ويطعمان عن كل يوم مسكينًا. يمكن إطعام مسكين عن كل يوم بنصف صاع من قوت البلد أو طعام جاهز.
من كان عليه فطر ورغب في صيامه فصومه صحيح. هذا الحكم مبني على رخصة الفطر التي كانت في حقه.
الحمد لله رب العالمين، صلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، أبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المؤلف -فقه الله-: المسألة السابعة: وقت النية في الصوم وحكمها. قال: يجب على الصائم أن ينوي الصيام، وهي ركن من أركانه، كما مضى لقوله صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى». «إنما الأعمال بالنيات» أي: صحة الأعمال بالنيات، «وإنما لكل امرئ ما نوى» أي: له على قدر نيته، على قدر نيته يكون الأجر والثواب، وعلى نيته يكون صحة العمل وفساده. وقوله عليه الصلاة والسلام: «إنما الأعمال» يدل على أن كل عمل لا بد له من نية، ومنه الصيام. قال: وينويها من الليل في الصيام الواجب، كصوم رمضان، والكفارة، والقضاء، والنذر، ولو قبل الفجر بدقيقة واحدة، لقوله صلى الله عليه وسلم: «من لم يبيت الصيام قبل الفجر، فلا صيام له». الحديث أخرجه الترمذي والنسائي، وصححه الألباني رحمه الله. «من لم يبيت الصيام قبل الفجر، فلا صيام له»، هذا الحديث عام يشمل الصوم الواجب والصوم المستحب، لكن دل الدليل على استثناء الصوم المستحب، بأنه يصح بنية في أثناء النهار، وبقي الصوم الواجب، فإنه يجب فيه النية قبل الفجر، فيشمل الصوم الواجب صوم رمضان، وصوم الكفارة -كفارة اليمين أو كفارة الظهار أو كفارة قتل الخطأ أو غيرها- وهكذا القضاء، قضاء رمضان، إذا أراد الإنسان أن يقضي أيامًا أفطرها من رمضان، فلا بد أن يبيت النية من الليل. وهكذا أيضًا صوم النذر، إذا نذر أن يصوم أيامًا لله جل وعلا، يجب أن يبيت النية قبل الفجر. فتبييت النية يعني أن يعزم أن يعزم في قلبه على الصيام، أن يصوم اليوم الذي هو اليوم المقبل أو يوم الغد، ينوي في قلبه ويعزم على صومه، تكون هذه النية قبل الفجر، يعني ولو من أول ليلة، من أول الليلة يعزم على ذلك، فهذه النية. النية محلها القلب، النية محلها القلب، فلا يشرع التلفظ بها، ما يقول: نويت أن أصوم غدًا، ماذا أن نويت صوم غد عن أداء فرض شهر رمضان هذه السنة لله تعالى، إيمانًا واحتسابًا لوجه الله الكريم، لا، هذا كلّه لا يحتاج، النية محلها القلب، الله عز وجل يعلم ما في قلبك، فإذا عزمت على الصيام في قلبك، هذه هي النية، ما يحتاج أن تتلفظ. قال: فمن نوى صومًا في النهار ولم يطعم شيئًا لم يجزئه إلا في صيام التطوع. من نوى صومًا في النهار ولم يطعم شيئًا -يعني ما أكل شيء قبل ذلك- قال: لم يجزئه -يعني في صوم الفرض- ما يجزئ أنك تنوي الصيام في أثناء النهار، أصبحت مثلًا في أيام القضاء في أثناء النهار، عزمت أنك تجعل هذا اليوم قضاء ليوم أفطرته في رمضان وأنت ما نويت من الليل، هذا ما يصح، إذا تصومه نافلة لا بأس، أما تصومه قضاءً ما يجزئ. قال: إلا في صيام التطوع، إذا كان صيام تطوع ونافلة، فلا بأس أنك تعزم النية في أثناء النهار، قال: فيجوز بنية من النهار إذا لم يطعم شيئًا من أكل أو شرب -يعني بشرط إذا أردت أن تعزم على الصيام في أثناء النهار في صوم التطوع- فيشترط أنك لم تأتِ شيء من المفطرات قبل ذلك، يعني لم يقع منك شيء من المفطرات في أثناء النهار، لا أكل ولا شرب ولا جماع، فإذا كان كذلك، صح أن تنوي الصيام في أثناء النهار. مثلًا أصبحت يوم الاثنين، أنت لم تنوِ من الليل أنك تصوم يوم الاثنين، أصبحت في يوم الاثنين ثم وجدت أنك نشيط وعزمت أنك تصوم، لا بأس، تنوي الصيام وتصوم، ويكتب لك أجر الصيام من حين عزمت على الصيام، من حين عزمت على الصيام. قال: لحديث عائشة رضي الله عنها قالت: دخل علي النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم، فقال: «هل عندكم من شيء؟» فقلنا: لا، قال: «فإني إذا صائم». الحديث في صحيح الإمام مسلم. الشاهد قوله عليه الصلاة والسلام: «فإني إذا صائم»، يعني الآن، يعني الآن في هذا الوقت أنا صائم، نويت الصيام. بدأ أنه طلب طعام: «هل عندكم من شيء؟» يعني أكل، قالوا: لا، قال: «فإني إذا صائم»، الآن عزمت على الصيام، فدل هذا على أنه يجوز عقد نية الصيام في أثناء النهار في صوم النافلة. قال: أما صيام الواجب فلا ينعقد بنية من النهار، ولا بد فيه من نية الليل. طيب إذا لم يعلم برمضان إلا في أثناء النهار، نام ثم أصبح، قالوا: أول يوم من رمضان، هو ما نوى الصيام، لم ينوِ الصيام لأنه ما يعلم أن هذا اليوم من رمضان، فما الذي عليه؟ عليه الإمساك وعليه القضاء، نعم، يجب الإمساك؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام أمر الناس بالإمساك عند الأمر بصيام عاشوراء، لما أخبرهم بوجوب صيام عاشوراء، أمر من لم يكن قد أفطر أن يمسك، ومن قد أكل أن يمسك بقية يومه، أمرهم بالإمساك، وعليه القضاء في قول عامة أهل العلم، عليه القضاء في قول عامة أهل العلم. قال: وتكفي نية واحدة في بداية رمضان لجميع الشهر، ويستحب تجديدها في كل يوم. تكفي نية واحدة في بداية رمضان لجميع الشهر، يعني ينوي أنه يصوم رمضان كله، تكفي هذه النية في صيام كل أيام رمضان، لماذا؟ لأن صوم رمضان مضيق، ما يمكن أن يصوم صوم آخر مع رمضان، ما يستطيع، فيكفي نية واحدة لصيام الشهر كله. ويستحب تجديدها يعني في كل ليلة يجدد النية لصيام اليوم الذي بعده، وبعض أهل العلم يقول: لا، لا بد كل يوم بنيته أن ينوي الصيام من الليل، لكن هذا القول بأنه تكفي نية واحدة في بداية رمضان، لعله أرجح كما قلنا؛ لأن رمضان مضيق، ما يستطيع أن يصوم صوم آخر مع رمضان، فيكفي أن ينوي صيام الشهر كله، إلا إذا انقطع لعذر مثلًا ثم عاد، حينئذ ينوي الصيام. قال: الباب الثاني: في الأعذار المبيحة للفطر ومفطرات الصائم، وفيه مسألتان. المسألة الأولى: الأعذار المبيحة للفطر في رمضان، هناك أعذار تبيح للمسلم أن يفطر في رمضان ويسقط عنه الوجوب. قال: يباح الفطر في رمضان لأحد الأعذار التالية: الأول المرض والكبر. والكبر: أي كبر السن، والكبر ضد التواضع الذي هو رد الحق وغمط الناس، بإسكان الباء: الكبر، وكبر السن: الكبر بفتح الباء. قال: فيجوز للمريض الذي يرجى برؤه الفطر، يرجى برؤه يعني يرجى شفاؤه، مرض عارض: حمى، سعال، جرح أصابه أو شيء من هذه الأمراض يرجى شفاؤه من هذا المرض، فله أن يفطر. قال: فإذا برئ -يعني شفيًا وزال عنه هذا المرض- وجب عليه قضاء الأيام، وجب عليه قضاء الأيام التي أفطرها، لقوله تعالى: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾، وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾، فالله عز وجل أجاز للمريض أن يفطر ويقضي أيامًا أخر. قال: والمرض الذي يرخص معه في الفطر هو المرض الذي يشق على المريض الصيام بسببه، مرض يشق على المريض الصيام، إذا صام شق عليه الصيام، أو تأخر الشفاء، أو زاد المرض، أو عنده دواء يتعارض مع الصيام، فهنا له أن يفطر. قال: أما المريض الذي لا يرجى برؤه -يعني لا يرجى شفاء- مرض مستعصٍ كأمراض السرطان والفشل الكلوي والكبد ونحوها من أمراض مستعصية، قال: أو العاجز عن الصيام عجزًا مستمرًا كالكبير -يعني الكبير في السن- الكبير في السن عنده عاقل لكن يشق عليه الصيام، ما يتحمل الصيام. قال: فإنه يفطر ولا يجب عليه القضاء، يفطر ولا يجب عليه القضاء، وإنما تلزمه فدية بأن يطعم عن كل يوم مسكينًا؛ لأن الله عز وجل جعل الإطعام معادلًا للصيام حين كان التخيير بينهما -يعني بين أن يفطر ويطعم وبين أن يصوم- إذن جعل بدل الصيام ماذا؟ الإطعام، جعل بدل الصيام الإطعام، فمن تطوع خيرًا فهو خير له، وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون. وقبل ذلك قال: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾، فمن تطوع خيرًا فهو خير له، وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون. كان الصيام في أول أمره على جهة التخيير، من شاء صام، ومن شاء أفطر وأطعم عن كل يوم مسكينًا. فإذا كان الكبير في السن ما يستطيع الصيام، ما يتحمل الصيام ويشق عليه الصيام، فماذا عليه؟ نلزمه بالقضاء؟ هو ما يستطيع الصيام أصلا ما يتحمل الصيام، أو نقول: ما عليك شيء، لا قضاء ولا إطعام، لا، نقول: الله عز وجل جعل بدل الصيام الإطعام في أول الأمر، إذن يلزمك الإطعام، وبهذا قال ابن عباس رضي الله عنهما، وبه قال جمهور أهل العلم: أنه يطعم عن كل يوم مسكينًا. وألحق العلماء المريض مرضًا لا يرجى برؤه بالكبير في السن؛ لأنه مثله، المريض مرضًا لا يرجى برؤه ما يستطيع أن يصوم، ما يتحمل الصيام، فيكون حكمه حكم الكبير الذي ما يستطيع الصيام، فإنه يفطر ويطعم عن كل يوم مسكينًا. قال: لأن الله جل عز وجل جعل الإطعام معادلًا للصيام حين كان التخيير بينهما في أول ما فرض الصيام، فتعين أن يكون بدلًا عنه عند العذر -يعني يكون الإطعام بدلًا عن الصيام عند وجود العذر وعدم إمكان الصيام-. يقول الإمام البخاري رحمه الله: وأما الشيخ الكبير إذا لم يطق الصيام، فقد أطعم أنس بعدما كبر عامًا أو عامين عن كل يوم مسكينًا. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: في الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما، فليطعم مكان كل يوم مسكينًا. هذا الآن أثر عن ابن عباس في حق الكبير في السن، الشيخ الكبير والمرأة العجوز إذا لم يستطيعا الصيام، أنهما يفطران ويطعمان، وهكذا أيضًا أثر أنس من فعله، أنه لما كبر كان يفطر ثم يطعم، ماذا؟ عن كل يوم مسكينًا، فعل ذلك عامًا أو عامين، أطعم عن كل يوم مسكينًا بدل الصيام. قال: فيطعم العاجز عن الصيام عجزًا لا يرجى زواله -بمرض كان أو كبر- عن كل يوم مسكينًا نصف صاع من بر أو تمر أو أرز أو نحوها من قوت البلد -يعني مما يقتاته ويأكل أهل البلد- ومقدار الصاع كيلوان وربع تقريبًا، فيكون الإطعام عن كل يوم كيلو جرام ومئة وخمسة وعشرين جرامًا، مئة وخمسة وعشرين جرامًا تقريبًا، هذا على القول بأن الصاع كيلوان وربع، وإذا قيل: بأنه كيلوان ونصف، فيكون النصف، الصاع كيلو وربع من الأرز أو التمر أو البر يخرجه عن كل يوم، ويطعم به مسكينًا. وله كذلك أن يطعم طعامًا جاهزًا إذا أراد أن يطعم طعامًا جاهزًا، ولعل هذا قد يكون أفضل وأنفع، يجهز طعامًا مثلًا ويدعو في كل يوم مسكينًا، أو يجعلهم مثلًا في آخر الشهر يدعو ثلاثين مسكينًا فيطعهم، أو يطعم مثلًا بعد كل عشرة أيام عشرة مساكين ونحو ذلك، إذا أراد أن يفعل مثل ذلك، ما فعل أنس رضي الله عنه، أو أراد أن يخرج عن كل يوم كيلو وربع مثلًا أو كيلو ونصف، فلا بأس، يخرج رزًا أو تمرًا أو برًا أو نحو ذلك مما يقتاته أهل البلد. قال: هذا، وإن صام المريض صح صيامه وأجزأه، يعني إذا تكلف المريض تكلف الصيام فصام وهو مريض، صح صومه، صح صومه بقول جمهور أهل العلم. طيب؛ لأن الفطر رخصة في حقه، فإذا تركها وأحب أن يصوم ويتكلف الصيام فصام، فصومه صحيح، نكتب بهذا. صلى الله عليه وسلم عن أبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.