كتاب الصيام 6

الدرس في كتاب الصيام 6، ألقاها

الأعذار المبيحة للفطر في رمضان

يشرح هذا الفصل الأعذار التي تبيح الفطر في رمضان، مركزاً على السفر كعذر مباح للفطر، ويبين شروطه وضوابطه. يُحدد السفر بمسافة معينة أو بالعرف السائد.

حكم الفطر والصيام في السفر المباح

يناقش هذا الفصل حكم الفطر والصيام للمسافر في سفر مباح، ويبين أن الأمر راجع إلى ما هو الأرفق بالمسافر، مع توضيح أن الفطر أفضل إذا شق الصوم. كما يشير إلى اختلاف العلماء في الأفضل بين الصوم والفطر.

تتمة الكلام عن صيام المسافر وحالات خاصة

يختتم هذا الفصل بالحديث عن جواز الصيام للمسافر إذا لم يشق عليه، وعن حالة من لا يميز بين الصوم والفطر، حيث يُفضل له الصيام. كما يتضمن دعاء للنبي وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فأولا نحمد الله جل وعلا الذي بلغنا شهر رمضان المبارك، ونسأله سبحانه وتعالى أن يعيننا على صيام نهاره وقيام ليله، ويجعله شهر خير وبركة ومغفرة ورحمة، وشهر نصر للإسلام والمسلمين. قال المؤلف -فقه الله- في ذكره في الأعذار المبيحة للفطر: قال الثاني: السفر. ذكر في العذر الأول المرض والكبر، إذا كان الإنسان مريضا مرضا يشق معه الصيام، فإنه يباح له الفطر بقول الله جل وعلا: ﴿من كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر﴾. إذا كان هذا المرض مما يرجى برؤه وشفاؤه، فإنه يفطر ثم يقضي أيام أخر. وأما إن كان المرض مرضا مستعصيا لا يرجى شفاؤه، فإنه يفطر ويطعم عن كل يوم مسكين. وهكذا الكبير في السن، الشيخ الكبير والمرأة العجوز، الذان يشق عليهما الصيام، فإنهما يفطران ويطعمان عن كل يوم مسكين نصف صاع من بر أو رز أو غير ذلك من الطعام، أو يطعم طعاما جاهزا عن كل يوم مسكينا. قال الثاني: السفر. قال: فيباح للمسافر الفطر في رمضان، ويجب عليه القضاء، بقوله تعالى: ﴿فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر﴾، وقوله تعالى: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر﴾، ولقوله صلى الله عليه وسلم لمن سأله عن الصيام في السفر: «إن شئت فصم وإن شئت فأفطر». والحديث في البخاري. قال: وخرج إلى مكة صائما في رمضان، فلما بلغ الكديد أفطر، فأفطر الناس. وهذا أيضا في صحيح الإمام البخاري. قالوا: يباح الفطر في السفر الطويل الذي يباح فيه قصر الصلاة، وهو ما يقدر بثمانية وأربعين ميلا، أي حوالي ثمانين كيلو مترا. السفر عذر من الأعذار التي يباح بسببه الفطر، إذا سافر الإنسان سفرا تقصر فيه الصلاة، سواء على القول بأنه ما يحدد بنحو ثمانين كيلو على قول الجمهور، أو على القول بتحديد السفر بالعرف، بما عد في العرف أنه سفر ولو كان أقل من هذه المسافة، فإنه يترخص برخص السفر من قصر الصلاة ومن الفطر في رمضان، فيجوز للمسافر أن يفطر ثم يقضي أياماً أخر، لقول الله جل وعلا: ﴿فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر﴾. فأسقط الله جل وعلا وجوب الصيام عن المسافر، وجعل مقابله أن يقضي أياماً أخر. وهذا السفر سواء كان فيه تعب ومشقة أو ليس فيه تعب ومشقة، فيجوز له أن يترخص برخص السفر؛ لأن العلة في الترخص هو السفر نفسه، السفر نفسه هو علة للترخص برخص السفر من الفطر وقصر الصلاة. وأما المشقة فهي مظنة السفر، مظنة حصول المشقة، فقد لا تحصل، قد يسافر الإنسان في أريح المراكب، وسواء كانت المراكب برية أو كانت جوية، ولا يشعر بشيء من التعب والمشقة، ومع ذلك يباح له الفطر ما دام أنه مسافر. والنبي عليه الصلاة والسلام خرج إلى مكة صائما في رمضان، فلما بلغ موضعا يقال له الكديد أفطر، وأفطر الناس. قال: والسفر المبيح للفطر في رمضان هو السفر المباح، فإن كان السفر معصية أو سفرا يراد به التحايل على الفطر لم يبح له الفطر بهذا السفر. يقول: السفر المبيح للفطر في رمضان هو السفر المباح، يعني أن يسافر الإنسان في أمر مباح، يسافر لأجل علاج أو لأجل تجارة أو لأجل زيارة أو لأجل دراسة أو يسافر دعوة إلى الله أو غير ذلك من الأمور المباحة. أما إن كان سفر معصية، سافر لأجل معصية من المعاصي، فهذا لا يباح له أن يترخص برخص السفر من الفطر في رمضان أو قصر الصلاة. أو سافر تحايلا على الفطر، أراد أن يفطر فيقول: الفطر في حال الإقامة ما يجوز، إذا أسافر حتى أفطر، فيتحايل على الفطر عن طريق السفر، وهنا لا يباح له الفطر؛ لأن الحيل لا تبيح الحرام، بل تزيد المحرم حرمة. قال: وإن صام المسافر صح صومه وأجزأه، لحديث أنس رضي الله عنه: «كنا نسافر مع النبي صلى الله عليه وسلم فلم يعب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم». والحديث في البخاري. إذا أراد المسافر أن يصوم، نحن قلنا: الفطر في السفر رخصة، فإذا أراد المسافر أن يصوم، قال: أنا سأصوم في السفر، هل يجوز له ذلك؟ الجواب: نعم، يجوز له ذلك، خلافا لمن منع كالظاهرية، قالوا: لا يجوز له أن يصوم؛ لأن الله عز وجل قال: ﴿فعدة من أيام أخر﴾، لا بد من أيام أخر، وهذا خلاف الصواب. وجمهور أهل العلم على أنه يجوز للمسافر أن يصوم إذا أراد أن يصوم، فيباح له ذلك. وقول الله جل وعلا: ﴿فعدة من أيام أخر﴾، أي إذا أفطر، هذا على تقدير: إذا أفطر فمن كان منكم مريضا أو على سفر فأفطر فعدة من أيام أخر. أما إذا لم يفطر وصام وهو مسافر، صح صيامه. ودليل ذلك ما أخبر به صحابة رضوان الله عليهم من سفرهم مع النبي عليه الصلاة والسلام، فكان منهم الصائم ومنهم المفطر، فلم يعب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم، لا ينكر الصائم على المفطر ولا ينكر المفطر على الصائم، من شاء أصام ومن شاء أفطر، فيدل هذا على جواز أن يصوم المسافر في حال سفره. قال: ولكن بشرط أن لا يشق عليه الصوم في السفر، فإن شق عليه أو أضر به، فالفطر في حقه أفضل أخذا بالرخصة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم رأى في السفر رجلا صائما قد ظلل عليه من شدة الحر، وتجمع الناس حوله، فقال صلى الله عليه وسلم: «ليس من البر الصيام في السفر». والحديث في البخاري. فيجوز للمسافر أن يصوم في حال السفر، لكن بشرط أن لا يشق عليه الصيام، أن لا يشق عليه الصيام بحيث أنه يعني يتعبه تعبا شديدا حتى يكاد أن يهلك. وإذا كان كذلك فإنه لا يصوم، ليس الصوم في حقه من البر. النبي عليه الصلاة والسلام رأى رجلا في السفر قد ظلل عليه -يعني أغمي عليه أو سقط- من شدة تعب الصوم حتى التف الناس حوله، قال: ما له؟ قالوا: إنه صائم -يعني بسبب الصوم تعب- فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «ليس من البر الصيام في السفر». هذا قاله النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى حال هذا الرجل. فقوله: «ليس من البر الصيام في السفر»، أي: لمن كان حاله كحال هذا الرجل، لمن كان حاله كحال هذا الرجل يتعبه الصوم ويشق عليه مشقة عظيمة، فليس الصوم في السفر من البر والطاعة. وليس المراد أنه ليس من الطاعة على جهة العموم، كما سدل به بعض أهل العلم، هذا خطأ. إنما المراد لمن كان حاله كحال هذا الرجل الذي شق عليه الصيام مشقة عظيمة، فليس الصوم في السفر في حقه من البر، ليس من البر والطاعة، بل الذي ينبغي أن يفطر إذا كان سيشق عليه الصيام مشقة عظيمة. واختلف أهل العلم أيهما أفضل في حق المسافر: أن يصوم أو أن يفطر؟ منهم من قال: الأفضل أن يفطر أخذا بالرخصة، ومنهم من قال: الأفضل أن يصوم أخذا بالعزيمة، ومنهم من قال: ينظر إلى الأرفق له والأيسر عليه. والذي يظهر -والله أعلم- أنه إذا كان الصوم والفطر عنده سواء، فالأفضل أن يصوم؛ لأجل هذه الأمور. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.

شاركنا على