كتاب الصيام 4

الدرس في كتاب الصيام 4، ألقاها

شروط وجوب الصيام وأحكامه العامة

يشترط لوجوب الصيام الإسلام والبلوغ والعقل والصحة والإقامة. يُشرح كل شرط مع الاستدلال بالقرآن والسنة.

أحكام الحائض والنفساء في رمضان

لا يجب على الحائض والنفساء الصيام بل يحرم، ويجب القضاء بعد رمضان. يُستدل بحديث النبي وقول عائشة.

ثبوت دخول شهر رمضان وانقضائه وإكمال العدة

يثبت دخول رمضان برؤية الهلال أو بشهادة مسلم عدل، وانقضاؤه برؤية هلال شوال أو إكمال ثلاثين يومًا.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المؤلف -رحمه الله- في ذكر وجوب صيام رمضان أو شروط وجوب الصيام، أخذنا الشرط الأول وهو الإسلام، والشرط الثاني وهو البلوغ، قال: الثالث العقل، فلا يجب الصيام على المجنون والمعتوه، والمعتوه يعني المخرف، لقوله صلى الله عليه وسلم: «رفع القلم عن ثلاثة، فذكر منهم المجنون حتى يفيق». العقل يشترط في صحة الصيام أو في وجوب الصيام؛ لأنه مناط التكليف، مناط التكليف بالعقل، فإذا كان الإنسان مجنونًا لا عقل له، فلا يفهم، لا يفهم خطاب الشرع بالأمر بالصيام أو بالصلاة أو بغيرها من الفرائض والواجبات، فلذلك لا يكلف، لا يكون مكلفًا وملزمًا بفعلها. فالمجنون لا يجب الصيام عليه، لا يصام عنه، ولا يطعم؛ لأنه لا يجب الصوم في حقه. ومثله المعتوه يعني المخرف، إذا كبر الإنسان في السن وصار يخرف، أو حصل له حادث وفقد عقله، فإنه كذلك يكون في حكم المجنون، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «رفع القلم عن ثلاثة، وذكر منهم المجنون حتى يفيق». وإذا كان جنونه أحيانًا يجن وأحيانًا يعقل، ففي حال عقله يجب عليه الصيام إذا كان يمكن أن يصوم. وأما إذا كان جنونه أكثر أو مستمرًا، أو مثلًا يجن طول النهار، يجن من قبل الفجر إلى غروب الشمس، هذا ما يصح صومه، ولا يجب عليه الصيام. بخلاف ما لو جن في أثناء النهار شيء يسير ثم أفاق، هنا يصح صومه. طيب كيف إذا كان حال سكره، يعني قد صار طافحًا زال عقله بالسكر، لا ما يقتل، لكن يدفع الدية، الدية؛ لأن زوال العقل من وانع التكليف، لكن يضمن هذا الاعتداء بالدية. قال: رابعًا الصحة، فمن كان مريضا لا يطيق الصيام لم يجب عليه، وإن صام صح صيامه، لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾. فإن زال المرض وجب عليه قضاء ما أفطره من أيام. من شروط وجوب الصيام الصحة، أن يكون الإنسان صحيح البدن، يستطيع أن يصوم، فهنا يجب عليه الصيام. وخرج بعدم الصحة المرض، إذا كان مريضًا لا يستطيع أن يصوم، وهذا المرض ينقسم إلى قسمين: مرض عارض يرجى شفاؤه وبرؤه، فهذا يفطر، ولا يجب عليه الصيام، لكن عليه القضاء إذا شفي وعوفي يقضي ما أفطره من أيام. ومرض لا يرجى شفاؤه، مرض مستعصٍ كمرض الكلى مثلا أو الكبد أو السرطان أو نحوها من هذه الأمراض المستعصية، فهنا يفطر ويطعم عن كل يوم مسكينًا؛ لقول الله جل وعلا: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾. فالله عز وجل أسقط الصوم عن المريض، وهذا المرض الذي يفطر بسببه الإنسان إذا كان مرضًا يشق معه الصيام. أما إذا كان المرض يسيرًا، شيء يسير، يعني وجع أصبع، ألم خفيف في الرأس، أو شيء من ذلك، مثل هذا ما يفطر. لكن إذا كان مرضًا فيه مشقة يشق معه الصيام، كالحمى الشديدة أو نحو ذلك من الأمراض، فله أن يفطر. قال: خامسًا الإقامة، فلا يجب الصوم على المسافر، لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ الآية. فلو صام المسافر صح صيامه، ويجب عليه قضاء ما أفطره في السفر. الإقامة كذلك من شروط وجوب الصيام، أن يكون الإنسان مقيمًا غير مسافر، فإن كان مسافرًا لأي سفر، سواء كان سفر تجارة أو سفر جهاد أو سفر طلب علم أو سفر دراسة أو غير ذلك من أنواع الأسفار التي يسافر لها الإنسان، فإنه لا يجب عليه الصيام؛ لقول الله جل وعلا: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾. فأسقط الله جل وعلا الصوم عن المسافر؛ وذلك لأن السفر مظنة المشقة. فإذا صام المسافر صح صيامه، لو قال: أنا سأصوم، أستغل فضل هذا الشهر وأصوم، فصام، فصومه صحيح، خلافًا للظاهرية، الظاهرية قالوا: لا، ما يصح صومه؛ لأن الله قال: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾، لا بد من أيام أخرى. وإذا صام وهو مسافر قدم الصوم قبل وقته، وهذا ليس بصحيح. فقول الله جل وعلا: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ أي إذا أفطر، كما قال جمهور أهل العلم: هناك تقدير في قوله جل وعلا: ﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ﴾ أي فأفطر فعدة من أيام أخر. أما إذا لم يفطر، صام وهو مريض مثلًا، تكلف الصيام، هو مريض وصام، صومه صحيح. أو صامه مسافر كذلك فصومه صحيح، لكن من حيث الوجوب لا يجب عليه من حيث الوجوب، لا يجب عليه الصيام إذا كان مسافرًا. واختلف أهل العلم في سفر المعصية، إذا سافر لمعصية هل يجوز له أن يفطر؟ فمن أهل العلم من قال: لا يجوز؛ لأنه لا يستعان بالرخص على المعاصي. ومنهم من قال: له أن يفطر؛ لأن السفر علّة للترخص، السفر علّة للترخص، فيفطر وهو آثم على السفر المعصية، ونيته لفعل المعصية. أما كونه يترخص فهذه رخصة من الشارع لمن سافر أن يترخص، يرخص السفر. والقول الثاني أقرب للصواب، فهو آثم على سفره للمعصية، وأما كونه يترخص برخص السفر من الفطر أو قصر الصلاة أو نحوها، فهذه متعلقة بالسفر، هذه الأحكام علقها الشرع بالسفر، فإذا سافر له أن يترخص برخص السفر. قال: سادسًا الخلو من الحيض والنفاس، فالحائض والنفساء لا يجب عليهما الصيام، بل يحرم عليهما؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «أليس إذا حاضت لم تصلي ولم تصم؟ فذلك من نقصان دينها». ويجب القضاء عليهما؛ لقول عائشة رضي الله عنها: «كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة». الحائض والنفساء لا يجب عليهما الصيام إذا جاء رمضان والمرأة حائض، أتت العادة الشهرية، فلا يجب عليها أن تصوم. أو كانت نفساء ولدت، فإنها لا يجب عليها الصيام إذا كان يخرج منها دم النفاس، فلا يجب عليهما الصيام، بل يحرم عليهما، لو قالت: أنا سأصوم، نقول لها: ما يجوز لك أن تصومي. وإذا صامت فهي آثمة، لا يجوز لها أن تصوم وهي حائض أو نفساء؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أليس إذا حاضت لم تصلي ولم تصم؟ فذلك من نقصان دينها». يعني ما قال عليه الصلاة والسلام: «ما رأيت من نقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن». فقالت امرأة: يا رسول الله، ما نقصان ديننا؟ قال: «أليس إذا حاضت لم تصلي ولم تصم؟». وجاء في رواية أخرى قال: «أما نقصان دينها، أما نقصان عقلها فشهادة المرأة بنصف شهادة الرجل، وأما نقصان دينها فإنها إذا حاضت لم تصلي ولم تصم». والحديث جاء من حديث أبي سعيد، وجاء من حديث ابن عمر، فالنبي صلى الله عليه وسلم أخبر بأن الحائض لا تصلي ولا تصوم. ويجب القضاء عليهما؛ يجب على الحائض والنفساء القضاء؛ لأن الفطر واجب عليهما، فلابد أن تقضي هذه الأيام بعد رمضان، تقضي ما أفطرته من أيام؛ لقول عائشة رضي الله عنها: «كان يصيبنا ذلك -يعني في عهد النبي عليه الصلاة والسلام- أن المرأة تحيض أو يأتيها النفاس فتفطر». قالت: «فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة». وهذا لما سألتها امرأة، قالت: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ قالت: «أحرورية أنت؟» -يعني من أهل حروراء، قوم الخوارج-؛ لأنهم كانوا يلزمون الحائض بقضاء الصلاة. قالت: «أحرورية أنت؟» قالت: لا، ولكني أسأل. قالت: «كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة». فالحائض تقضي الصيام ولا تقضي الصلاة، وهذا من حكمة الشرع؛ لأن قضاء الصوم ليس فيه مشقة شديدة، بخلاف قضاء الصلاة، فيه مشقة شديدة، فأسقط الشرع قضاء الصلاة وألزم بقضاء الصوم لخفته ولعدم وجود المشقة فيه. فإذا لا يجوز للحائض أن تصوم. قال: مسألة السادسة: ثبوت دخول شهر رمضان وانقضائه. قال: يثبت دخول شهر رمضان برؤية الهلال بنفسه أو بشهادة غيره على رؤيته أو إخباره بذلك. قال: فإذا شهد مسلم عدل برؤية هلال رمضان، ثبت بهذه الشهادة دخول شهر رمضان؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾، ولقوله صلى الله عليه وسلم: «إذا رأيتموه فصوموا». والحديث في الصحيحين. ولحديث ابن عمر رضي الله عنهما: «أخبرت النبي صلى الله عليه وسلم برؤية رمضان فصامه وأمر الناس بصيامه». والحديث رواه أبو داود والحاكم. قال: فإن لم ير الهلال أو لم يشهد مسلم عدل برؤيته، وجب إكمال عدة شعبان ثلاثين يومًا. ولا يثبت دخول الشهر بغير هذين الأمرين: رؤية الهلال أو إتمام شعبان ثلاثين يومًا؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غبي عليكم -وفي بعض الروايات: غُمِّي- يعني بمعنى غطي وخفي، فلم ير، فأكملوا عدة شعبان ثلاثين». والحديث في الصحيحين. ويثبت القضاء -رمضان- برؤية هلال شهر شوال بشهادة مسلمين عدلين. فإن لم يشهد مسلمان عدلان برؤية الهلال، وجب إكمال عدة رمضان ثلاثين يومًا. إذن ثبوت دخول الشهر يكون برؤية الهلال، يعني عندنا أمران يثبت بهما دخول الشهر: الرؤية، رؤية الهلال، أو إكمال عدة شعبان ثلاثين. رؤية الهلال المراد بالرؤية: رؤية البصر، أن يرى ببصر العين، سواء كانت رؤية مجردة مباشرة من العين يرى الهلال، أو يكون باستخدام بعض الآلات المقربة للبعيد، فهذا أيضًا يعتبر من رؤية البصر؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا رأيتموه فصوموا». فعلق النبي صلى الله عليه وسلم الصيام بالرؤية. وحينئذ لا عبرة بالحساب، إذا قال أهل الفلك: إن أول ليلة من رمضان ليلة كذا وكذا، ما يعتبر بذلك إلا إذا وافق رؤية الهلال. فالعبرة بالرؤية، إذا لم ترَ لم ير الهلال في تلك الليلة، ليلة الثلاثين، فإنه يكمل عدة شعبان ثلاثين يومًا، ولا يؤخذ بقول أهل الحساب. فرؤية الهلال إما بنفسه أن يرى الإنسان بنفسه يرى الهلال بنفسه، أو بشهادة غيره. ويكفي في ذلك رؤية المسلم العدل الواحد، إذا رآه بنفسه وأخبر أنه رآه، قبلت شهادته برؤية الهلال؛ لحديث ابن عمر قال: «تراءى الناس الهلال فأخبرت النبي صلى الله عليه وسلم أني رأيته فصام وأمر الناس بصيامه». قال: أو إخباره بذلك، يعني إذا أخبر بأن رمضان قد دخل، إذا أخبره العدل بأن رمضان قد دخل، فإنه يقبل قوله ويصوم بذلك. فإذا لم ير الهلال، فإنه يكمل عدة شعبان ثلاثين يومًا، إذا لم ير الهلال ليلة الثلاثين من شعبان، فإنه يكمل عدة شعبان ثلاثين يومًا، ثم يكون أول يوم بعد الثلاثين هو أول يوم من رمضان؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غبي عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين» -أي ثلاثين يومًا-. طيب وانقضاء رمضان يثبت برؤية هلال شوال، شاهدان مسلمان، يعني لابد في خروج الشهر من شهادة مسلمين عدلين. وأما في دخول رمضان فيختلف برؤية العدل المسلم الواحد. ودليل ذلك إثبات دخول رمضان برؤية المسلم العدل، حيث ابن عمر أنه رأى الهلال فقبله النبي صلى الله عليه وسلم وأمر الناس بالصيام. وأما في خروج رمضان فلعموم قوله عليه الصلاة والسلام: «فإن شهد شاهدان فصوموا وأفطروا». يعني يدل على أن الفطر لا بد فيه من شهادة شاهدين. وكذلك أيضًا في الصيام، لكن استثنى وخص هذا العموم بحديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قبل شهادته، فيدل ذلك على أنه يقبل في الصيام شهادة العدل المسلم، ويبقى العموم والإلزام بشهادة العدلين في خروج رمضان. قال: فإن لم يشهد مسلمان عدلان برؤية الهلال -أي هلال شوال- وجب إكمال عدة رمضان ثلاثين يومًا. يعني في اليوم التاسع والعشرين من رمضان، ليلة الثلاثين، هنا ينظر ويرى الهلال، إذا رؤي هلال شوال، حينئذ يكون رمضان قد خرج، خرج الساعة التاسع والعشرين، برؤية العدلين المسلمين. إذا لم يراه اثنان، نكمل رمضان ثلاثين، ثم يكون بعده أول يوم هو أول يوم من شوال. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

شاركنا على