الدرس في التعليق على مذكرة أحكام الصيام 35، ألقاها
يعلم رمضان المسلمين الصبر وتحمل الأذى، حيث يصبرون على الجوع والعطش وترك المحرمات. كما يتعلمون من النبي صلى الله عليه وسلم تحمل أذى الناس أثناء الصيام.
يبرز المقطع أهمية الجود والكرم وقيام الليل في رمضان، حيث كان النبي صلى الله عليه وسلم يزداد جوده في هذا الشهر. كما يشير إلى أهمية الإخلاص وتلاوة القرآن.
يتناول المقطع عددًا من الدروس منها إطعام الطعام وتفطير الصائمين، والدعاء في حال الصيام، والاعتكاف في العشر الأواخر، وتحقيق تقوى الله، والزهد في المعيشة. يُستدل على هذه الدروس بأحاديث نبوية وآيات قرآنية.
يشير المقطع الأخير إلى أهمية الزهد والتقشف في الإسلام، مستدلاً بحديث "البذاذة من الإيمان". وقد حث النبي صلى الله عليه وسلم على ترك التنعم والزهد في الحياة.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله: الدرس الثاني والعشرون، رمضان مدرسة متكاملة. قال: ما يتعلمه المسلم من شهر رمضان، أولًا: رمضان يعلم الصبر، وهو شهر الصبر، كما رواه البزار عن ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعًا، أي سماه النبي صلى الله عليه وسلم بشهر الصبر، قال: «شهر الصبر، صيام شهر الصبر، وثلاثة أيام من كل شهر، تذهب وحر الصدر». فرمضان يعلم الإنسان الصبر، وهو يصبر على الجوع، ويصبر على العطش، ويصبر على ترك المباحات من الأكل والشرب، وكذلك يصبر على ترك المحرمات والمعاصي والذنوب، ويصبر على أذكار الله جل وعلا، فيعلم الصيام الإنسان الصبر بجميع أنواعه وأقسامه. قال ثانيًا: رمضان يعلم تحمل أذى الناس، قال: «فإن سابه أحد أو قاتله، فليقل: إني صائم»، متفق عليه عن أبي هريرة رضي الله عنه. أن رمضان يعلم تحمل أذى الناس، أي يعلم المسلم أن يتحمل أذى الناس، وذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام علمنا وأدبنا أنه إن أخطأ عليك أحد وأنت صائم، فسبك أو شتمك أو عيرك أو أراد أن يضاربك ويقاتلك، فتقول: «إني صائم»، ما تواجهه ولا تقابله بمثل فعله، بل تقول: «إني صائم»، وتتحمل ما أراد أن يؤذيك به، فتجعل من خلقك التحمل، ولو كان ذلك بعد رمضان. قال ثالثًا: رمضان يعلم النظام، أي التقيّد بمواعيد الإمساك والإفطار، يعلم الإنسان أن يكون منتظمًا في أموره، فعنده وقت يمسك فيه عن الطعام والشراب، وذلك عند طلوع الفجر، وعنده وقت يفطر فيه، وذلك عند غروب الشمس، فيكون ماذا؟ الإنسان عنده نظام في أعماله وفي أموره، فيتعود على النظام، كما أنه تعود عليه في رمضان في الإمساك وفي الإفطار، كذلك أيضًا يتعلم عليه في سائر أوقاته وأحواله، يكون عنده نظام في أداء الصلاة، يصليها في وقتها الذي حدده الشرع في بيوت الله جل وعلا، في أعماله يجعل له نظامًا في ابتداء العمل وانتهاء العمل، وهكذا في سائر أموره. قال رابعًا: رمضان يعلم الاجتهاد في العبادة، قال: «كان يجتهد في العشر ما لا يجتهد في غيرها»، روى مسلم عن عائشة رضي الله عنها. فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يجتهد في العشر، أي الأواخر من رمضان، ما لا يجتهد في غيرها، مع أنه يجتهد في أوائل رمضان، يجتهد في أول رمضان ما لا يجتهد في غيره من الشهور، ثم إذا دخل العشر ازداد اجتهاده في الطاعة والعبادة، فيتعلم المسلم من ذلك الاجتهاد في العبادة أن يكون مجتهدًا في العبادة، في الصيام، وفي الصلاة، وفي تلاوة القرآن، وفي طلب العلم، وفي غيرها من أبواب البر والإحسان. قال خامسًا: رمضان يعلم الكرم والجود والسخاء، «وكان أجود ما يكون في رمضان»، متفق عليه عن ابن عباس رضي الله عنهما، أي النبي عليه الصلاة والسلام أجود الناس، وأجود ما يكون في رمضان، أجود الناس في جميع أعمال البر والإحسان، أجود الناس في الصدقة، وأجود الناس في الصلاة، أجود الناس في الصيام، أجود الناس في قراءة القرآن، في قيام الليل، في سائر الأعمال الصالحة، كان عليه الصلاة والسلام أجود الناس، ويزداد جوده في هذا الشهر المبارك، فيتعلم المسلم من هذا الشهر الجود والكرم والسخاء والعطاء والإنفاق والإقبال على أعمال البر والإحسان. قال سادسًا: رمضان يعلم قيام الليل، «من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه»، متفق عليه عن أبي هريرة رضي الله عنه. فالمسلم في شهر رمضان يقوم لياليه، يعني من أول رمضان إلى آخره، يقوم تسعة وعشرين يومًا أو ثلاثين يومًا، يقومها لله جل وعلا، فيصلي يعني ما يتيسر من الصلوات، فيتعود على هذه العبادة العظيمة وهذه العبادة المباركة التي هي عبادة الصالحين والأنبياء. قال سابعًا: رمضان يعلم الصيام، «من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه»، متفق عليه عن أبي هريرة رضي الله عنه. فرمضان يعلم الصيام، أنت تصوم شهرًا كاملًا، تصوم شهرًا كاملًا إيمانًا بفرضيته ووجوبه، واحتسابًا للأجر والثواب، فتتعلم من هذا الشهر عبادة الصيام، فتجعل لك نصيبًا من هذه العبادة بعد رمضان، فتصوم الست من شوال، أو الاثنين والخميس، أو ثلاثة أيام من كل شهر، أو نحو ذلك من الأيام الفاضلة كعرفة وعاشوراء، فتتعود على هذه العبادة والطاعة. قال ثامنًا: رمضان يعلم الإخلاص، «من صام رمضان، ومن قام رمضان، ومن قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه»، متفق عليه عن أبي هريرة رضي الله عنه. نعم، رمضان يعلم الإخلاص، النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من صام رمضان»، وقال: «من قام رمضان»، وقال: «من قام ليلة القدر»، «إيمانًا واحتسابًا»، إيمانًا بفرضيته ووجوبه ومشروعيته واستحبابه، يعني فرضية صيام رمضان، واستحباب قيام الليل، وقيام ليلة القدر، واحتسابًا للأجر والثواب، وهذا هو الشاهد في الدلالة على الإخلاص، أنك تصوم احتسابًا، ما تصوم رياءً ولا عادةً، ولا يعني تصوم متابعة للناس، بل تصوم قربة وطاعة وإرادة للأجر والثواب من الله سبحانه وتعالى. قال التاسع: رمضان يعلم قراءة القرآن، «كان جبريل عليه السلام يدارس النبي صلى الله عليه وسلم القرآن في كل ليلة من رمضان». نعم، فرمضان يعلم قراءة القرآن، وهو شهر القرآن الذي أنزله الله جل وعلا فيه، وكان جبريل عليه السلام يدارس النبي صلى الله عليه وسلم القرآن في كل ليلة، يعرض النبي صلى الله عليه وسلم عليه القرآن، يقرأ عليه كتاب الله جل وعلا، فهذا يعني يحثنا على تعلم القرآن ودراسة كتاب الله جل وعلا، سواء ما يتعلق بتلاوته وقراءته، أو ما يتعلق بتفسيره ومعرفة معانيه. قال عاشرًا: رمضان يعلم إطعام الطعام، «من فطر صائمًا فله مثل أجره»، أخرجه أحمد والترمذي ومن ماجه من حديث زيد بن خالد. من فطر صائمًا فله مثل أجره، هكذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم، من فطر صائمًا فله مثل أجره، غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيء، وهذا حث وترغيب على إطعام الطعام وتفطير الصائمين، من الأعمال المباركة التي يجد فيها العبد الأجر العظيم في مثل هذا الشهر، فإنه ينال أجر الصائم، أجر هذا الصائم في صومه إذا فطره، نال مثل أجره. قال الحادي عشر: رمضان يعلم الدعاء، «ثلاث دعوات مستجابات: دعوة الصائم إلى آخره»، الحديث أخرجه البيهقي في الشعب من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، وصححه الإمام الألباني رحمه الله. فالصائم له دعوات مستجابة في حال صيامه، ثلاث دعوات مستجابات: دعوة الصائم، ودعوة المسافر، ودعوة المظلوم، فدعوة الصائم تستجاب، فهذا يعلم الصائم أن يدعو، أن يكثر من الدعاء، أن يكثر من الدعاء في حال صيامه، سواء كان ذلك في النهار أو كان في وسط النهار أو كان في قبل الغروب أو بعد الغروب، فيحرص الصائم على الإكثار من الدعاء. قال ثاني عشر: رمضان يعلم الاعتكاف، «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتكف العشر الأواخر من رمضان»، والحديث في الصحيحين من حديث عائشة وابن عمر رضي الله عنهم. فكان من هدي النبي صلى الله عليه وسلم أنه يعتكف في العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله جل وعلا، والاعتكاف مشروع في رمضان وغير رمضان، يشرع للإنسان أن يعتكف سواء كان في رمضان أو غير رمضان، لكن يستحب استحبابه في رمضان. قال ثالث عشر: رمضان يُعلم التقوى، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. نعم، فالحكمة من فرض الصيام هي تحقيق تقوى الله جل وعلا بفعل أوامره واجتناب نواهيه، فيتحقق ذلك بالصيام، بهذه العبادة العظيمة التي يترك فيها الإنسان الطعام والشراب ومشتهيات النفس، فيصيبه ما يصيبه من ألم الجوع والعطش، ويترك بسبب ذلك المعاصي والذنوب، إذا أنه ترك الأمور المباحة، فيؤدي ذلك إلى أنه يترك الأمور المحرمة، فيتحقق له تقوى الله جل وعلا بفعل أوامره واجتناب نواهيه. قال الرابع عشر: رمضان يعلم الزهد والتقشف، «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفطر على رطبات، فإن لم يجد فعلى تمرات، فإن لم يجد حسا حسوات من ماء»، أخرجه أحمد وأبو داود عن أنس رضي الله عنه، وحسنه العلامة الألباني رحمه الله. قال: رمضان يعلم الزهد والتقشف، النبي صلى الله عليه وسلم كان يفطر على رطبات، أي من فاكهة، فاكهة التمر الرطب، قبل أن يصلي، يعني تمرًا، فإن لم يجد أفطر على التمر، فإن لم يجد حسا حسوات من ماء، يعني شربة أو شربات من ماء، هكذا كان يفطر النبي عليه الصلاة والسلام. تعلم الزهد والتقشف أمر حسن، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «البذاذة من الإيمان»، «البذاذة من الإيمان»، والحديث في سنن أبي داود، البذاذة معنى التقشف، التقشف وترك التنعم، هذا من الإيمان. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.