الدرس في التعليق على مذكرة أحكام الصيام 51، ألقاها
تتناول الفتاوى مسائل متعلقة بالصيام مثل التعامل مع الأموال المتبقية من إفطار صائم والتهنئة بدخول رمضان. تشمل الفتاوى أيضاً حكم الصيام في بلد آخر إذا اختلف مع بلد الإقامة.
لا بأس بالإفطار جماعيا في رمضان إذا لم يعتقد أنه عبادة، واستدل بقول الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا﴾. يُحذر من اعتقاد أنه عبادة لتجنب البدعة.
لا يجوز فتح المطاعم في نهار رمضان سواء للكفار أو المسلمين؛ لما فيه من إعانة على ما حرم الله. يُشدَد على هذا الحكم لتحريم الإعانة على ما يُخالف أوامر الشرع ويؤذي المسلمين.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على سيد الخلق والمرسلين نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الشيخ محمد عبد الوهاب المصباحي رحمه الله في كتابه مذكرة في أحكام الصيام، الدرس الثامن والعشرون: فتاوى شرعية في الصيام والقيام. وهذه الفتاوى أكثرها أو جلها منقولة من فتاوى اللجنة الدائمة الأولى. قال: المبالغ المتبقية من حساب إفطار صائم لشهر رمضان للعام الماضي يبقى للعام القادم؛ لأن المتبرع بهذا المال خص به الصائم، فلا يجوز صرفه لغيره، ولأن مصرفه لم ينقطع ولم يتعطل، فيرصد له حتى حلول شهر رمضان القادم، فيصرف فيما عين له. هذه الفتاوى من اللجنة الدائمة في الأموال المتبقية من إفطار صائم، مثل أن شخصا أرسل مالا لتفطير الصائمين، فزاد هذا المال، بقي منه مال فائض، هذا المال يبقى إلى رمضان الثاني، ثم يصرف في نفس هذا المصرف في تفطير الصائمين، يشترى به طعاما ويفطر به الصائمون. قال في الفتوى الثانية: لا بأس بالتهنئة بدخول شهر رمضان؛ فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يبشر أصحابه بقدومه، ويقول: «قد أظلكم شهر كريم مبارك»، ويذكر لهم من فضائله، ويحثهم على اغتنامه. وبالله التوفيق. قال الشيخ رحمه الله: قوله «قد أظلكم شهر كريم مبارك» هذا قطع من حديث سلمان رضي الله عنه، وهو ضعيف. وانظر الحديث من فصل أحاديث الضعيفة، وانظر بدع رمضان. لكن صح أيضا عند الإمام أحمد وغيره، وصحح الشيخ الألباني رحمه الله في أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يهنئ أصحابه بقدوم رمضان. وإن كان هذا الحديث لا يصح، فالصحيح من أحاديث أخرى، وأيضا من فعل السلف رضي الله تعالى عنهم. قال ثالثا: من أكمل صوم شهر رمضان في بلد وأفطر معهم، وكان الإفطار بحكم شرعي، ثم سافر إلى بلد آخر ووجدهم لم يفطروا بسبب تأخر بداية الشهر في نظرهم، فإنه يستمر مفطرا، ولا يصوم معهم؛ لأن حكمه في هذه الحالة حكم البلد الذي جاء منه، حيث كان إفطاره بحكم شرعي. لكن لا يتظاهر بالإفطار أمامهم خشية الفتنة. وبالله التوفيق. يعني هذا الآن: شخص صام في بلد، ثم أفطر -يعني انتهى شهر رمضان وأفطر في أول يوم من شوال- ثم سافر في هذا اليوم إلى بلد آخر، وإذا بهم ما زالوا صائمين، لم ينتهوا من صيام رمضان، كانوا مثلا في آخر يوم من رمضان. هل يلزمه أن يصوم معهم، أو أنه يعتبر مفطرا لأنه أفطر في بلده بإذن من الشرع؟ فالفتوى أنه يكون مفطرا؛ لأنه أفطر في بلده وقد تم صيام الشهر، صام رمضان كاملا. لكنه لا يظهر الإفطار، لا يظهر الفطر أمام الناس حتى لا يكون ذلك سببا للفتنة، فيأكل ويشرب سرا، ثم إذا أفطر الناس أفطر معهم. قال رابعا: من نام وهو لا يعلم بدخول شهر رمضان، ولم يستيقظ إلا في النهار، وقد ثبت دخول الشهر، فإنه يجب عليه الإمساك بقية اليوم، ويقضيه بعد رمضان. وبالله التوفيق. من نام وهو لا يعلم بدخول شهر رمضان، وهذا يكون في ليلة الشك كليلة الثلاثين، نام وهو لا يعلم هل غدا أول يوم من رمضان أو يوم الثلاثين من شعبان، فاستيقظ في النهار، وأذن الناس صائمين، وهذا اليوم هو أول أيام رمضان. فيقول: يجب عليه الإمساك، يمسك هذا اليوم، ثم يقضيه بعد رمضان. لماذا؟ لأنه لم ينو صيامه، ولم يبيت النية من الليل. فعليه الإمساك إمساك هذا اليوم، ثم قضاؤه بعد ذلك. وهذا القول بالإمساك والقضاء هو قول جمهور أهل العلم. لكن لو أنه علق النية، لو علق النية فيعينها في قلبه: إن كان غدا من رمضان فهو صائم، وإن لم يكن من رمضان فهو مفطر. ثم لما أصبح علم أن هذا اليوم هو أول أيام رمضان، فهنا يصوم، وليس عليه قضاء. يصوم هذا اليوم، ويصح صيامه، وليس عليه قضاء؛ لأنه قد نوى، علق النية في الليل: إن كان هذا اليوم من رمضان فهو صائم. فحينئذ يصح صيامه، ولا يلزمه القضاء. قال خامسا: الأكمل في حق الصائم أن يفطر على تمرات، ثم يؤخر تناول الطعام إلى بعد صلاة المغرب؛ حتى يجمع بين سنة تعجيل الفطر، وصلاة المغرب في أول وقتها في الجماعة، اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم. يقول: الأكمل في حق الصائم أن يفطر على تمرات -يعني يدرك الطعام ويفطر على التمر، التمر والماء- حتى يدرك صلاة الجماعة، خاصة من كان في بيته، إذا أفطر في بيته فإنه يفطر على التمر حتى يدرك صلاة الجماعة في المسجد، ويؤخر تناول الطعام إلى بعد المغرب. هذا الفعل يجمع بين سنة تعجيل الفطر، وكذلك أيضا بين إدراك صلاة المغرب في جماعة في بيوت الله جل وعلا، فيكون بذلك مقتديا بالنبي عليه الصلاة والسلام. وهو أيضا من ناحية صحية أفضل؛ من ناحية صحية أفضل أن يفطر الإنسان على التمر؛ لأنه شيء من الطعام الخفيف. لأن المعدة عندما تكون متوقفة طول النهار، فيأتي الإنسان فيفطر على طعام ثقيل، هذا مما يتعب المعدة. لكن إذا أفطر بشيء يسير، شيء من التمر، والتمر جيد ونافع للمعدة؛ لأن الصائم في صيام يفقد نسبة كبيرة من السكر، ويبس الكبد. فإذا أفطر بالتمر أعاد نشاطها بما تجده من الكميات الكثيرة من السكر في التمر، فتستعيد الكبد نشاطها، وتنتفع بهذا الطعام. وكذلك أيضا إذا كان الطعام قليلا -يعني شيء خفيف مع التمر- هذا أيضا لا يثقل المعدة، بخلاف الطعام الكثير. قال سادسا: الإفطار الجماعي. قال: لا بأس بالإفطار جماعيا في رمضان، وفي غيره، ما لم يعتقد هذا الاجتماع عبادة. بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا﴾. لكن إن خيف بالإفطار جماعيا في النافلة الرياء والسمعة لتمييز الصائمين عن غيرهم، كره لهم ذلك. وبالله التوفيق. هذه الفتوى في جواز الإفطار جماعيا في رمضان، وفي غيره -يعني يجتمع الصائمون ويفطرون مع بعض- لا بأس بهذا؛ لقول الله جل وعلا: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا﴾ هذا مباح. قال: ما لم يعتقد هذا الاجتماع عبادة -يعني الاجتماع على الفطر إذا اعتقد أنه عبادة- فهذا قد يصل إلى حد البدعة؛ لأنه لم يرد في الشرع في الكتاب أو السنة الحث والترغيب في الفطر جماعيا. فيكون فعل مباح، لكن كونه يعتقد أنه عبادة هذا يحتاج إلى دليل، وليس هناك دليل في الكتاب والسنة على ذلك. فحينئذ إذا اعتقد أنه عبادة فهذا يوقع صاحبه في البدعة. ثم نبه أنه إذا خيف في الإفطار جماعيا في النافلة الرياء والسمعة، فالأولى أن يفطر وحده -يعني في الأيام العادية كصوم الاثنين والخميس- إذا خيف الرياء والسمعة لكون الصائمين متميزين. فإذا خيف عليهم من الرياء والسمعة، أو خافوا على أنفسهم، فهنا الأولى أن يفطر كل واحد لوحده. وإن لم يوجد يعني هذا الأمر، ولم يخف من الرياء والسمعة، وكان هذا الأمر شيئا معتادا أن الصائمين يفطرون سويا في هذه الأيام، وأن ذلك ليس فيه شيء من معاني الرياء والسمعة، فلا بأس أن يفطروا سويا، ويستمروا على ذلك. قال سابعا: لا يجوز فتح المطاعم في نهار رمضان للكفار، ولا خدمتهم فيه؛ لما فيه من المحاذير الشرعية العظيمة من إعانة لهم على ما حرم الله. ومعلوم من الشرع المطهر أن الكفار مخاطبون بأصول الشريعة وفروعها، ولا ريب أن صيام رمضان من أركان الإسلام، وأن الواجب عليهم فعل ذلك مع تحقيق شرطه، وهو الدخول في الإسلام. فلا يجوز للمسلم أن يعينهم على ترك ما أوجب الله عليهم، كما لا يجوز له خدمتهم على وجه فيه إذلال للمسلم وإهانة له، كتقديم الطعام لهم ونحوه. ويجب إلزام الكفار القادمين إلى بلاد الإسلام بعدم مزاولة ما يخالف شعائر الإسلام، ويؤذي المسلمين، ويثير مشاعرهم. لهذا يجب إغلاق المطاعم في نهار شهر رمضان. وبالله التوفيق. هذه الفتوى كما سمعنا فيما يتعلق بفتح المطاعم في نهار رمضان للكفار، قد يكون هذا في بلاد إسلام فيها كثير من الكفار، كالوافدين على بلد الإسلام للأعمال نحو ذلك. أو قد يكون أيضا في بلاد الكفار، فيمن يعيش في بلاد الكفر وعنده مطعم، كحال كثير من بعض المسلمين في بعض بلاد الكفر عندهم مطاعم. فهل يجوز له أن يفتح هذا المطعم في نهار رمضان للكفار؟ لأن الكفار لا يصومون، فهل يجوز له أن يفتح مطعما ويصنع الطعام للكفار؟ فهذه الفتوى من اللجنة الدائمة أنه لا يجوز لهم ذلك. لا يجوز فتح المطاعم في نهار رمضان ولو كان ذلك للكفار، ولا خدمتهم فيه؛ لأن هذا فيه محاذير شرعية. ففيه إعانة لهم على ما حرم الله. الكفار وإن كانوا كفارا فإنهم مخاطبون بالأوامر والنواهي، والكافر مخاطب بالصيام، وإن كان لا يصح منه إلا بالإسلام، لكنه مخاطب به، يجب عليه أن يصوم، أن يسلم ويصلي ويصوم. فكونك تصنع له الطعام في نهار رمضان، أنت تعينه على هذا الفعل المحرم، هذا يعتبر منكرا، أمرا محرما. فأنت إذا فتحت له المطعم أعنته على فعل هذا المحرم. والله عز وجل يقول: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾. كذلك أيضا أن الواجب على هذا الكافر الإسلام، يجب عليه أن يسلم وأن يلتزم بأحكام الإسلام كلها من الصلاة والصيام وغيرها. كذلك أيضا الكفار القادمين إلى بلاد الإسلام لا يجوز لهم أن يزاولوا شيئا من شعائرهم وأعمالهم التي تخالف المسلمين، حتى الفطر في رمضان هذا شيء مخالف لدين الإسلام، فلا يجوز لهم أن يظهروا الفطر أمام المسلمين. كونه كافر لا يصوم، يأكل ويشرب في بيته، لا يظهر هذا في أماكن أهل الإسلام، ويخالف شعائر المسلمين؛ لأن هذا فيه مخالفة لشعائرهم وأذية للمسلمين. ولذلك ففتح المطاعم لا يجوز، لا يجوز فتح المطاعم في نهار رمضان لما سمعنا، لما فيه من التعاون على الإثم والعدوان. صلى الله عليه وسلم، وآله وصحبه أجمعين.