الغش

الخطبة بعنوان الغش، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 14 شوال 1438هـ ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

انتشار الغش في المجتمع المسلم

يستهل الخطيب بالثناء على الله ويبين أن الغش أصبح عادة منتشرة في البيع والشراء والوظائف والتعليم، محذراً من وعيد الله ورسوله لمن يرتكبه. ويعرّف الغش بأنه ضد النصح الذي هو إرادة الخير للغير.

قصة أصحاب الأيكة وعقوبة الغش

يسرد الخطيب قصة شعيب مع قوم الأيكة الذين غشوا في الكيل والميزان، فأنذرهم الله فاستمروا في غشهم. فأنزل عليهم عذاب يوم الظلة عقاباً شديداً.

تحذير من الغش في المعاملات والدين وخطر دعاة الضلال

تستعرض الآيات والأحاديث خطورة الغش في الكيل والوزن وسائر المعاملات، وتؤكد براءة النبي صلى الله عليه وسلم ممن يغش، مع توضيح الإمام السعدي لعموم النهي عن الغش في كل تعامل. ويبين أن أخطر صوره الغش في الدين ونسب الباطل إلى الحق، محذراً من دعاة الضلال الذين يقودون إلى النار.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعةٍ، وكل بدعةٍ ضلالةٍ، وكل ضلالةٍ في النار. أيها المسلمون عباد الله، لقد ظهرت وانتشرت عادةٌ سيئة في مجتمعات المسلمين، واستشرى شرُّها بين أوساط المؤمنين. ظهرت هذه العادة في البيع والشراء والتجارات، وفي الوظائف والأعمال والمسؤوليات، وفي المدارس والجامعات، وفي المأكولات والمشروبات. هذه العادة التي حذَّرنا ربُّنا سبحانه وتعالى منها، وتوَعَّد مُرْتَكِبِيها بالويل والتنكيل، وتبرَّأ نبيُّنا عليه الصلاة والسلام ممن تلبَّس بها. هذه العادة عباد الله هي الغش. والغش كما ذكر العلماء منهم نور الدين الهيثمي رحمه الله قال: «الغش ضد النصح، الغش ضد النصح». وقال: «والنصح والنصيحة إرادة الخير للمنصوح له». وقال الإمام المناوي رحمه الله تعالى: «الغش هو ما يُخلَط من الرديء بالجيد». أيها المسلمون عباد الله، إن ربنا سبحانه وتعالى قصَّ علينا في كتابه قصَّة قومٍ من الأمم السابقة تلبَّسوا بهذه الجريمة النكرى، فأرسل الله عز وجل إليهم رسوله فحذَّرهم منها وأنذرهم عذاب الله، فأبوا وأصروا واستمروا على فعلها، فأنزل الله عز وجل عليهم عقابه وسخطه. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ * إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ * أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ * وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ * وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ * وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ * قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ * مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ * فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * قَالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ * فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾. وهكذا توعد ربنا عز وجل بالويل والتنكيل للغشاشين الذين يغشون إخوانهم والمسلمين. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ * أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. أيها المسلمون عباد الله، لقد تبرأ نبينا محمد صلى الله عليه وسلم من أعمال الغشاشين، فأخرج الإمام مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا». أي أن هذا العمل ليس من طريقتنا، وليس من هدينا، وليس من سنتنا، فنتبرأ من هذا العمل. يقول الإمام عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله: «وهذا الحديث عام في الغش في جميع المعاملات، في جميع المعاملات من التجارة والإجارة والمشاركة وفي كل شيء». ثم قال رحمه الله: «فإنه يجب في المعاملات الصدق والبيان، ويحرم فيها التلبيس والغش والكتمان». انتهى كلامه رحمه الله تعالى. فلذلك عباد الله، فإن الغش له صور كثيرة لا تنحصر في صورة واحدة، بل له صور كثيرة. فمن أخطر وأعظم هذه الصور الغش في الدين، الغش في الدين. إن الضلال المبين والغش لعامة المسلمين جلبوا أقوالًا ومناهج للفرق الضالة والطرائق المنحرفة، وكسوها ثياب الشريعة، ونسبة هذه الأقوال لمذهب الحق مذهب أهل السنة والجماعة. هذا من أعظم وأخطر الغش، فإنه قد يؤدي بك أخي المسلم إلى نار تلظى، كما قال عليه الصلاة والسلام لما سئل من قبل حذيفة: «هَلْ بَعْدَ هَذَا الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ؟» قال: «نَعَمْ، دُعَاةٌ عَلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ، مَنْ أَجَابَهُمْ إِلَيْهَا قَذَفُوهُ فِيهَا». وقد بيّن لنا ربنا عز وجل في كتابه فساد علماء وعباد أهل الكتابين، فحذرنا من طريقتهم ومن سلوك منهجهم. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَ