الخطبة بعنوان فلا تظلموا فيهن أنفسكم، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر ٥ رجب ١٤٣٦هـ ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يؤكد الخطيب على وجوب الاعتبار بمصير الظالمين والمجرمين من الأمم السابقة والحاضرة مستدلاً بآيات قرآنية وأحاديث نبوية تبين أن الله يمهل الظالم ثم يأخذه أخذاً أليماً. ويضرب مثلاً تاريخياً بهارون الرشيد والبرامكة لبيان سرعة زوال الملك والعزة بالظلم.
يحذر الخطيب من عاقبة الظلم مؤكداً أن دعوة المظلوم لا تُرد وأن الظلم يجلب الخراب في الدنيا والظلمات في الآخرة. ويطالب الحكام والأفراد بتحقيق العدل وتعيين الأكفاء الأمناء مع بيان أن تحريم الظلم يتضاعف في الأشهر الحرم.
ينبه الخطيب على بدع أحدثها الناس في رجب كاختصاصه بالصيام أو العمرة أو الاحتفال بليلة الإسراء والمعراج مبيناً عدم ثبوت فضل خاص بذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن السلف. ويدعو للتمسك بالسنة وترك الابتداع في الأشهر الحرم.
يدعو المتحدث الله أن يوفق من يريد الخير لهذا البلد وجميع بلاد المسلمين. ويطلب البركة والسلام على النبي محمد وآله وصحبه.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها المسلمون، عباد الله، إن الله عز وجل أمركم أن تعتبروا بما تشاهدون وما تسمعون مما يجري من الحوادث والعقوبات في الأمم الماضية وفي الأمم الحاضرة، فإن السعيد من اعتبر بغيره فتنبه وتاب، والشقي من اعتبر بنفسه فغفل واستمر على المعاصي والآثام. أخي المسلم، إذا نظرت إلى كلام ربك لوجدت الآيات الكثيرة التي يأمر الله عز وجل فيها بالاعتبار، الاعتبار بمصير الظالمين والمجرمين، والتفكر في أحوالهم حتى يجتنب المسلم الظلم فلا يقع فيما وقع فيه، ولا يحل به ما حل بهم. قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا﴾. وقال سبحانه وتعالى: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ﴾. وقال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾. وقال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ * وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ * وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ * الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ * إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾. إن الظلم، عباد الله، لا يستمر ولا يدوم مهما طغى وبغى الظالم. أخرج الإمام البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلت»، وقرأ النبي عليه الصلاة والسلام قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾. أيها المسلمون، عباد الله، إن مثل هذه المذكرات فضل ورحمة من الله عز وجل يعظكم بها لعلكم تذكرون، لعلكم ترجعون، لعلكم تتركون الظلم والإجرام، وإلا فقد ذكر لنا ربنا في كتابه أحوال الظالمين، وهكذا العقوبات العاجلة التي حلت ونزلت بهم، هذا في الأمم الماضية، وهكذا الأمم الحاضرة التي نشاهدها بأم أعيننا ونسمع بأخبارها في وسائل الإعلام، في وسائل الإعلام المقروأة والمسموعة، وبعضكم ربما المرئية. كم من ظالم زلزل عرشه فأصبح ذليلًا حقيرًا مشردًا مطردًا بسبب الظلم، بسبب الإجرام. كم من دولة كانت غاية في القوة وفي العتاد وفي العدد فأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر بسبب الظلم، بسبب الإجرام، بسبب رفع العدل من مجتمعاتهم، فكانت هذه العاقبة. ذُكر في التاريخ أن هارون الرشيد عاقب البرامكة وسجن منهم خالد بن يحيى البرمكي وابنه جعفر، وكانا مقربين إليه، أي إلى هارون الرشيد. فذات يوم وهما في القيود والسجن قال جعفر لأبيه خالد بن يحيى البرمكي: يا أبتي، يا أبتي، كان الأمر والنهي والأموال العظيمة، والأموال العظيمة، وأصبح الحال في القيود ولبس الصوف والسجن. فرد عليه أبوه بقوله: يا بني، يا بني، لعلها دعوة مظلوم سرت بليل، سرت بليل، غفلنا عنها ولم يغفل عنها الله، ولم يغفل عنها الله. إن دعوة المظلوم، أيها المسلمون، لا يحجبها شيء، واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب. رب دعوة واحدة من مظلوم كفيلة بزعزعة وإسقاط ملك من الملوك، فكيف بدعوات المظلومين؟ أقول لشخص قد تقوى على ضعفي ولم يخشى رقيبا: خبأت له سهاما في الليالي وأرجو أن تكون له مصيبة، وأرجو أن تكون له مصيبة. أيها المسلمون، عباد الله، اتقوا الظلم، فإن الظلم مع ما يعاقب الله عز وجل به الظالمين في الدنيا فهو ظلمات يوم القيامة. فاتقوا الظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة. أيها المسلمون، عباد الله، إن كثيرًا منا لا سيما في ظل هذه الأوضاع يأمل ويطمح أن يعيش في دولة يسودها الأمن والأمان، يسودها الرغد في العيش، يسودها الهدوء والسكينة، يسودها الراحة والاطمئنان. ألا فاعلموا أيها المسلمون، رعاةً ومرعيين، أفرادًا ومسؤولين، أن تلك الحياة المنشودة لا تتحقق إلا بالعدل والبعد عن الظلم. كم حكمت من حكومات في هذه البلاد فشرِّد أصحابها ونُكِّل بهم وصاروا مشردين مطردين من بلد إلى أخرى، وصاروا عبرة للمعتبرين. إنه بسبب الظلم، من أخذ أموال الناس بالباطل، ومن محاربة دين الله عز وجل، ومن أخذ ثروات المسلمين وغير ذلك، فهذه هي عاقبة الظلم. فَيَا أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ، لَا سِيَّمَا مَنْ وَلَّيْتُمُوهُ أَوْ رُشِّحَ لِلْوِلَايَةِ، أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ إِنْ لَمْ يَعْدِلْ فَإِنَّ مَصِيرَهُ كَمَصِيرِ مَنْ سَبَقَهُ، فَإِنَّ الظُّلْمَ لَا يَدُومُ وَلَا يَسْتَمِرُّ، وَالْوَاقِعُ خَيْرُ شَاهِدٍ عَلَى ذَلِكَ. فَاتَّقُوا الظُّلْمَ، أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ. احذروا من ظلم العباد، وليكن من رُشِّحَ لإدارة هذه البلاد أن يكون قويًّا أمينًا. «إن خير من استأجرت القوي الأمين»، قال: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾. لا بد، أيها المسلمون، عباد الله، أن تكون الكفاءات في المواقع التي تُدَارُ بها البلاد، لا أن تُعطى لأناس عندهم من الجشع، وعندهم من الظلم، وعندهم من الاعتداء، وعدم التفريق بين المال الحرام وغير الحرام، وبين المال العام وغير العام، وإلى غير ذلك، ثم نريد دولة يسودها الأمن والأمان، يسودها الرغد في العيش، يسودها الراحة والاطمئنان، أن يتحقق ذلك، أيها المسلمون. فنسأل الله بمنه وكرمه أن يولِّي علينا خيارنا ولا يولِّي علينا شرارنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. والحمد لله رب العالمين، الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين. أما بعد، أيها المسلمون، اتقوا الظلم، ولا سيما وأنتم في مستهل شهر محرم... ألا وهو شهر رجب، فإنه من الأشهر الحرم. وقد قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾. قال الحافظ ابن كثير عليه رحمة الله: أي في الأشهر الحرم، فإن الظلم فيها آكد وأبلغ في الإثم من غيرها، كما ضاعف الله عز وجل المعصية في البلد الحرام، فقال: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾، فكذلك المعصية في الأشهر الحرم يغلظ الإثم فيها. انتهى كلامه رحمه الله تعالى. فالظلم محرم مطلقًا، ويشد تحريمه ويتأكد في مثل هذه الأشهر. فإن البعد عن الظلم لم يؤمر به فرد دون آخر، بل جميع المسلمين، جميع المسلمين مطالبون بالبعد عن الظلم، كبيرهم وصغيرهم، ذكرهم وأنثاهم، مسؤولهم ومن هو دون ذلك. أيها المسلمون، عباد الله، إن البعد عن الظلم في مثل هذه الأشهر الحرم من تعظيم حرمات الله، فإن الله عز وجل كما سمعت هو الذي حرم هذه الأشهر وجعلها معظمة. ألا فلنُعظِّم شعائر الله، فإنه ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾، فإنها من تقوى القلوب. حتى أهل الجاهلية كانوا يعظمون هذه الأشهر، فيوقفون القتل والقتال تعظيمًا لهذه الأشهر، فلربما رأى الشخص منهم قاتل أبيه فيتركه ولم يقتله لأنه في شهر حرام، لأنه في شهر حرام. ألا فلنتقِ الله أيها المسلمون، ولْنَترُكُ الظلم بشتى صوره وألوانه، سواء كان الظلم بمعنى الشرك، أو الظلم العبد لنفسه، أو ظلم العبد لغيره، فكل ذلك يجب على المسلم أن يجتنبه مطلقًا، وأن يجتنبه من باب التأكيد والتغليظ في مثل هذه الأشهر، الأشهر الحرم: شهر رجب، وشهر ذي القعدة، وذي الحجة، والمحرم. هذه الأربعة الأشهر التي جعلها الله سبحانه وتعالى حرمًا. واستثنى العلماء من القتال فيها الاعتداء، الاعتداء إذا اعتدى على المسلم معتدٍ فلا يترك المقاومة والمُدافعة، بقوله تعالى: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾. وإنما حرم الله عز وجل ابتداء المسلم بالقتال والاعتداء في هذه الأشهر المحرمة. وهكذا أيها المسلمون، إنه من عدم تعظيم هذا الشهر أن يُبتدع فيه من البدع والمحدثات التي لم ينزل الله عز وجل بها من سلطان. فإنه من تلاعب الشيطان ببعض المسلمين في هذا الشهر أن زين لهم بدعًا ومحدثات أحدثوها، ربما بنوها على أحاديث مكذوبة وملفقة وموضوعة. فمن تلك البدع التي أحدثها بعض الناس: تخصيص هذا الشهر بصيامه، أو بقيام بعض لياليه، أو بالعمرة فيه لاعتقاد الفضيلة أو غير ذلك. فقد قرر المحققون أنه لم يصح في فضل رجب أو تخصيص عبادة فيه شيء، لا بصيام، ولا بقيام، ولا بعمرة، ولا بغير ذلك. كما ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم، وابن حجر العسقلاني، وغيرهم من العلماء المحققين. فلا يشرع شيء من تلك العبادات، أيها المسلمون. وكذلك العمرة: لم يُخص هذا الشهر بالعمرة، ولم يعتمر النبي عليه الصلاة والسلام في رجب على الصحيح، كما ذكر ذلك عائشة، وقد وهموا ابن عمر في ذلك. وإنما اعتمر النبي عليه الصلاة والسلام في أشهر الحج أربع عمرات، كما ذكر ذلك العلماء. ولكن قال العلماء: من تيسرت له العمرة في هذا الشهر دون اعتقاد فضيلة في العمرة فيه فليفعل ذلك ولا حرج، ولكن لا يعتقد الفضيلة والخصيصة أن للعمرة مزية في هذا الشهر. وهكذا من البدع والمحدثات التي أحدثها بعض الناس في هذا الشهر: ذكر الإسراء والمعراج في ليلة السابع والعشرين من هذا الشهر. وهذا الاحتفال يُرد عليه بوجهين اثنين: الوجه الأول: أن العلماء اختلفوا في تحديد الوقت الزمني لليلة الإسراء والمعراج، فلم يثبت أنها ليلة السابع والعشرين من شهر رجب، بل صحح بعضهم كعلامة ابن عثيمين عليه رحمة الله أن ليلة الإسراء والمعراج كانت في شهر ربيع الأول، وليست في شهر رجب، والمسألة فيها اختلاف شديد بين العلماء، بل بعض العلماء لم يجزم في تحديد وقتها بشيء لشدة الأقوال المتضاربة في ذلك. هذا وجه. والوجه الثاني في الرد على من احتفل: أنه ولو ثبت أنها في ليلة السابع والعشرين، فهل احتفل النبي عليه الصلاة والسلام؟ وهل احتفل صحابته الكرام الذين هم أحرص منا على الخير، والذين هم أسرع منا إلى الطاعات والقربات؟ هل احتفلوا؟ وهكذا من بعدهم من السلف؟ فليأتِ أحد هؤلاء بشيء في كتب السيرة أو في كتب التاريخ يدل على أن السلف احتفلوا بتلك الليلة. فاحذر أخي المسلم من أن تظلم نفسك في هذا الشهر، وتحدث في دين الله ما لم يأذن به الله سبحانه وتعالى. وهناك من الأحاديث المكذوبة والملفقة في ماذا؟ في فضل هذا الشهر، ولم يثبت منها شيء، حتى الاستغفار بصيغ معينة في هذا الشهر، وغير ذلك. كل هذا لم يدل عليه دليل. وكل خير في اتباع من سلف، وكل شر في ابتداع من خلف، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فاستقيموا عباد الله على طاعة ربكم، وعلى سنة نبيكم عليه الصلاة والسلام، وأصلحوا من أنفسكم تصلح أحوالكم، ويولَّى عليكم خياركم، فإنما يُولَّى عليكم بحسب أعمالكم. فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يولِّي علينا خيارنا ولا يولِّي علينا شرارنا. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الكفر والكافرين، أعداءك أعداء الدين. اللهم انصر من نصر الإسلام والمسلمين، واخذل من خذل المسلمين. اللهم من أراد بهذا البلد وسائر بلاد المسلمين شرًّا فأشغله في نفسه، واجعل تدبيره تدميرًا عليه، وأرنا فيه عجائب قدرتك. ومن أراد بهذا البلد وبسائر بلاد المسلمين خيرًا فوفقه يا ربنا إلى كل خير، إنك ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.