كتاب الصلاة  59

كتاب الصلاة 59

الدرس التاسع والخمسون:من( الحديث الثامن والثمانون:عن أبي قلابة عبدالله بن زيد الجرمي البصري ... الأصل على هذه الصلاة هو إرادة التعليم وهو قربة كما أن الصلاة قربة ).

شرح حديث مالك بن الحويرث وتوضيح صفة صلاة النبي

يشرح الحديث الثامن والثمانين للحافظ عبد الغني المقدسي عن صفة صلاة النبي، ويبين كيفية صلاته مع التركيز على جلسة الاستراحة. مالك بن الحويرث جاء ليعلم الناس صلاة النبي بطريقة عملية.

جلسة الاستراحة في الصلاة ومشروعيتها

يتناول المقطع مشروعية واستحباب جلسة الاستراحة في الصلاة، ويجمع بين الأدلة بتحديد فعلها عند الحاجة. يُعتبر هذا الفعل سنة وليس واجبًا، ويُعين على الطمأنينة وعدم السهو في الصلاة.

أحكام جلسة الاستراحة وتعليم الصلاة

يشرح المقطع جلسة الاستراحة في الصلاة، ويبين أنها مستحبة مطلقا وموضعها عند النهوض من السجود إلى القيام. كما يتناول حكم التعليم الفعل في الصلاة وجواز فعل العبادة لأجل التعليم.

التشريك في الأجر والإخلاص في النية

التشريك في الأجر مع الآخرين في الأعمال مثل الصلاة والتعليم لا يتعارض مع إخلاص النية لله سبحانه وتعالى، بل قد يزيد الأجر. هذا المفهوم يتوافق مع ما تم التنبيه عليه في بداية كلام المؤلف.

  • 27 جمادى الآخرة 1431هـ - 09/06/2010مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، قال الحافظ عبد الغني المقدسي رحمه الله تعالى: الحديث الثامن والثمانون، قال: عن أبي قلابة عبد الله بن زيد الجرمي البصري، قال: جاءنا مالك بن الحويرث في مسجدنا هذا، فقال: إني لا أصلي بكم، وما أريد الصلاة، أصلي كيف رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي. فقلت لأبي قلابة: كيف كان يصلي؟ قال: مثل صلاة شيخنا هذا، وكان يجلس إذا رفع رأسه من السجود قبل أن ينهض. أراد بشيخهم أبا يزيد عمر بن سلمة الجرمي. أورد الحافظ عبد الغني المقدسي رحمه الله تعالى هذا الحديث في سياق ذكره لأحاديث صفة الصلاة، وهذا الحديث قد انفرد برواية الإمام البخاري رحمه الله، فقد رواه في باب من استوى قاعدا في الأرض إذا قام من الركعة، ويريد ما يسمى بجلسة الاستراحة. فقد أورد الإمام البخاري رحمه الله بابا خاصا في مشروعية واستحباب جلسة الاستراحة، وسيأتي معنا الكلام عليه إن شاء الله. وقال رحمه الله: حدثنا معل بن أسد، قال: حدثنا وهيب عن أيوب عن أبي قلابة، فذكر الحديث بلفظه. قال الشارح رحمه الله تعالى: المعنى الإجمالي، يقول أبو قلابة: جاءنا مالك بن الحويرث، أحد الصحابة رضي الله عنهم، في مسجدنا، فقال: إني جئت إليكم لأصلي بكم صلاة لم أقصد التعبد بها، وإنما قصدت تعليمكم صلاة النبي صلى الله عليه وسلم بطريق عملية. وليس معنى الشارح: لم أقصد التعبد بها، أنه صلى صلاة بغير تعبد لله ولا احتساب لثواب الله، ليس هذا المقصود، ولكن المقصود كما هو ظاهر الحديث: أنه أراد بهذه الزيارة تعليمهم، ولم يرد بذلك الائتمام بهم. وفي هذا إشارة أولا: أنه ليس حريصا على الائتمام بهم حتى لا يضن بأن غير ذلك، وفي إشارة كذلك إلى جواز تقدم الزائر على أهل المسجد والائتمام خلفه إذا كان لمثل هذا المقصد، وهو التعليم، وعلم أنهم يأذنون له. قال: ليكون التعليم بصورة الفعل أقرب وأبقى في أذهانهم، ولأن ليس كل ما يوصف بالكلام يحفظ ويعرف ويفهم، فمنه ما يحتاج أن يفصل بالفعل، خصوصا الصلاة. ولهذا صح عن النبي عليه الصلاة والسلام من قوله وفعله الإشارة إلى هذا المعنى، فقد قال كما في حديث مالك بن الحويريث: «صلوا كما رأيتموني أصلي»، لم يقل: كما سمعتموني وعلمكم، لكن قال: كما رأيتموني، إذن لابد في تعلم الصلاة من رؤية. و صح في أحاديث كثيرة أنه قام يعلم أصحابه الصلاة، فصعد على المنبر، فكبر وركع، حتى إذا أراد السجود سجد على أصل المنبر، يعني في الأسفل، كل هذا لأن الصلاة فيها من المباحث والأحكام ما لا تعلم إلا برؤية الفعل. قال: فقال الراوي عن أبي قلابة: كيف كان مالك بن الحويريث الذي علمكم صلاة النبي صلى الله عليه وسلم يصلي؟ فقال: مثل صلاة شيخنا أبي يزيد عمر بن سلمة الجرمي. وكأنه يقول: هذا كله معروف، وترون الشيخ أمامكم، وأنبهكم لشيء ربما لا يفعله الكثير من الناس، وهي جلسة الاستراحة، وهذا قوله: وكان يجلس جلسة خفيفة إذا رفع رأسه من السجود للقيام قبل أن ينهض قائما. إذن في هذا الحديث مشروعية واستحباب جلسة الاستراحة، أي أن الإنسان إذا قام من الركعة الأولى أو الثالثة لا يقوم مباشرة من السجود إلى القيام، بل يجلس حتى يرجع كل عظم إلى موضعه ثم يقوم، وهذه تسمى جلسة الاستراحة. قال الشارح رحمه الله: اختلاف العلماء، الجلسة المشار إليها في هذا الحديث هي ما تسمى عند العلماء بجلسة الاستراحة، ولا خلاف عندهم في إباحتها، وإنما الخلاف في استحبابها. فذهب إلى استحبابها الشافعي في المشهور من مذهبه، وأحمد في إحدى الروايتين عنه، واختارها من أصحابه الخلال لهذا الحديث الصحيح. وذهب إلى عدم استحبابها من الصحابة عمر، وعلي، وابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس، ومن المحدثين الثوري، وإسحاق، ومن الأئمة أبو حنيفة، ومالك، وهو المشهور من مذهب أحمد. قال الترمذي: عليه العمل عند أهل العلم، وقال أبو الزناد: تلك السنة. ومال بعض العلماء إلى فعلها عند الحاجة إليها من كبر أو ضعف، جمعا بين الأدلة. لأنه ورد في بعض الأدلة ما ليس فيه ذكر جلسة الاستراحة، وورد في بعض الأدلة ذكر جلسة الاستراحة، ولهذا اختلف العلماء. والصحيح أنه لا منافاة بين الأدلة، فالأدلة التي ليس فيها ذكر جلسة الاستراحة لا تنفي وجود هذه الجلسة، والمثبت مقدم على النافي. ومع ذلك الجلسة للاستحباب ليست للوجوب، فمن كان يشق عليه أمر جلسة الاستراحة فلا بأس أن يقوم بدون أن يجلس، لكن لا يعني ذلك أن نقول: أنه ليس بسنة، بل نقول: سنة، ومن استطاع أن يجلسها فهو الأفضل. وهو يعطي الإمام طمأنينة في صلاته، كما أنه يعينه على عدم السهو في الصلاة، هذا من فوائد جلسة الاستراحة، أنها تعينه على الطمأنينة في الصلاة، وثانيا: تعينه على عدم السهو في الصلاة. لأنه إذا رفع من السجود وجلس جلسة الاستراحة، فإنه سيتذكر إن كان هو في الركعة الأولى أو في الثانية. فأحيانا يقوم الإنسان مباشرة، يظن نفسه أنه في الركعة الأولى، وهو في الركعة الثانية، فإذا قام مباشرة فلن يرجع بعد أن قام واستتب قائما إلى الجلوس والتشهد، بل سيستمر قائما. بينما لو جلس جلسة الاستراحة، في أثناء هذه الحركة اليسيرة والمكوث اليسير، سيستحضر هل هو في الركعة الثانية أم في الركعة الأولى؟ فإن كان في الركعة الأولى واصل في القيام، وإن كان في الركعة الثانية فإنه سيستمر في الجلوس. ففي جلسة الاستراحة إعانة للمصلي على عدم السهو في الصلاة. قال رحمه الله تعالى: ومال بعض العلماء إلى فعلها عند الحاجة إليها من كبر أو ضعف، جمعا بين الأدلة. وقد قال بهذا القول بعض أهل العلم، وزعموا أن النبي صلى الله عليه وسلم فعلها عندما كبر، وليس في شيء من الأحاديث الصحيحة الصريحة ما يدل على الجزم بهذه العلة. وما ورد في بعض الأدلة مما قد يفهم منه ذلك، فهو ليس صريحا. وهذا الحديث كما ترون مع بعض روايات حديث المسيء في صلاته، حسنها بعض أهل العلم، تفيد إثبات جلسة الاستراحة، ووردت جلسة الاستراحة في أحاديث كثيرة. قال رحمه الله: قال ابن قدامة في المغني: وهذا فيه جمع بين الأخبار، وتوسط بين القولين. وهذا القول قد نقول: أنه الصواب، إذا ثبت ذلك بنص صحيح صريح، ولا يوجد شيء يدل على ذلك. قال: ما يأخذ من الحديث: أولا استحباب جلسة الاستراحة، وتقدم أن الصحيح استحبابها للحاجة، يعني أن المؤلف الشارح يرى أنها مستحبة عند الحاجة، إنسان كبير لا يستطيع أن ينتقل مباشرة أو نحو ذلك. والصحيح أنها مستحبة مطلقا، مستحبة مطلقا، ومن لم يستطع فلا بأس. قال: الثاني: أن موضعها عند النهوض من السجود إلى القيام، موضع هذه الجلسة عند النهوض من السجود إلى القيام، فالركعة الأولى والثالثة، أما الثانية والرابعة ففيها التشهد. قال: الثالث: أن القصد منها الاستراحة، لبعد السجود من القيام، لذا لم يشرع لها تكبير ولا ذكر، يعني ما تكبر إذا جلست جلسة الاستراحة، لا تكبيرتين، تكبير لجلسة الاستراحة وتكبير للانتقال إلى القيام لا، وإنما تكبير واحد هو تكبير الانتقال من السجود إلى القيام. متى يكون هذا التكبير؟ كما تقدم معنا: أن الأصل أن يقترن التكبير بحركة الانتقال، هذا هو الأصل، إذن سيكبر إذا رفع إلى القيام، فإذا جلس جلسة الاستراحة لن يكبر، وإنما إذا رفع أو إن شاء كبر ابتدأ التكبير من حين الانتقال إلى حين الوصول إلى الأعلى. قال: رابعا: وقد علمنا إلى الأخرى، وحكم أخرى، فمن الحكم كما تقدم: إعانة المصلي على الطمأنينة في صلاته، ومن الحكم: إعانة المصلي على عدم السهو في الصلاة. قال: الرابع: جواز التعليم الفعل، ليكون أبقى في ذهن المتعلم، خصوصا في الصلاة كما تقدم. قال: خامسا: جواز فعل العبادة لأجل التعليم، وأنه ليس من التشريك في العمل، فإن الأصل الباعث على هذه الصلاة هو إرادة التعليم، وهو قربه، كما أن الصلاة قربه. ولا ينافي أن يكون القصد من الصلاة التعليم، أن الصلاة لله، والتشريك في الأعمال ينقسم إلى ثلاثة أقسام: تشريك ينافي الإخلاص، وهذا لا يجوزه، محرم، كأن لا يريد أصل العمل، ولكن يريد ما عند الناس، كصلاة المنافق. ومن كان مثل المنافقين، ويعرف ذلك بأنه يترك العمل عند انقطاع سبب التشريك، ربما إنسان ما يصلي، لكن إذا جاء إلى المكان الذي فيه من يخاف منه أو من يرجو منه صلاة، فصلاة هذه نفاق. وهل معناه أنه لا يجوز له أن يصلي؟ والأفضل أن لا يصلي؟ الجواب: لا نقول له: صلي، لكن أخلص بصلاتك، لأنه مطالب بهذا الواجب، ويخطئ من يقول: أنه الأفضل له لا يصلي، هذا ليس بصحيح، من أين علمت أن الأفضل لا يصلي؟ لا، قل له: صلي وأخلص في صلاتك. والنوع الثاني من التشريك: ما كان يعرض للإنسان، مع أن أصل العمل لله سبحانه وتعالى، فهنا يؤمر بالمجاهدة فيما يعرض عليه، ولا ينبغي أن يمنعه ذلك من العمل. وهذا كثير ما يقع، فلا ينبغي أن يزين الشيطان للإنسان ترك الأعمال الصالحة من أجل كما يزعم دفع الرياء. وقد نص العلماء كما روي عن الفضيل بن عياض: أن من الرياء ترك العمل من أجل الناس، فالرياء قد يكون بعمل العمل من أجل الناس، وكذلك بترك العمل من أجل الناس. والصواب أن تستمر على العمل الصالح وتجاهد نفسك في تصحيح النية. والنوع الثالث: ما كان من تشريك لا ينافي العمل الصالح، بل يزيد في أجره، وهو ما تجتمع فيه أعمال البر بتداخل وتزايد النيات والاحتساب فيها، مثل هذا الموضع، هو يصلي لله، سواء في بيته أو في مسجده أو في مسجد الناس الذين يعلمونهم، الذي يعلمهم. فإذا اجتمع مع ذلك الصلاة والتعليم، فهنا حصل زيادة أجر، فهذا التشريك لا ينافي إخلاص العمل لله سبحانه وتعالى. والأمر كما تقدم التنبيه عليه في أول كلام المؤلف رحمه الله. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.