الدرس في شرح كتاب لم الدر المنثور 26، ألقاها الشيخ عبد الحافظ العامري
يبيّن المقطع أن أهل الأهواء يخاصمون بالآيات المتشابهة لابتلاء الناس وإضلالهم، مستشهداً بقصة صبيغ بن عسل مع عمر بن الخطاب. ويذكر ثلاث علامات لأهل البدع نقلاً عن ابن عثيمين: اتصافهم بغير السنة، تعصبهم لآرائهم، وبغضهم لأئمة الإسلام.
يتميز السني بالرجوع إلى الحق عند البيان والاعتراف بالتقصير والخطأ دون مجادلة، بينما يتعصب صاحب البدعة لرأيه ويكره أئمة الدين. وقد وصف الأئمة أهل الأهواء بأنهم شيع وأحزاب متفرقة مختلفين لا يكاد اثنان منهم يتفقان.
يحذر النص من التفرق في الدين ويبين أن أهل السنة متمسكون بعقيدة واحدة موحدة بالكتاب والسنة، بينما المبتدعة مختلفون مخالفون للكتاب. ويذكر أن معيار الحق ليس بكثرة الجموع بل بموالاتهم لأعداء الشريعة مستشهداً بتعاون الشيعة واليهود قديماً وجماعات التكفير الحديثة.
يحذر المتحدث من تعاون جماعة الإخوان المسلمين مع الشيعة وإيران ودول تسعى لهدم الإسلام، معتبراً ذلك من سمات أهل الأهواء والبدعة كما نقل عن الإمام أحمد. ويختتم بالدعاء والاستغفار ودعوة للاشتراك في القناة.
بسم الله، الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال المؤلف حفظه الله: قال أيوب السختياني رحمه الله: «لا أعلم اليوم أحدا من أهل الأهواء يخاصم إلا بالمتشابه». وهذا كما ذكره الله عز وجل: ﴿ وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ﴾، يعني يتبعون المتشابه من القرآن ليلبسوا على الناس، يبتغون الفتنة، يبتغون الفتنة، فيأتون ببعض ما أنزل الله سبحانه وتعالى من الآيات فيقولون: هذا المراد كذا، وهذا المراد كذا. فمن لم يكن عنده علم ومتحصن بالعلم الشرعي فإنه قد يقع في حبالهم. وقد حصل هذا في عهد عمر رضي الله عنه في صبيغ بن عسل، عندما كان يأتي ببعض الآيات ويقول: قال الله، قال الله، ويدور في الأسواق. وكذلك فلما أخبر عمر رضي الله تعالى عنه وأتي به، قال: «ائتوني به»، فأتي به فضربه بالدرة ثم نفاه، حتى قال لما كان عمر يضربه: «يا أمير المؤمنين، يا أمير المؤمنين، إن كان يعني ضربك لي لأجل أن يذهب ما بي، فوالله لقد ذهب ما بي»، يعني من الذي كان يبثه في الناس من المتشابه، «وإن كنت تريد أن تقتلني فاقتلني»، لأن الضرب كان موجع، كان موجع. فتاب، تاب، وأمر أولا عمر الناس أن لا يكلموه سنة، فنفاه إلى إحدى مدن أو قرى العراق، وأمر الناس أن لا يكلموه سنة. ثم بعد ذلك بعث في طلبه: هل تاب توبة صادقة أم لا؟ فأخبر أنه تاب توبة صادقة، ولم يعد يكلم الناس بالمتشابه. فأهل الأهواء يخاصمون بالمتشابه، وأهل الحق يردون المتشابه إلى المحكم، لأنه كله من عند الله، ﴿ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ۗ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا ﴾، ﴿ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا ﴾. الخوارج ربما استدلوا ببعض الآيات التي فيها التكفير، تكفير الله عز وجل طائفة: ﴿ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ﴾، ربما استدلوا بهذه الآية فقط: «الكافرون»، وأين أيضا قوله: ﴿ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾، ﴿ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾؟ ما يأتون بهذا يدل على أنهم ما يتبعون المحكم من الآيات، أو يرد المتشابه إلى المحكم. فهذه من علامة وسمات أهل البدع: الخصام بالمتشابه من كلام الله عز وجل. وقال العلامة العثيمين محمد بن صالح رحمه الله: «لأهل البدع علامات، منها: أنهم يتصفون بغير الإسلام والسنة، أي لا يقال لهم أهل السنة، بما يحدثونه من البدع القولية والفعلية والعقدية. الثاني: أنهم يتعصبون لآرائهم فلا يرجعون إلى الحق وإن تبين لهم. الثالثة: أنهم يكرهون أئمة الإسلام والدين». فهذه ثلاث علامات لأهل البدع. اتصافهم بغير السنة، بغير الإسلام، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية. أيضا لا يقال لهم أهل السنة، لا يتصفون بالعمل بها، ولا يتصفون بالأخذ بها واتباعها، بما يحدثونه من البدع، سواء كانت قولية في الأذكار ونحوها، أو كانت كذلك فعلية: ما يفعلونه من الرقص ونحو ذلك، أو كانت كذلك في العقائد كعقيدة الجهمية والمعتزلة والقدرية، وهكذا أيضا عقيدة الخوارج والمرجئة. هناك عقائد كثيرة أحدثوها في دين الإسلام. وأيضا يتعصبون لآرائهم فلا يرجعون إلى الحق وإن تبين لهم، هذه من سماتهم. السني إن وقع في شيء من المخالفات ثم بين له رجع إلى الحق، وأما الذي يتعصب لرأيه ويرى رأيه هو الصواب فإنه محال أن يرجع إلى الحق. وهكذا أيضا يكرهون أئمة الإسلام والدين، وهذا كما بينه الأئمة رحمهم الله تعالى: أنهم لا شك يكرهون أئمة الدين لأن أئمة الدين يقفون لهم بالمرصاد. قال وكيع رحمه الله: «من طلب الحديث ليقوي به رأيه فهو صاحب بدعة». وقال أيضا: «أهل الأهواء لا يكتبون إلا ما لهم». يعني قد يكون هناك من الأحاديث النبوية ما يرى أنه لصالحهم وأنه يقوي رأيهم وبدعتهم فيتمسكون به ويكتبونه. وأما أهل السنة فيكتبون ما لهم وما عليهم، كما تقدم في الآثار السابقة، يكتبون كل شيء ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وإن كانوا مقصرين، يعني قد يكون الشخص مقصرا في ذلك فلا يعمل العمل المطلوب منه فيقع في شيء من الزلل، ويقع في شيء من الخطأ، لكن يعترف في قرارة نفسه أنه مخطئ، وأنه مقصر، وأنه ارتكب معصية، ولا يجادل عن ذلك، يعني يقول: إن الذي ارتكبه هو حق وهو صواب، وهو يعلم من نفسه أنه أخطأ وأنه وقع في زلل وغير ذلك، بل يعترف في قرارة نفسه أنه مقصر. هكذا السني يعترف دائما أنه مقصر في العمل، ومقصر في حق الله سبحانه وتعالى، وأن عنده أخطاء، وعنده كذلك قصور، وعنده كذلك ربما شيء من المعاصي الصغيرة، لكنه يحاول جاهدا أن يصلح نفسه. فما يستدل، لأن بعضهم قد يقع في خطأ وزلل ويأتي لك ويستدل بالأدلة على ما هو واقع فيه من الخطأ، على ما هو واقع فيه من الخطأ، وهذا سمت أهل الأهواء والبدع: أنهم يستدلون بكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما هم واقعون فيه، يستدلون لذلك ويؤولون ويحرفون الأدلة الشرعية. وأما السني الذي تعلم العلم النافع، العلم الشرعي، يعلم أن هذا هو خطأ وقد وقع فيه، فيتوب إلى الله، استغفر الله، ولا يجادل عن ذلك. وقال أبو القاسم إسماعيل الإصفهاني رحم الله: «أما إذا نظرت إلى أهل الأهواء والبدع رأيت متفرقين مختلفين، أو شيعا وأحزابا، لا تكاد تجد اثنين منهم على طريقة واحدة في الاعتقاد، يبدع بعضهم بعضا، بل يرتقون إلى التكفير، تراهم أبدا في تنازع، تباغض واختلاف، تنقضي أعمارهم». قال: «تراهم أبدا في تنازع وتباغض واختلاف تنقضي أعمارهم، ولما تتفق كلماتهم تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى، ذلك بأنهم قوم لا يعقلون». وأهل البدع أخذوا الدين من المعقولات والآراء فأورثهم الافتراق والاختلاف، هذه من سماتهم. يقول الإمام إسماعيل الإصفهاني: «أما إذا نظرت إليهم يعني الأهواء والبدع فرأيتهم متفرقين مختلفين في الكتاب، يعني يختلفون لأنهم ليسوا على منهج واحد، ولم يأخذوا المنهج الصافي: كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فترى شيعا وأحزابا، كل يستدل يريد أن يقوي ما عليه من البدعة أو الحزب الذي منضم إليه». نحن نرى هذا في الواقع، نرى الأحزاب الموجودة في الساحة، حزب الفلاني كحزب الرشاد، يوجد له من يدعمه وينصره من أهل الأهواء والبدع الذين اتسمون بالدين، يعني داخلون في هذا الباب، فيظهرون للناس أنهم متمسكون بالدين وأنهم على السنة، ويلوون الأدلة الشرعية. أحزاب في اليمن كثيرة، أحزاب في هذه البلاد كثيرة، فبعض تنتسب إلى الدين، يعني حزب الفلاني الإسلامي، حزب إسلامي، فتنتسب إلى الإسلام، وهم شيعا وأحزابا. وقد حذر ربنا سبحانه وتعالى في الكتاب الكريم من أن نكون شيعا وأحزابا، فقال سبحانه: ﴿ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا ۖ كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ﴾. فلا تجد اثنين من حزبين على طريقة واحدة في الاعتقاد. فهذا مثلا يعتقد اعتقاد المعتزلة، وذاك يعتقد اعتقاد الخوارج، وذاك يعتقد اعتقاد المرجئة، وهكذا تجدهم مختلفين في الاعتقاد. أهل السنة اعتقادهم واحد، اعتقادهم واحد، لا يختلف أبدا، فهم يعتقدون في الإيمان، ويعتقدون كذلك في الرسل والملائكة والكتب والقدر، اعتقادهم واحد بما جاء في كتاب الله وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال الإمام أحمد رحمه الله وهو يصف أهل البدع: «هم مختلفون في الكتاب، مخالفون للكتاب»، يعني يختلف بعضهم بعضا في كتاب الله عز وجل، ويخالفون أيضا الكتاب، متفقون على مخالفة الكتاب، كلهم يتفق في هذا الشيء: أنهم يخالفون كتاب الله جل وعلا، يتكلمون في المتشابه من الكلام، ويلبسون على جهال الناس بما يتكلمون به من المتشابه. وقال أيضا: «إذا أردت أن تعلم محل الإسلام من أهل الزمان، فلا تنظر إلى زحامهم في أبواب الجوامع، ولا ضجيجهم في الموقف: لبيك، وانما انظر إلى مواطأتهم أعداء الشريعة». إذا أردت أن تعرف هؤلاء على باطل أو على حق، لا تنظر إلى أنهم هؤلاء يزدحمون على أبواب الجوامع، يعني يكونون كثرة كثيرة، ربما يأتون بالمئات والآلاف إلى بعض المساجد ويزدحمون عليها في طقوس، وهكذا في أعياد لهم خاصة في السنة فيزدحمون عليها، وأيضا أصواتهم ترتفع ربما حتى في الموقف جميعا يلبون، فهذا فيه مخالفة لما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وكذلك صحابته والتابعون لهم بإحسان. انظر إلى مواطأتهم أعداء الشريعة، يعني انظر إلى ما يخالفون، وإلى ما يعني يواطئون به، فإذا واطئوا ووافقوا أعداء الإسلام فعلم أنهم على باطل. فهكذا تجد الشيعة يواطئون اليهود، يعني يوالونهم ويعملون معهم في هدم الإسلام، في هدم الإسلام. أحزاب تدخل تحت هذا الباب فيتحدون مع أعداء الإسلام من اليهود والنصارى، ويعملون في الخفاء، يعملون في الخفاء لهدم الإسلام. وما دخل التتار وعملوا ما عملوا في بلاد المسلمين إلا بسبب مواطأة التشيع والشيعة لهم، حيث إن هؤلاء يظهرون الدين والتدين، ويظهرون أنهم يحبون البيت ونحو ذلك، وهم يعملون مع أعداء الإسلام في الخفاء. فلا تغتر بكثرتهم، ولا بضجيج أصواتهم في المناسك، فإنهم على باطل. لكن انظر إلى من يخادنون، ومن يصاحبون، ومن يوالون، ومع من يعملون، فتعرف أن هؤلاء أعداء للإسلام والمسلمين. أهل السنة والجماعة الذين يتمسكون بكتاب الله، بسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، يعملون في الليل والنهار لنصر الإسلام، لنصر الإسلام، وما يعملون أبدا لهدم الإسلام، أو يواطئون ويوالون أعداء الإسلام. إنما يفعل ذلك أهل الأهواء والبدع في كل زمان ومكان، يحرصون حرصا شديدا على أن ينتصر هؤلاء في بلدان المسلمين، والعياذ بالله. فدخلت الشرور والمصائب من الخوارج الآن كما يسمى داعش في بلاد المسلمين، صناع يهودية، وهم يلبسون اللباس الإسلامي، وترى بعضهم لحيته إلى صدره وغير ذلك، ومع ذلك يقتلون المسلمين ويفجرون في بلاد المسلمين. فداعش، وهكذا أيضا ما يسمى بالقاعدة والإرهابيين والتكفيريين، يتغذون من بلاد الكفر، ويمدونهم بالأسلحة والأموال، اليهود والنصارى، كل هذا لهدم الدين، وهم في بلاد المسلمين، ويتسمون بماذا؟ بأحزاب وفرق إسلامية. يعني جماعة الإخوان كذلك، منهم تخرج جماعة التكفير، جماعة التكفير تخرج من الإخوان المسلمين، جماعة الهجرة، وتسمى الجهاد، تخرج من جماعة الإخوان المسلمين. فكم وكم تعاونوا مع أعداء الإسلام؟ إخوان مسلمون تعاونوا مع الرافضة، تعاونوا مع إيران، تعاونوا مع دول، والعياذ بالله، تسعى ليل نهار لهدم الإسلام والمسلمين. نسأل الله السلام والعافية. هذه من سمات أهل الأهواء والبدعة، كما قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى. نكتفي بهذا القدر، إلى هنا. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب. اشتركوا في القناة