القواعد والأصول الجامعة 26

الدرس في القواعد والأصول الجامعة 26، ألقاها

أحكام الأوقاف ومرجع صرفها

يشرح هذا الفصل أحكام الأوقاف ومرجع صرفها حسب شروط الواقفين، مع اللجوء إلى العرف إذا جهل شرط الواقف. يُعمل بشرط الواقف إذا لم يخالف الشرع.

الحكم باليد والمجاراة في الوقف والأموال وتطبيقات العرف

يتناول هذا الفصل كيفية التعامل مع الأوقاف والأموال عند النزاع، واللجوء إلى العرف العام لتحديد وجهة صرف الوقف. كما يشرح مفهوم 'الحكم باليد والمجاراة'.

تطبيقات العرف في المعاشرة والنفقة

يركز هذا الفصل على الرجوع إلى العرف في تحديد النفقة والمعاشرة بين الزوجين والأقارب والمماليك والأجراء، ويبرز أهمية المعاشرة بالمعروف.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال علام السعد رحمه الله في كتابه "القواعد والأصول الجامعة"، في شرحه للقاعدة التاسعة: "من فروعها أن الأوقاف يرجع في مصارفها إلى شروط الواقفين التي لا تخالف الشرع، فإن جهل شرط الواقف رجع في ذلك إلى العادة والعرف الخاص، ثم إلى العرف العام في صرفها في مصارفها". ومن ذلك الحكم باليد والمجاراة لمن كان بيده عين يتصرف فيها مدة طويلة تصرف الملاك بأنها له، عملا بالعرف، إلا ببينة تشهد بخلاف ذلك. يقول رحمه الله: "من فروع هذه القاعدة أن الرجوع إلى العرف عند عدم معرفة الحكم أو المراد بتحديد هذا الحكم الذي أطلقه الشرع". قال: "الأوقاف يرجع في مصارفها إلى شروط الواقفين إذا أوقف الإنسان وقفا وجعل له شرطا، فهنا يرجع فيه إلى ما اشترطه الواقف". يرجع إلى ما اشترطه الواقف، فإذا أوقف الإنسان بيتا وقال: "هذا البيت وقف للفقراء والمساكين"، إذن يكون خاصا بالفقراء والمساكين، ولا يجوز للأغنياء دخول هذا البيت والانتفاع به. أو أوقف وقفا وقال: "هذا لطلبة العلم"، هذا الوقف لطلبة العلم فيشمل الغني والفقير ممن يشمله وصف طالب علم، سواء كان غنيا أو فقيرا. فإذا اشترط الواقف شرطا، رجعنا إلى شرطه الذي اشترطه في وقفه. قال: "يرجع في مصارفها إلى شروط الواقفين"، يعني التي اشترطوها، إن كانوا اشترطوا شروطا في هذا الوقف، فيرجع فيه إلى ما اشترطوه، التي لا تخالف الشرع. أما إذا خالفت الشرع، فإنه لا يعمل بها. فشروط الواقفين منها ما هي شروط لا تخالف الشرع، ومنها شروط تخالف الشرع. فإذا كانت لا تخالف الشرع، فيعمل بها. أوقف ماء أو بيتا للفقراء والمساكين أو لطلبة العلم أو لابن السبيل أو نحو ذلك، هذا جائز لا يخالف الشرع. لكن إذا خالف الشرع، كان يوقف مثلا أرضا أو يوقف بيتا ويجعل ما يتحصل عليه من هذا البيت من مال وقفا على القبر الفلاني أو الزيارة الفلانية، هذا يخالف الشرع، فلا يجوز العمل بهذا الشرط، لأنه مخالف للشرع لما فيه من التعاون على الإثم والعدوان وإحياء البدع، وكذلك أيضا الزيارات الشركية، فمثل هذا لا يجوز. قال: "فإن جهل شرط الواقف رجع في ذلك إلى العادة والعرف الخاص". أوقف الإنسان وقفا لكن جهل شرط هذا الوقف، لم يعلم بشرطه، ما ندري ما هو الشرط الذي اشترطه. أوقف أرضا أو بيتا، فهنا نرجع إلى العرف الخاص. هل هناك عرف خاص في هذه البلد للموقفين الذين يوقفون مثل ذلك؟ إن كان هناك عرف خاص، رجعنا إلى هذا العرف الخاص. فنجعل هذا الوقف كغيرهم من الأوقاف التي في هذه البلاد. قال: "ثم إلى العرف العام في صرفها في مصارفها". إن لم يكن هناك عرف خاص للموقفين، رجعنا إلى العرف العام في البلد. مثل هذا الوقف في ماذا يصرف؟ يقال في كذا وكذا، إذا نصرفه على حسب العرف العام. واضح إذا أوقف وقفا ولم يعلم شرط الواقف، ما هو شرطه؟ هل هو للمساكين؟ للفقراء؟ للأغنياء؟ لطلبة العلم؟ لمن؟ ما ندري. ننظر إن كان هناك عرف خاص يجعله الموقفون إذا أوقفوا شيئا، نجعله مثله. ليس هناك عرف خاص، ننظر في العرف العام. ننظر في العرف العام في البلد مثل هذا في ماذا يوقف؟ قيل مثلا يوقف للفقراء والمساكين، إذا نجعله للفقراء والمساكين. فنرجع في تحديد صرف هذا الوقف إلى العرف. قال: "ومن ذلك الحكم باليد والمجاراة لمن كان بيده عين يتصرف فيها مدة طويلة تصرف الملاك بأنها له، عملا بالعرف، إلا ببينة تشهد بخلاف ذلك". يعني من كان بيده عين، سيارة أو بيت، وهو يتصرف في هذه العين تصرف المالك، له يدخل هذه السيارة يركبها ويذهب ويأتي ويضعها عند بيته. يدخل هذا البيت ويخرج، يتصرف فيه تصرف من يملكه. فيحكم بهذا التصرف في تصرفه بهذه العين يحكم بالعرف بأنها له. نحن ما عندنا بينة، أو قيل: هل عندك بينة على أن هذه السيارة له؟ الجواب: لا، ما نعلم، الله أعلم. لكن في العرف أن من استعمل السيارة بمثل هذا الاستعمال أنها تكون ملكه. إنسان يركب السيارة ويذهب في عمله ويرجع، الشهر والشهران والسنة والسنتان، لا شك أن مثل هذا التصرف يجعله يمتلك هذه العين. فيقول: إذا حصل نزاع، إذا حصل نزاع وخصام، جاء خصم فقال: "هذه السيارة لي". نقول: إن كان عنده بينة تثبت أن هذه السيارة له، قضي بأنها له. إذا لم يكن عنده بينة، فإننا نحكم بالعرف بأن استعماله لهذه السيارة وتصرفه فيها تصرف المالكين يقتضي بأنها له. هذا معنى قولي: "ومن ذلك الحكم باليد والمجاراة لمن كان بيده عين يتصرف فيها". نحكم بأنها له، الحكم باليد والمجاراة بمعنى الحكم بالملك، الحكم بالملك بأنها ملكه. لماذا؟ لأنه يتصرف فيها تصرف المالكين مدة طويلة. يتصرف في هذه السيارة أو في هذا البيت مدة طويلة، وهو يتصرف فيه تصرف المالك، فنحكم بأنها له وأنها ملكه. قال: "عملا بالعرف"، عملا بالعرف، هذا يتعارف عليه الناس أن الذي يتصرف في عين من الأعيان وأمر من أمور الأموال مدة طويلة أنه له وملكه. قال: "إلا ببينة تشهد بخلاف ذلك". إذا جاء عنده بينة تثبت أن هذا البيت له أو أن هذه السيارة له، فيقضى بأنها له. وأما إذا لم يأتي ببينة، مجرد دعوى، فإن هذا الذي بيده العين نقضي بأنها له. وهنا قول آخر لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يقول: "إذا تصرف الإنسان بالعين بيده تصرف الملاك مدة طويلة، ثم أتى من يزعم ويدعي أنها له، فإنه لا يؤخذ بقوله، ولو أتى ببينة". قال: "لأن في هذا فتحا لباب الشر والفساد والتلاعب بأموال الناس". ربما يزور وثيقة أو أوراقا أو يأتي بشهود زور حتى يأخذ أموال الناس. قال: "من أجل هذا ما يؤخذ بقول هذا المدعي ما دام أن هذا المالك لهذه العين قد تصرف فيها مدة طويلة تصرف الملاك، فإنها يقضى بأنها له". قال: "من فروعها الرجوع إلى المعروف في نفقة الزوجات والأقارب والمماليك والأجراء ونحوهم". بل صرح الله في حق الزوجات بالرجوع إلى العرف بما هو أعم من النفقة، وهو المعاشرة. فقال: ﴿وعاشروهن بالمعروف﴾، فشمل هذا جميع ما يكون بين الزوجين من المعاشرة القولية والفعلية، وأن على كل منهم الرجوع فيها إلى العرف، إلى المعروف. من فروع هذه القاعدة الرجوع إلى المعروف في نفقة الزوجات والأقارب والمماليك والأجراء ونحوهم. فنفقة الزوجة واجب على الزوج، وحد هذه النفقة ما هو الواجب الذي يجب عليه أن ينفق فيه على زوجته؟ يرجع في هذا إلى العرف. يرجع في هذا إلى العرف، فإن كان غنيا وجب عليه نفقة الأغنياء، وإن كان فقيرا واجب عليه نفقة الفقراء. لأن الله عز وجل يقول: ﴿وعاشروهن بالمعروف﴾، وهذا عام يشمل النفقة وغير النفقة. ويقول جل وعلا: ﴿لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها﴾. إذن يرجع في تحديد النفقة إلى العرف. فإن كان الزوج فقيرا والمرأة غنية، هل ينفق نفقة الأغنياء أو الفقراء؟ الجواب: ينفق نفقة الفقراء، ينفق على قدر حاله. ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾، فالعبرة بحال الزوج. فيرجع في تحديد النفقة إلى العرف. وهكذا أيضا الأقارب، كذلك يرجع في ذلك إلى العرف. وهكذا المماليك إذا كان عنده رقيق وإماء، فإنه ينفق عليهم بحسب العرف. والأجراء ونحوهم إذا عنده أجير استأجر إنسانا لعمل، فإنه يرجع في معرفة الأجراء إن لم يكن بينهم اتفاق على أجرة معينة إلى العرف. والرجوع إلى العرف مثل هذه المسائل يرفع كثيرا من النزاع والخصام الذي قد يقع بين الناس. طيب استأجرت أجيرا يعمل لك ولم تحدد معه أجرة معينة. طيب عمل لك من النهار إلى الظهر، ثم حصل خصام بينك وبينه في الأجرة. هو مثلا يقول: "خمسة آلاف". وأنت تقول: "لا، ما أعطيك إلا ألف أو ألف وخمسمائة". من الذي الآن يفصل بينك وبينه؟ العرف. ترجع إلى العرف. كم يستحق من يعمل من النهار إلى الظهر بمثل هذا العمل؟ فيقال مثلا في العرف أن من عمل من النهار إلى الظهر له أجرة بقدر ألفين مثلا أو ألفين وخمسمائة، فما يكون له إلا هذا، ليس له أن يطالب بأكثر من ذلك، ويلزم هذا المستأجر أن يعطيه هذه الأجرة. قال: "بل صرح الله في حق الزوجات بالرجوع إلى العرف بما هو أعم من النفقة وهو المعاشرة". فقال: ﴿وعاشروهن بالمعروف﴾، فشمل هذا جميع ما يكون بين الزوجين من المعاشرة القولية -يعني في الكلام- يكون الكلام الطيب والكلام الحسن، والمعاشرة الفعلية بالفعل، لا يضربها ولا يعاتبها، ولا كذلك أيضا يسيء إليها. كذلك بالمعاشرة القولية ما يسبها ولا يشتمها ولا يعيرها. نعم، وكذلك أيضا يدخل في ذلك ما يتعلق بالنفقة في المأكل والمشرب والملبس. قال: "وأن على كل منهم الرجوع فيها إلى المعروف". يعني بين الزوجين، تعاشر المرأة زوجها بالمعروف، ويعاشر الرجل زوجته بالمعروف. صلى الله عليه وسلم عن نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

شاركنا على