شرح حائية ابن أبي داوود  7

شرح حائية ابن أبي داوود 7

الدرس في شرح حائية ابن أبي داوود 7، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

إثبات صفة اليدين لله والرد على شبه التعطيل والتشبيه

يؤكد المقطع اعتقاد أهل السنة في إثبات صفة اليدين لله تعالى ثبوتاً يليق بجلاله دون تعطيل ولا تمثيل، مستدلاً بقوله تعالى: ﴿ليس كمثله شيء﴾ وقاعدة العلماء: «الممثل يعبد صنماً والمعطل يعبد عدماً». ويستعرض أدلة القرآن على إثبات اليدين بصيغ الإفراد والتثنية والجمع، موضحاً أن صيغة الإفراد المضافة تشمل المثنى والجمع، فيحمل الجميع على أن لله يدين حقيقيتين كما دل عليه النص الصريح: «بل يداه مبسوطتان» والحديث: «وكلتا يدي ربي يمين».

توجيه صيغة الجمع في قوله تعالى ﴿أيدينا﴾ وبيان وجه المشاكلة اللغوية

يشرح المقطع أن ورود صيغة الجمع في ﴿أيدينا﴾ جاء للمشاكلة بين المضاف والمضاف إليه، حيث إن ضمير المتكلم ﴿نا﴾ يُستخدم للتعظيم لا للكثرة، فاقتضى اللفظ جمع المضاف لمطابقة المضاف إليه، ويرجح المحاضر أن هذا التوجيه اللغوي هو الأقرب، مبيناً أنه لا دخل له في الصفات العقدية بل هو من باب البلاغة والنحو فقط.

الفرق بين المقابلة والمشاكلة في البلاغة

يوضح المتحدث أن الأسلوب المذكور هو مقابلة وليست مشاكلة، مبيناً أن المشاكلة تعني التشابه في اللفظ فقط، بينما المقابلة تختلف عنها في التعريف والاستخدام.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. وبعد: قال ابن أبي داود رحمه الله تعالى في منظومته الحائية: «وقد ينكر الجهمي أيضاً يمينه وكلتا يديه بالفواضل تنفح». أراد الناظم رحمه الله في هذا البيت أن يبين أن من معتقد أهل السنة والجماعة إثبات اليدين لله عز وجل كما يليق بجلاله وعظمته سبحانه وتعالى. فقوله: «وقد ينكر الجهمي»، «قد» هنا تفيد التحقيق كما تقدم معنا، والجهمي هو من قال بقول الجهم بن صفوان مؤسس ومنظر هذه الفرقة الضالة، فهؤلاء أيضاً ينكرون صفات الله عز وجل سواء كانت ذاتية أو فعلية، ومن صفات الله عز وجل الذاتية صفة اليدين، فأهل السنة والجماعة يثبتونها لله عز وجل كما يليق بجلاله وعظمته، لا يعطلونها كالجهمية ومن نحا نحوهم من المعتزلة والأشاعرة والماتريدية، ولا يمثلونها كالممثلة، بل يثبتونها لله سبحانه وتعالى لورود الأدلة على ذلك من الكتاب والسنة. فصفة اليدين من الصفات الذاتية لله سبحانه وتعالى، فصفات الله عز وجل إما ذاتية وإما فعلية، وضابط الصفات الذاتية هي التي لا تنفك عن الرب سبحانه وتعالى ولا تعلق لها بالمشيئة، كاليَدين والوجه والقدمين والأصابع ونحو تلك الصفات الثابتة بالكتاب والسنة. وأيضاً يثبتون الصفات الفعلية، وضابطها هي التي تتعلق بالمشيئة، كالنزول والاستواء والخلق والكلام ونحو ذلك، فأهل السنة يثبتون جميع الصفات سواء كانت ذاتية أو فعلية طالما أنها ثابتة في الكتاب والسنة، فلا يعطلونها ولا يشبهونها، ومن ذلك كما سمعت صفة اليدين خلافاً للمعطلة والمشبهة. فالله عز وجل يقول في كتابه الكريم: ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾، فقوله: ﴿ليس كمثله شيء﴾ هذا فيه رد على الممثلة، فالله عز وجل ليس كمثله شيء، كيف يشبهونه بخلقه؟ فإذا كان الاختلاف في صفات المخلوقين وارداً، فالإنسان له يدان والحيوان له يدان، ومعنى وحقيقة يدي الإنسان ليست كمعنى وحقيقة يد البهائم والحيوان، فلله المثل الأعلى، فالله عز وجل له يدان تليقان بجلاله، لا نشبهها بيدي أحد من خلقه، فهي تليق بجلاله وعظمته. وهكذا في قوله: ﴿وهو السميع البصير﴾، فيه رد على المعطلة الذين ينكرون الصفات ويعطلونها، فالله عز وجل نفى في هذه الآية عن نفسه المثيل ثم أثبت لنفسه السمع والبصر، وهذا هو اعتقاد أهل السنة والجماعة، لا يمثلون ولا يعطلون بل يثبتون الصفات كما تليق بجلاله سبحانه وتعالى. فلذلك يقول أهل العلم في عبارة تبين ضلال هاتين الفرقتين: «الممثل يعبد صنماً، لأنه مثل الرب سبحانه وتعالى بخلقه فهو كأنه يعبد صنماً، والمعطل يعبد عدماً»، فكيف هؤلاء يعبدون رباً لا يسمع ولا يبصر ولا يتكلم؟ هذا هو وصف العدم، هذا وصف العدم، فإذا الممثل يعبد صنماً والمعطل يعبد عدماً. ولذلك قالوا أيضاً من قواعد أهل العلم في ذلك: «كل معطل ممثل، وكل معطل ممثل». لماذا؟ لأن الذي دفعه إلى التعطيل أنه مثل أولاً، فقال: «لو أثبتنا الصفات لشبهنا الخالق بالمخلوق»، إذن هنا مثل أولاً، فكل معطل ممثل. وكل ممثل معطل، كيف؟ يعني هذا الذي يقول: صفات الرب كصفات المخلوق، فجعل صفات الرب هي عين صفات المخلوق، فبهذا عطل حقيقة ومعنى هذه الصفة للرب سبحانه وتعالى لأنه لم يثبتها على الحقيقة، فهمتم هذا الآن؟ لم يثبتها على الحقيقة بل شبهها بصفات الخلق، وهذا في الحقيقة تعطيل لصفة الرب سبحانه أو لصفات الرب سبحانه وتعالى. فإذن معتقد أهل السنة والجماعة إثبات صفة اليدين لله سبحانه وتعالى. فقول المؤلف هنا: «وقد ينكر الجهمي أيضاً يمينه»، يريد باليمين هنا يدي الرب سبحانه وتعالى، وإنما وصفها باليمين هنا لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال كما سيأتي معنا في الحديث: «وكلتا يدي ربي يمين»، وسيأتي معنا بيان ذلك إن شاء الله قريباً. فقوله: «وقد ينكر الجهمي أيضاً يمينه»، مراده يديه، يعني يدي الرب سبحانه وتعالى. وإثبات صفة اليدين لله عز وجل إنما أثبتها أهل السنة لورود الأدلة بها في الكتاب والسنة، كما تقدم معنا في الدرس الماضي أن الأسماء والصفات لا تثبت إلا إذا وردت في الكتاب أو السنة، فصفة اليدين ثابتة بالكتاب والسنة. أما أدلة الكتاب: فقول الله عز وجل: ﴿وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان﴾، ﴿بل يداه﴾ أي يدا الرب سبحانه وتعالى ﴿مبسوطتان ينفق كيف يشاء﴾، فهذا فيه إثبات اليدين لله سبحانه وتعالى. وقال الله عز وجل: ﴿أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاماً فهم لها مالكون﴾، ﴿أيدينا﴾ فأثبت لنفسه سبحانه وتعالى اليدين. وهكذا قوله سبحانه وتعالى: ﴿تبارك الذي بيده الملك﴾، ﴿تبارك الذي بيده الملك﴾، فأثبت لنفسه اليدين سبحانه وتعالى. وقال عز وجل: ﴿يد الله فوق أيديهم﴾، فأثبت الله عز وجل لنفسه اليدين. وقد يقول قائل: الآيات التي ذكرتها وغيرها من الآيات كقوله تعالى: ﴿والسماوات مطويات بيمينه﴾، أي بيديه أو بيده سبحانه وتعالى، فقد يقول قائل: هذه الآيات منها ما ورد بصيغة التثنية ﴿بل يداه مبسوطتان﴾، ومنها ما ورد بصيغة الإفراد كقوله تعالى: ﴿يد الله فوق أيديهم﴾ هذا إفراد، وقول الله عز وجل أيضاً: ﴿تبارك الذي بيده الملك﴾ هذا إفراد، صح. وجاء أيضاً بصيغة الجمع وهو قوله: ﴿أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا﴾، ﴿أيدينا﴾ هنا جمع. فكيف أنتم تقولون إن لله عز وجل يدين ولم تقولوا أيدي أو يد واحدة مع أن الآيات جاءت بالتثنية والجمع والإفراد؟ الجواب على ذلك: أن لله عز وجل يدين، وأما ما ورد بصيغة الإفراد فهذه الصيغة جاءت مضافة، جاءت مضافة، ﴿تبارك الذي بيده﴾ فاليد هنا أضيفت لماذا؟ إلى الضمير الهاء، وهكذا ﴿يد الله﴾ أضيفت اليد إلى لفظ الجلالة، والمفرد عند أهل اللغة إذا أضيف يشمل المفرد والمثنى والجمع، فيحمل هنا على المثنى لورود ذلك في قوله: ﴿بل يداه مبسوطتان﴾، وكذلك في الأحاديث الثابتة ومنها قول النبي عليه الصلاة والسلام: «وكلتا يدي ربي يمين»، فثناها عليه الصلاة والسلام، فأضع هذا الآن، فتحمل صيغة الإفراد على أنه مفرد مضاف فيشمل المثنى، فيشمل المثنى. وأما ما جاء في صيغة الجمع فإنما جمع للمشاكلة، جمع للمشاكلة بين المضاف والمضاف إليه، فقوله: ﴿أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا﴾، انتبه إلى لفظة ﴿أيدينا﴾، ﴿أيدينا﴾ هذا مضاف ومضاف إليه، صح؟ مضاف ومضاف إليه، أين المضاف؟ ﴿أيدي﴾، أين المضاف إليه؟ الضمير ﴿نا﴾، ﴿أيدينا﴾، فالضمير مضاف إليه، فلما أتي بالضمير جمعاً لأن الضمير ﴿نا﴾ يطلق على المفرد ويطلق على المفرد المعظم نفسه، صح؟ المفرد المعظم نفسه، فربنا عز وجل أراد في هذه اللفظة أن يعظم نفسه فذكر المضاف إليه بالجمع وهو الضمير ﴿نا﴾، فناسب أن يأتي المضاف جمعاً حتى يشاكل المضاف إليه، فلا يؤتى بمفرد مضاف وجمع مضاف إليه، فحتى تتم المشاكلة بين المضاف والمضاف إليه أتي بالمضاف جمعاً، وإلا فيراد به المثنى لأن لله عز وجل يدين، فهمتم هذا الآن؟ هكذا أجاب أهل العلم، فجميع الآيات تحمل على اليدين سواء كانت بصيغة المفرد أو بصيغة الجمع أو بصيغة التثنية، هذه الأدلة من القرآن. نعم، عندك شيء؟ نعم، لا هي صيغة جمع لكنها تطلق في اللغة على المعظم نفسه، طيب، فتقول مثلاً: «خرجت من البيت» وأنت تريد نفسك واحد، صح؟ وتقول: «خرجنا من البيت» وأنت واحد تريد أن تعظم نفسك، طيب، فـ ﴿نا﴾ هنا جمعت من باب التعظيم، وإلا فالله عز وجل إله واحد، صح؟ وليس آلهة متعددة، فلا يراد به الجمع إنما يراد به الإفراد لكن من باب التعظيم أتي بضمير الجمع. نعم، أي: لكن هذا فيه شيء من التكلف، القول الأول هو أقرب، وقد ذكر ذلك الشيخ زيد المدخلي رحمه الله في شرحه لهذه المنظومة وأجاب على هذا، فهذا أقرب، طيب، والله تعالى أعلم. وهذا له وجه في اللغة، له وجه في اللغة أن بعضهم يقول: أقل الجمع اثنين، تمام؟ أقل الجمع اثنين، واستدلوا بآية في القرآن ما هي؟ قول الله عز وجل في آية المواريث: ﴿فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك﴾، طيب، فقالوا: طيب، إذا كانت أكثر من اثنتين أيضاً لهم ماذا؟ الثلثان، صح؟ البنات إذا ما مات عن بنتين كم للبنتين؟ الثلثان، ما معهم محرم أخ محرم، طيب، فلهما الثلثين، طيب، لو كانت ثلاثة وأربعة وخمس هل يزيد في نصيب الإرث؟ لا، يبقى الثلثان، صح؟ فقالوا: هذا دليل من استدل على أن أقل الجمع اثنين، فقال: ﴿فإن كن نساء فوق اثنتين﴾، ﴿نعم، قلوبكما فقد صغت قلوبكما﴾، ويعني ﴿قلوبكم﴾، صح؟ يكون هكذا، والله أعلم. فهذا وجه آخر، لكن أنا أرى والله أعلم أن القول بالمشاكلة هو أقرب، هو أقرب، والله تعالى أعلم. نعم، يعني طالما أن المضاف إليه جاء جمعاً فناسب أن يأتي المضاف جمعاً. لا، نحن ما ذكرناها في الصفات، ذكرناها في اللغة فقط، تمام؟ توجيه لغوي ليس توجيه عقدي، انتبه لا تخلط بين الأمرين، نحن نحن وجهنا هنا توجيه لغوي، مشاكلة في اللفظ فقط ليس في الصفة، فهمت؟ أي: أي: ماذا وجهه الشاهد؟ هذا مقابلة، ومش مشاكلة، لا مش مشاكلة، ما يسمى مشاكلة، هذا هذا يسمى مقابلة من صفات المقابلة، انتبه: مش المشاكلة مقابلة، المشاكلة معناها يعني مثل ما تقول: يعني الشبه في اللفظ، الشبه في اللفظ، يعني طالما