الدرس في شرح حائية ابن أبي داوود 8، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يستعرض المقطع إثبات صفة نزول الرب سبحانه إلى السماء الدنيا كل ليلة متواتراً عن نحو ثلاثين صحابياً، مؤكداً أن أهل السنة يثبتونها بلا تكييف ولا تمثيل. كما يفسر اسم الله الجبار بعدة معانٍ، ويوضح الفرق الجوهري بين نفي التكييف ونفي التمثيل عن صفات الله تعالى.
يشرح المقطع معنى "بلا كيف" بأنه نفي علم الخلق بالكيفية لا نفي الكيفية ذاتها مستدلاً بقول الإمام مالك في الاستواء. ويبين أن "طبق الدنيا" تعني السماء الدنيا، وأن نزول الرب في الثلث الأخير يفتح فيه أبواب السماء ويستجاب الدعاء والمغفرة، حاثاً على اغتنام هذا الوقت بالعبادة.
يثبت المقطع صفة النزول الإلهي بالتواتر ويبين كونها دليلاً قاطعاً على علو الله على خلقه. ثم يرد بالتفصيل على شبه الجهمية والمعتزلة والأشاعرة والماتريدية الذين أنكروا النزول أو أولوه، مؤكداً موقف أهل السنة في إثبات الصفات بلا تشبيه ولا تعطيل ولا تكييف.
يعلن المتحدث انتهاء الحديث في هذا المقطع، مشيراً إلى أن الترجمة تمت بواسطة نانسي قنقر. وتكون هذه الفقرة بمثابة ختام رسمي للجلسة العلمية.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، قال ابن أبي داود رحمه الله تعالى في منظومته الحائية: وَقُلْ يَنْزِلُ الْجَبَّارُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ بِلَا كَيْفِ جَلَّ الْوَاحِدُ الْمُتَمَدِّحُ إِلَى طَبَقِ الدُّنْيَا يَمُنُّ بِفَضْلِهِ فَتَفَرَّجَ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَتُفْتَحُ يَقُولُ أَلَا مُسْتَغْفِرٌ يُلْقَى غَافِرٌ وَمُسْتَمِنِّحُ خَيْراً وَرِزْقاً فَيُمْنَحُ رَوَى ذَاكَ قَوْمٌ لَا يُرَدُّ حَدِيثُهُمْ أَلَا خَابَ قَوْمٌ كَذَّبُوهُمْ وَقَبَّحُوا هذه الأبيات فيها إثبات نزول الرب سبحانه وتعالى في كل ليلة إلى سماء الدنيا، وأهل السنة والجماعة مذهبهم في النزول هو مذهبهم في بقية الصفات. فمن الصفات الفعلية التي يثبتها أهل السنة لله سبحانه وتعالى صفة النزول، صفة النزول؛ لأن الدليل جاء بذلك من سنة النبي عليه الصلاة والسلام. فقوله: "وقد ينزل الجبار" أن ينزل الله الله سبحانه وتعالى إلى السماء الدنيا نزولاً يليق بجلاله سبحانه وتعالى. وهذا النزول الذي أشار إليه قد تواترت به الأحاديث، فحديثه حديث متواتر. وقد تقدم معنا في صفة الرؤية بصفة الرؤية أن حديثها متواتر، وعرفنا ما معنى الحديث المتواتر. نعم، ما معنى الحديث المتواتر؟ نعم، وما رواه جماعة عن جماعة يستحيل في العادة، يستحيل في العادة تواطؤهم على الكذب. فمن ذلك حديث النزول، فهو حديث متواتر رواه جماعة عن جماعة. وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله كما في كتابه "مجموع الفتاوى" أن هذا الحديث روي عن النبي عليه الصلاة والسلام من رواية جماعة كثيرة من الصحابة، قال: فهو حديث متواتر عند أهل العلم بالحديث. وذكر ابن القيم أيضاً في "الصواعق المرسلة" أن روايات هذا الحديث وردت من نحو ثلاثين صحابياً، نحو ثلاثين صحابياً. وتعرفون أن الحديث المتواتر هو من أقوى الأحاديث من حيث القبول ومن حيث الاستدلال، فهو يفيد العلم اليقيني القطعي كما هو معلوم. وأهل السنة لما يبينون درجة هذا الحديث حتى يردوا على المبتدعة الذين يزعمون أن أحاديث العقائد لا يستدلوا، أو العقائد لا يستدل عليها إلا بالأحاديث المتواترة، أما الأحاديث الآحاد التي هي دون التواتر فهم لا يستدلون بها في العقائد. فكون أهل السنة يقررون أن هذه الصفة وردت في حديث متواتر فيه رد دامغ على المعطلة من الجهمية ومن نحى نحوهم، ومن نحى نحوهم. وليس معنى بيان أهل السنة لهذه الأحاديث بأنهم متواتر أنهم يقولون بقول المبتدع، لا بل أهل السنة والجماعة يعملون بأي حديث ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام وصح عنه، سواء كان هذا الحديث آحاداً أو متواتراً، وسواء كان هذا الحديث في العقائد أو في غيرها من العبادات والمعاملات والأخلاق، خلافاً للمبتدع. ولكن يقرر العلماء هذه المسألة وهو تواتر أحاديث في بعض مسائل العقيدة ليلزموا أهل البدع بالأخذ بها، فلماذا لم يأخذوا بها؟ دل ذلك على أن دينهم مبني على الهوى وليس على إرادة الحق والبحث عنه. هذا هو المراد. وأشهر هذه الروايات التي جاءت في النزول، نزول الرب إلى السماء الدنيا، حديث أبي هريرة وهو في الصحيحين، في صحيح البخاري وصحيح مسلم. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "يَنْزِلُ رَبُّنَا كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ، فَيَقُولُ: أَيْ الرَّبُّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ، مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ، مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ". هذا هو أشهر هذه الروايات، وإلا فهذا الحديث ورد عن جماعة من الصحابة كما تقدم عن ابن القيم نحو ثلاثين صحابياً. فقوله: "وينزل"، و"قل ينزل الجبار" كما دلت عليه الأحاديث. والجبار اسم من أسماء الله تعالى، الجبار اسم من أسماء الله تعالى، وله معانٍ عدة. فيطلق الجبار ويراد به الذي يجبر عباده المنكسرين، يجبر عباده المنكسرين المحتاجين إليه الضعفاء، وهو يجبر كسرهم، فهذا معنى من معاني الجبار. والجبار يأتي بمعنى الذي تجري أحكامه القدرية على عباده، تجري أحكامه القدرية على عباده دون أن يمتنع منها، لأنه لا راد لحكمه ولا معقب لحكمه، لا راد لقضائه ولا معقب لحكمه، فأحكام الله القدرية لا يردها أحد، فهذا معنى من معاني الجبار: تجري أحكامه القدرية على خلقه دون أن يمتنع منها أو من ردها. ويأتي الجبار بمعنى العالي المرتفع، فالله عز وجل فوق عباده وهو القاهر فوق عباده، فهذا معنى قوله "الجبار". "في كل ليلة" كما دل على ذلك الحديث، حديث أبي هريرة: "ينزل ربنا إلى السماء كل ليلة إلى السماء الدنيا كل ليلة". فأخذ هذا الناظم من هذا الحديث. وقوله "بلا كيف" يعني لا ندري عن كيفية هذا النزول. وهذا في جميع الصفات، يثبت أهل السنة صفات الرب سبحانه وتعالى بلا تكييف ولا تمثيل، وإنما يثبتونها حقيقة بمعانيها دون التطرق إلى كيفيتها، لأن هذا لا يعلمه إلا الله، والله على كل شيء قدير، والخلق لا يحيطون به علماً. فالكلام على الصفات فرع عن الكلام عن الذات، فكما أن الخلق لا يعلمون ذاته، فكذلك لا يعلمون صفاته، يعني كيفية هذه الصفات. كما أنهم لا يعلمون كيفية ذات الرب سبحانه وتعالى، كذلك لا يعلمون كيفية صفاته سبحانه وتعالى. فقوله "بلا كيف" احترز من التكييف، ويشمل نفيه التمثيل، نفيه التمثيل. لأن العلماء يقولون: الممثل مكيف، الممثل مكيف. ويقولون: كل ممثل مكيف، وليس كل مكيف ممثلاً. ما معنى هذا؟ أولاً نعرف ما معنى التكييف: معنى التكييف أن تجعل صورة في الواقع لهذا المكيف، تجعل له صورة أو شيء تتخيله في الذهن دون أن يكون بصورة في الواقع. فالتكييف يشمل ما له صورة وما ليس له صورة. وأما التمثيل فلا يكون إلا لما له صورة في الواقع، فتقول مثلاً: هذا البيت كالقصر، مثلته بالقصر، فهذا يسمى تمثيل لأن القصر له صورة. لكن لو مثلت شيئاً بأمر خيالي ذهني ليس له حقيقة وليس له صورة، فهذا يسمى ماذا؟ يسمى تكييف، ولا يسمى تمثيل، ولا يسمى تمثيل. فإذا كما قال العلماء: كل ممثل ماذا؟ كل ممثل مكيف، لأن التكييف يشمل ما له صورة وما ليس له صورة، صح، فيدخل في ذلك التمثيل. وأما التكييف فلا يطلق عليه فقط التمثيل، فلذلك يقولون: ليس كل مكيف ممثلاً، لأن الممثل له صورة معينة، والتكييف أوسع من ذلك. أفهمتم هذا الآن؟ فإذا قوله "بلا كيف" هل يدخل فيه التمثيل؟ نعم، يعني بلا تكييف ولا تمثيل. وذكر هنا التكييف لأن بعض أهل البدع قد يقول: أنا ما أشبه الله بخلقه وإنما أكيفه بشيء ليس له حقيقة ولا صورة، فيقال: لا يجوز هذا. أفهمتم هذا الآن؟ قد يتخيل أن الرب كذا وكذا، شيء ليس له حقيقة، فهذا أيضاً لا يجوز، فلا يجوز التكييف ولا يجوز التمثيل. فلذلك قال "بلا كيف"، "بلا كيف". والمراد "بلا كيف" يعني بلا كيف معلوم لدينا نحن الخلق، فهو نفي لعلمنا نحن بالكيفية، وليس نفياً للكيفية، لأن ما لا كيفية له لا وجود له. فالله عز وجل له كيفية لكن لا يعلمها الخلق، لا يعلمها إلا هو سبحانه وتعالى. أفهمتم هذا الآن؟ فقولنا "بلا كيف" يعني نعلمها، وإلا فالله أعلم بنفسه سبحانه وتعالى، الله أعلم بنفسه سبحانه وتعالى. ولذلك قال الإمام مالك لما سأله ذاك المبتدع: "الرحمن على العرش استوى، كيف استوى؟" قال: الاستواء معلوم، يعني معلوم المعنى، نعرف ما معنى الاستواء: العلو والاستقرار ونحو ذلك من معاني اللغة. ثم ماذا قال له؟ "والكيف مجهول"، وفي رواية "غير معلوم"، يعني غير معلوم لدينا. واضح هذا مجهول بالنسبة للخلق. وهذا يقال كذلك في جميع الصفات، يجاب على كل مبتدع بهذا الجواب السلفي من الإمام مالك رحمه الله. فإذا سأل سائل: كيف ينزل؟ يقال: النزول معلوم، والكيف مجهول، لا نعلمه، الله يعلمه لأنه أعلم بنفسه سبحانه وتعالى. فإذا هذا معنى قوله "بلا كيف". ولم يقل كذلك الإمام مالك: "الاستواء معلوم والكيف معدوم"، لا، الكيف ليس معدوماً، معلوم لله، لكن لنا مجهول، النسبة لنا مجهول. لأن العلماء قالوا: ما لا كيفية له لا وجود له. فالكيفية لا يعلمها إلا الله سبحانه وتعالى، فهو أعلم بنفسه. ولذلك قال في هذا البيت: "بلا كيف جل الواحد المتمدح". ومعنى "جل" يعني تعاظم قدره وشأنه عن أن نكيف أو نعلم كيفية أسمائه وصفاته، فهذا معنى "جل": يعني تعاظم قدره وشأنه، فهو أجل وأعظم من أن يعلم الخلق كيفية أسمائه وصفاته، ومنها النزول الذي هو مبحث درسنا في هذا الليل، في هذه الليلة. وقوله "الواحد" من أسماء الله جل وعلا، فهو الواحد الذي لا شريك له، لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، ولا في عبادته، فلا يشبه أحد سبحانه وتعالى، الواحد الأحد الفرد الصمد. وقوله "المتمدح" أي المتصف بصفات المدح والكمال، فالمؤمنون يمدحونه ويثنون عليه بما هو أهله سبحانه وتعالى. وقوله: "إلى طبق الدنيا يمن بفضله، فتفرج أبواب السماء وتفتح". هذا البيت متمم للبيت الذي قبله، وتابع لمبحث النزول. فالجار والمجرور في قوله "إلى طبق الدنيا" متعلق بينزل، "ينزل الجبار إلى طبق الدنيا". وطبق هو الغطاء، الغطاء هو الغطاء، والسماء فالسماء غطاء الأرض، وكل سماء غطاء للسماء التي دونها، التي دونها. فمعنى "طبق الدنيا" يعني غطاء الدنيا، ويراد بها السماء الدنيا التي نراها، هذه السماء فهي طبق للأرض أي غطاء له، كما أن السماء الثانية طبق للسماء الأولى، والسماء الثالثة طبق للسماء الثانية، وهكذا. وقد قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا﴾ [الملك: 3]، أيش الآية؟ سبع سماوات طباق، يعني بعضها فوق بعض، وبعضها غطاء لبعض. فهذا معنى "إلى طبق الدنيا" يعني إلى السماء الدنيا كما ورد في الحديث: "ينزل ربنا إلى السماء الدنيا كل ليلة إلى السماء الدنيا". فهذا معنى "إلى طبق الدنيا". وسميت سماء الدنيا بذلك لقربها من الأرض، لقربها من الأرض، فيقال لها السماء الدنيا. قوله "يمن بفضله": المن هو البذل والعطاء، المن هو البذل والعطاء، فينزل سبحانه ليعطي ويتفضل على العباد بالخيرات وأنواع الهبات. ومن ذلك قوله سبحانه وتعالى كما مر معنا في حديث أبي هريرة: "هل من سائل فأعطيه"، فهذا من المن. ماذا تريد يا عبد الله؟ أن الله عز وجل ينادي في ذلك الوقت المبارك: أين من يسأل؟ أين من يدعو؟ أين من يدعو؟ فلا شك أن هذا من وفضل من الله سبحانه وتعالى على عباده. "هل من مستغفر فأغفر له"، أين من يطلب المغفرة فأغفر له ذنوبه؟ فلا شك أن هذا من أعظم المن. ولهذا يستحب للمسلم أن يقوم آخر الليل، فهو وقت مبارك، ووقت فيه من الهبات والعطايا والكرامات التي يكرم الله عز وجل بها من قام في هذا الوقت. فأنصح نفسي وإياكم أن نحرص على أن نكون في يقظة وانتباه في هذا الوقت المبارك، نصلي، ندعو، نستغفر، فهو وقت مبارك. ونتهيأ لإدراك هذا الوقت وذلك بالنوم مبكراً، وكذلك ترك ما يشغل عن هذا الوقت ونحو ذلك، فهو وقت مبارك. وكما قال المؤلف: "يمن بفضله" على من أدرك هذا الوقت بالدعاء والاستغفار وطلب الحاجات. فلذلك قال: "فتفرج أبواب السماء وتفتح". وهذا معناه: تفتح أبواب السماء بالإجابة، بالإجابة، لأن الله عز وجل ماذا يقول في هذا الحديث؟ "هل من سائل فأعطيه"، يعني وعد الله عز وجل من سأل أن يعطيه سؤله. ولقد ذكر العلماء أن من أوقات الاستجابة هذا الوقت المبارك، من أوقات الاستجابة هذا الوقت المبارك. فهذا من معنى قوله "فتفرج أبواب السماء". وذكر بعض أهل العلم أن قوله "فتفرج أبواب السماء" أن ذلك على حقيقته، فالسماء لها أبواب تفتح، وقد دل على ذلك القرآن والسنة. أما القرآن فقوله سبحانه وتعالى: ﴿لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ﴾ [الأعراف: 40]، فدل ذلك على أن السماء لها أبواب. "فتفرج أبواب السماء" لرحمة الله عز وجل بعباده. بل جاءت في بعض روايات طرق حديث النزول أن أبواب السماء تفتح وقت النزول الإلهي، وهذه رواية الإمام أحمد، ولفظه: "إذا كان ثلث الليل الباقي يهبط الله عز وجل إلى السماء الدنيا ثم تفتح أبواب السماء، ثم تفتح أبواب السماء". فإذا هذا معنى قوله "فتفرج أبواب السماء وتفتح"، يعني تفتح أبواب السماء، فيكون "وتفتح" تأكيداً لما قبله من قوله "فتفرج". ثم قال: "يقول ألا مستغفر يلقى غافراً ومستمنح خيراً ورزقاً فيمنح". "يقول" أي الله سبحانه وتعالى عندما ينزل، وهذا مأخوذ من الحديث: "فيقول أي الله سبحانه وتعالى: هل من مستغفر فأغفر له، هل من سائل فأعطيه". فإذا قوله "يقول" أي الله سبحانه وتعالى: "ألا مستغفر يلقى غافراً". و"ألا" هنا يسميها أهل اللغة أداة تحضيض، فما بعدها فيه حث وترغيب في هذا العمل الذي يأتي بعدها، فهو يحض على الاستغفار، يحض على الاستغفار. أي المؤلف: "ألا مستغفر يلقى غافراً". والمستغفر هو طالب المغفرة، لأن مادة السين والتاء تفيد ماذا؟ تفيد الطلب. فتقول: استغفر طلب المغفرة، استعان طلب الإعانة، استغاث طلب الاستغاثة، وقس على هذا. "يلقى غافراً" يعني من استغفر يلقى غافراً وهو الله سبحانه وتعالى، يغفر له ما قد سأل من مغفرة الذنوب العامة أو الخاصة. "ومستمنح" أي من يطلب المنح، من يطلب المنح وهو العطاء، أي يطلب الله الخير والرزق. ولذلك قال: "ومستمنح خيراً"، وهذا مأخوذ من قوله: "ماذا؟ هل من سائل فأعطيه". فلا شك أن الإنسان يسأل من خيري الدنيا والآخرة، فـ"خيراً" هنا يشمل طلب خير الدنيا وطلب خير الآخرة، طلب خير الدنيا وطلب خير الآخرة. فهذا معنى قوله "ومستمنح خيراً" يعني يطلب المنح وهو العطاء، أي يطلب الخير والرزق. والخير قلنا شامل للخير الديني والدنيوي، للخير الديني والدنيوي. قوله "فيمنحه" أي فيمنحه الله حاجته ويعطيه سؤله، وهذا كما تقدم مأخوذ من قوله: "هل من سائل فأعطيه". ثم قال: "روى ذاك قوم لا يرد حديثهم، ألا خاب قوم كذبوهم وقبحوا". فقوله "روى ذاك" الإشارة إلى النزول الإلهي الثابت، فالذين رووا حديثه قوم ثقات عدول، فالحديث متواتر نقله جماعة عن جماعة، وليس بالكذب أو المختلق، بل هو حديث ثابت رواه قوم لا يرد حديثهم، لا يرد حديثهم. ثم قال: "ألا خاب قوم" أي خسروا، ويريد بهم من أنكر هذه الصفة وغيرها من الصفات، وهم الجهمية ومن نحى نحوهم، وينتهج نهجهم. فهؤلاء في الحقيقة خاسرون، خائبون، خائبون. فحرموا أنفسهم الإيمان. انظروا هؤلاء الذين لا يؤمنون بهذا الحديث، هل يسعدون بقيام الثلث الأخير من الليل والدعاء في هذا الوقت؟ لا يسعدون بهذا لأنه أصلاً ينكرون ماذا؟ هذا النزول، ها ينكرونه. وبعضهم يثبت الحديث لكنه يحرف معناه، وسيأتي معنا في الشبه ذكر بعض شبه هؤلاء والرد عليها. فقوله "ألا خاب" أي خسر الذين كذبوا هؤلاء الرواة الأثبات الذين نقلوا النزول عن النبي عليه الصلاة والسلام، "وقبحوا". وهم قلنا الجهمية ومن سار على منهجهم. والناظم هنا لم يذكر في هذه المنظومة أبياتاً خاصة في العلو والاستواء، في العلو والاستواء، ولكن يعتذر للمؤلف لأنه ذكر العلو والاستواء في منظومته ضمناً، ضمناً في بعض الأبيات، ومنها هذا الموضع: الكلام على النزول. فإن من أدلة إثبات العلو لله عز وجل نزول الرب سبحانه وتعالى، إذ أن النزول لا يكون إلا من أين؟ من أعلى، أليس كذلك؟ بلى. فإذن في الحقيقة قوله "وينزل الجبار في كل ليلة" هذا فيه دليل كذلك على علو الله سبحانه وتعالى. ولذلك الإمام الذهبي عليه رحمة الله ذكر هذه المنظومة بأكملها في كتابه "العلو"، وهو كتاب خاص بذكر الأحاديث والآيات والآثار الواردة في العلو. فلماذا ذكر هذه المنظومة بهذا الكتاب؟ لأن فيها أدلة على علو الله سبحانه وتعالى، ومنها هذا البيت: "وقل ينزل الجبار"، فالنزول من أدلة ماذا؟ إثبات العلو لله سبحانه وتعالى. وأيضاً قوله فيما مضى: "تعالى المسبح"، صح، هذا مر بنا، فـ"تعالى" أيضاً فيه إثبات العلو لله سبحانه وتعالى، "تعالى" بمعنى علا وارتفع، سبحانه وتعالى، ويشمل ذلك علو الذات والقدر والقهر، ففيه أيضاً إثبات العلو. وهكذا في أبياته ذكر ضمناً إثبات العرش لله سبحانه وتعالى، وهذا سيأتي معنا في قوله: "وذي العرش يصفح"، يعني صاحب العرش، فهذا فيه إثبات ماذا؟ العرش. وإن لم يذكر هذه المسائل في أبيات مستقلة إلا أنه ذكرها ضمناً، فهذا إن شاء الله يغني ويكفي في الإشارة إليها. بقي شبه من أنكر النزول من هذه الفرق الضالة، كالجهمية والمعتزلة والأشاعرة والماتريدية ومن نحوهم. فهؤلاء لهم شبه في إنكار هذه الصفة أو في تحريفها، الذي يؤول إلى تعطيلها، يؤول إلى تعطيلها. فمن شبههم أنهم قالوا: النزول يلزم عليه الحركة والانتقال، فهل الله ينتقل من العرش إلى السماء الدنيا ويتحرك؟ هذه فلسفة، إيش الجواب عند أهل السنة؟ الجواب دائماً نذكره: أن أهل السنة لا يشبهون الخالق بالمخلوق، لا يشبهون الخالق بالمخلوق. فالكيفية لا يخوضون فيها: كيف نزل؟ وكيف تحرك؟ وكيف كذا؟ هذا شأن أهل البدع. أما أهل السنة فلا يبحثون عن الكيفية. والذي دفعهم إلى هذا كما تقدم أنهم أولاً شبهوا ثم عطلوا، فبسبب تشبيههم الخالق بالمخلوق وقعوا في هذا المزلق الخطير وهو إنكار الصفات. فالله عظيم، والله سبحانه وتعالى ليس كمثله شيء. فإذا قلت مثل هذه الفلسفة معنى أنك شبهت الخالق بالمخلوق، وهذا لا يجوز. فأهل السنة لا يخوضون في ذلك، بل يقولون: ينزل نزولاً يليق بجلاله سبحانه وتعالى. وأيضاً من شبههم أنهم يقولون: نحن ما ننكر هذا الحديث، حديث أبي هريرة "ينزل ربنا"، ولكن نقول: ينزل أمره، "ينزل ربنا" يعني ينزل ماذا؟ أمره. فسبحان الله، انظروا إلى الضلال وإلى التحريف! الله يقول: "ينزل ربنا"، فهؤلاء يقولون: ينزل أمر ربنا. فكيف الرد عليهم؟ الرد عليهم من نفس الحديث، ما هو فيه؟ ما هي ألفاظ آخر الحديث؟ فيقول: "هل من مستغفر فأغفر له"، هل الأمر يقول؟ ها، هل الأمر يقول: "هل من مستغفر فأغفر له"؟ هل الأمر يغفر؟ هل يقول الأمر: "هل من سائل فأعطيه"؟ هذا كلام يعني لا يقوله إنسان عرف شيئاً يسيراً من اللغة العربية. فما الذي دفع هؤلاء إلى ذلك؟ إنه الهوى والعناد. وكذلك الذي دفعهم إلى ذلك كما تقدم الكفر بالله سبحانه وتعالى. فهؤلاء في الحقيقة صناعة يهودية كما تقدم معنا. ومن شبههم أيضاً أنهم يقولون في قول النبي عليه الصلاة والسلام: نحن نقول نعم ينزل، لكن ينزل ملك من الملائكة، فيقولون: "ينزل ربنا" يعني ينزل ربنا ملكاً من الملائكة، ينزل ربنا ملكاً من الملائكة. فهذا أيضاً يرد عليهم بآخر الحديث: هل يجوز للملك أن يقول؟ هل يجوز للملك أن يقول: "هل من مستغفر فأغفر"؟ لا، هل الملك يغفر؟ هو مخلوق لله عز وجل، ومن يغفر الذنوب إلا الله؟ هل أحد غير الله يغفر الذنوب؟ حتى هؤلاء يقولون أن هذا ملك الذي ينزل. فهذا أيضاً من شبههم الضعيفة التي يرد عليها من الحديث نفسه. ومن شبههم أيضاً أنهم أدخلوا عقولهم في هذه المسألة، فقالوا: كيف ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا، والليل والنهار يختلف من بلد إلى أخرى؟ فهنا مثلاً يكون ليل وهناك يكون نهار، وهناك يكون نهار وهنا يكون ليل، وكذا. فأين ينزل ربنا وهناك ليل وفي نفس الوقت نهار؟ فجعلوا هذه الفلسفة وهذه الصفسطة دليل على تعطيل هذه الصفة. والجواب على هذه الشبهة أن يقال لهم: هذا لا ندخل فيه كما تقدم، لأن هذا من أمر الله سبحانه وتعالى ومن فعل الله عز وجل الذي ليس كمثله شيء. فالذي سخر الليل والنهار وجعلهما يتعاقبان هو الذي أخبر أنه ينزل، ومن الذي جعل الليل والنهار يتعاقبان؟ هو الله سبحانه وتعالى، وهو الذي أخبر أنه ينزل. فإذا المؤمن يسلم ويؤمن بما أخبر الله سبحانه وتعالى به، ولا يبحث في مثل هذه المسألة. أخبر أنه ينزل فنحن نثبت النزول ولا نتعرض للكيفية. وإنما الذي قالوه هذا يصح في حق المخلوق، لو قيل لمخلوق: نريدك أن تأتي في كل بلد في ثلث الليل الآخر، لا يستطيع لأنه مخلوق ضعيف عاجز. لكن الله عز وجل على كل شيء قدير، ولا يعجزه شيء سبحانه وتعالى، وليس كمثله شيء. فكيف تشبهون الخالق بالمخلوق؟ فهذا من سوء فهمهم ومن خبيث معتقدهم أنهم يأتون بمثل هذه الشبه التي لا تنطلي إلا على مبتدع مثلهم، والله المستعان. وبهذا نكون قد انتهينا من هذه الأبيات ومن ذكر هذه الصفة، وبعدها إن شاء الله يوم، وقد نشرع في أبيات ذكر الصحابة وفضائل الصحابة. نكتفي بهذا، وإلى هنا والله تعالى أعلم. ترجمه نانسي قنقر