التعليق على كتاب التوحيد 108

الدرس في التعليق على كتاب التوحيد 108، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

أحكام حرف "لو" في الاعتراض على الشرع والقدر

يبيّن المقطع أن لحرف "لو" استعمالات متعددة، ويبرز منها استعمالان محرمان هما: الاعتراض على الشرع كما فعل المنافقون في غزوة أحد، والاعتراض على القدر بزعم أن التدبير البشري يغني عن قضاء الله، مؤكداً أن الأول قد يبلغ حد الكفر.

تفصيل الأحكام الستة لاستعمال "لو" في الشرع

يسرد المقطع ستة مواضع لكلمة "لو" مع حكم كل منها، مبيناً أنها ليست محرمة مطلقاً بل يختلف حكمها باختلاف القصد والسياق، فمنها المحرم كالتحسر على الفائت والاعتراض على القدر، ومنها الباطل كاحتجاج القدر على المعصية، ومنها الجائز كالتمني للخير المحض.

التمييز بين "اللو" الممدوحة والمذمورة بالأدلة

يفصل المقطع الفرق بين "اللو" الممدوحة والمذمورة مستدلاً بحديث النهي عن قول "لو أني فعلت" لكونه تحسراً أو اعتراضاً، ويحلل آيات المنافقين في بدر رداً عليهم بقوله تعالى "قل فادرؤوا عن أنفسكم الموت"، مستشهداً بموت خالد بن الوليد على فراشه.

خاتمة الجلسة وطلب التأكد

يطلب المتحدث مهلة قصيرة للتأكد من أمر ما، ثم يعلن انتهاء الأمر وعودة البث أو الجلسة إلى طبيعتها.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، وصلى الله عليه وسلم، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال شيخ الإسلام الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله: "باب ما جاء في اللو". ويريد باللو يعني: لو. ولو هي حرف، والحرف لا يدخل عليه الألف واللام، لا يدخل عليه ألف. لكن أتى بالألف واللام هنا في "اللو" لأنه يراد فيه التعريف والتعيين. باب ما جاء في هذا اللو. باب ما جاء في هذا اللو، يعني: لو. والمؤلف هنا جعل الترجمة مفتوحة ولم يجزم بشيء؛ لأن "لو" تستعمل في عدة أوجه، فمنها الجائز ومنها المحرم الممنوع. فذكر العلماء أن "لو" تستعمل في عدة مواضع، وليست هي مذمومة مطلقًا، وإنما هي مذمومة في بعض المواضع. فجملة ما ذكر العلماء في ما تأتي "لو" به: ستة مواضع. الموضع الأول: أن تستعمل في الاعتراض على الشرع، تستعمل في الاعتراض على الشرع، وهذا محرم، وقد يصل إلى الكفر. مثاله: تستعمل في الاعتراض على الشرع، الاعتراض على الشرع. مثاله: الآية الثانية، وقد تكون الآية الأولى سيأتي معنا، وهو قوله تعالى: ﴿لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾. الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا: ﴿لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾. هذه الآية نزلت في غزوة أحد، لما خرج النبي صلى الله عليه وسلم بالجيش، فرجع رأس النفاق عبد الله بن أُبي بثلث الجيش، وبقي ثلثان مع النبي عليه الصلاة والسلام. وتعلمون ما وقع في غزوة أحد: قتل من الصحابة سبعون. فلما سمع بذلك المنافقون قالوا: لو أطاعونا هؤلاء ورجعوا معنا ما قتلوا. فهذا اعتراض على الشرع، من الذي خرج بهم الرسول عليه الصلاة والسلام بأمر من ربه، وهو جهاد في سبيل الله. فهذا اعتراض على الشرع، وهو محرم. الشرع يعني الدين. تعترض على الدين: الله عز وجل يقول شيئًا، وأنت تقول: لو كان كذا فكان أفضل، أو لو كان كذا لما صار كذا، وهو من الشرع. نعم، هذا قد يصل إلى حد الكفر؛ لأن اعتراض على الشرع اعتراض على الشرع. والثانية: الوجه الثاني من استخدام "لو" أن تستعمل في الاعتراض على القدر، وهذا محرم. والاعتراض على القدر مثل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِندَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا﴾. ﴿لَوْ كَانُوا عِندَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا﴾. فهنا اعتراض على القدر. هم قتلوا وماتوا، طيب، فقالوا: هؤلاء لو كانوا عندنا هنا ما قتلوا. إذا هذا اعتراض على ماذا؟ على القدر. مثل ما تقول: فلان أراد أن يسافر، وقلنا له: لا تسافر، اجلس عندنا هنا. وقال: لا، لا، أنا خلاص سأسافر. سافر، وقع له حادث. فأنت تقول: أوه، لو جلس معنا ما وقع على هذا الحادث. هذا اعتراض على ماذا؟ على القدر. الله عز وجل قدر ذلك، فكيف أنت تعترض على قدر الله؟ واضح. فهذا محرم ولا يجوز، محرم ولا يجوز. والوجه الثالث الذي تأتي به أو تأتي "لو" به: أن تستعمل للندم والتحسر، وهذا محرم. كيف للندم والتحسر؟ مثلا: جئت السوق وأردت أن تشتري سيارة، فرأيت أن السعر مرتفع، تركت هذه السيارة، اشتراها غيرك، اشتراها غيرك، فصارت السيارة طيبة، وعندما اشتراها زادت له بسعر أكثر. فقلت: أوه، لو اشتريت هذه السيارة. هذا تحسر وندم، هذا ما يجوز؛ لأن هذا من عمل الشيطان، يفرع بذلك الشيطان يدخل في نفسك الحزن، ويدخل في نفسك الهم والغم. فهذا تحسر وندم. أنت ما اعترضت على قدر الله، وإنما اعترضت أنك تحسرت على هذا، وهو أمر دنيوي، وهو أمر دنيوي، فهذا محرم. الرابع: أن تستعمل في الاحتجاج بالقدر على المعصية، وهذا أيضًا باطل ومحرم. كقول المشركين: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾. وكقول بعض المرجئة: لما تنصحه يقول لك: لو شاء الله لهداني. يعني يحتج بالقدر على المعصية التي هو فيها. هذا كذلك لا يجوز، الاحتجاج بالقدر على المعصية. تستعمل في الاحتجاج بالقدر على المعصية، كقول المشركين: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾. هذا الرابع. الخامس: أن تستعمل في التمني، تستخدم "لو" في ماذا؟ في التمني. والتمني قد يكون تمني الخير، وقد يكون تمني الشر، فحكمه بحسب المتمنى. فإن كان المتمنى خيرًا فهو خير، وإن كان شرًا فهو شر. مثل حديث الأربع الأصناف: رجل آتاه الله العلم، ورجل آتاه الله المال. صاحب العلم يعمل بعلمه، صاحب المال ينفق بماله. وأعطى الله عز وجل ذاك العلم لا يعمل بعلمه، وأعطى ذاك المال لا ينفق هذا المال في وجوه الخير. فإنسان قال: لو كان لي مثل هذا التاجر لفعلت مثل فعله. هذا تمنى ماذا؟ الخير. فهذا لا بأس بـ "لو". تقول مثلًا: لو أن لي مثل فلان سيارة لخرجت دعوة الشباب كل يوم. هذا تمنى الخير. وتمنى الشر: ذاك الذي معه مال وهو يعصي به الله، فتقول: لو معاي مثل فلان مال لخزنت كل يوم، أو لا ذهبت السينما والمسرح كل يوم، أو لا أدخلت الدش على أولادي. هذا تمنى بالشر. السادس والأخير: أن تستعمل في الخير المحض، فهذا جائز. كأن تقول: يا أيها السلام، لو أن لي مالًا لاشتريت كتبًا، أو تقول: لو حضرت الدرس لاستفدت. هذا خير محض. ويستدل لهذا بقول النبي عليه الصلاة والسلام: «لَوْ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ لَمَا سَقْتُ الْهَدْيَ وَلَجَعَلْتُهَا عُمْرَةً». هنا أتى استخدام "لو" بقول النبي عليه الصلاة والسلام: «لَوْ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ». صريح. فإذن "لو" ليست محرمة مطلقًا، وإنما في مواضع تكون محرمة، وفي مواضع تكون جائزة. فهي ستة مواضع ذكرناها هنا. تمام، فانتبهوا لها، فإن هذا فائدة عزيزة تزيل عليك إشكال ورود "لو" في بعض الأحاديث على وجه المدح، مثل هذا قول النبي عليه الصلاة والسلام: «لَوْ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ». ومن هنا يتبين لك الفرق بين "اللو" الممدوحة و"اللو" المذمومة. ففي الحديث الذي سيأتي معنا، حديث أبي هريرة: «وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَذَا لَكَانَ كَذَا وَكَذَا». هذا مذمومة؛ لأن من أي قسم في الحديث؟ في الحديث، حديث أبي هريرة الذي سيأتي معنا: «لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَذَا لَكَانَ كَذَا وَكَذَا». «وَلَكِنْ قُلْ قَدَرَ اللَّهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ». فلا تقل: لو أني فعلت كذا لكان كذا وكذا. ها، ها. قد يكون اعتراض على القدر، وقد يكون الندم والتحسر. تمام، الندم والتحسر كما تقدم: فاتك رزق دنيوي، تقول: أوه، لو فعلت كذا لكان كذا. هذا من التحسر، الندم. واضح، هذا لا يجوز. فنفرق بين مجيء "اللو" مجيء "اللو". قال: وقول الله تعالى: ﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾. هنا يقولون: أي المنافقون: ﴿لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾، يعنون في غزوة بدر، يعني: لو كان لنا الأمر لرجعنا مع من رجع، وإذا رجعنا ما قتلنا. فهنا ذكر الشيخ العثيمين أن "لو" قد تكون اعتراض على الشرع، وقد تكون اعتراض على القدر. تكون اعتراض على الشرع؛ لأن هؤلاء اعترضوا على شرع الله، فهو الذي أمرهم بالبقاء والجهاد، وهم يقولون: ﴿لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾. إذن يعترضون على شرع الله. وقد يكون اعتراض على القدر من أي جهة؟ من جهة أن قولهم: ﴿لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾، يعني: لو كان عندنا حنكة وعندنا خبرة ما قتلنا هنا. وهم يعترضون على قدر الله. طيب، يعترضون على قدر الله مثل ده يقول: لو ما سافر فلان لما قتلت. هذا اعتراض على قدر الله. وهذا يقول: لو أن عندي حنكة وخبرة لما قتلت. ويريدون ما قتلنا يعني أصحابهم، وإلا القائل هو سلم الآن، لكن يعنون أصحابهم. فهذا يحتمل أنه اعتراض على القدر، ويحتمل أنه اعتراض على الشرع. قال: وقول الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا: ﴿لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾. يريد هنا بإخوانهم: قيل إخوانهم في النسب لا في الدين، وهم المنافقون، لهم إخوة من النسب. وقيل المراد الإخوة في الدين ظاهرا؛ لأن المنافق يظهر الإسلام ظاهرا. صح، يظهر الإسلام ظاهرا، فهو يريدون لإخوانهم الذين قالوا لإخوانهم يعني للمؤمنين، فسموهم إخوانًا لأنهم يجتمعون معهم في ظاهر الدين، وإن كانوا يبطرون الكفر. ﴿لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾، يعني: لو رجعوا معنا ما قتلوا. فبسبب أنهم بقوا قتلوا. ورد الله عليهم قال: قال الله عز وجل: ﴿قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. الموت يأتيك ولو لم تخرج الجهاد. فخروجك الجهاد ليس هو السبب، أو هو يعني يؤدي إلى قتلك. كم من مجاهد شارك في العديد من المعارك، ومع هذا ما قتل إلا على فراش. مثل خالد بن الوليد، كم قاد من المعارك في الجاهلية وفي الإسلام، ومع هذا مات على فراشه. ومن لم يمت بالسيف مات بغيره، تعددت الأسباب والموت واحد، والموت واحد. فط هذا لحظة، سأتأكد، خلصوا وعادهم.