الدرس في كتاب الصلاة 50، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
شرح حديث عائشة حول قول النبي في ركوعه وسجوده: «سبوح قدوس، رب الملائكة والروح». يبين معنى هذه العبارة وأهميتها كذكر مستحب في الصلاة.
يروي ثوبان عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر بكثرة السجود لله لدخول الجنة. السجود يرفع الدرجات ويحط الخطايا، مما يجعله سببا للفوز بالجنة.
يروي ربيعة بن كعب الأسلمي كيف أمره النبي بكثرة السجود لمرافقته في الجنة. هذا يدل على أهمية كثرة الصلاة في نيل المنازل العالية في الجنة.
المقطع ينتهي بدعاء الله تعالى بالتوفيق والصلاة على النبي محمد وآله وصحبه. يُظهر حرص المتحدث على الدعاء والصلاة على النبي في نهاية حديثه.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام مسلم، الحجاج أبو الحسين، أي نيسابوري القشيري، رحمه الله، في صحيحه: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا محمد بن بشر العبدي، قال: حدثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن مطرف بن عبد الله بن الشخير، أن عائشة نبأته: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول في ركوعه وسجوده: «سبوح قدوس، رب الملائكة والروح». قال: حدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا أبو داود، قال: حدثنا شعبة، قال: أخبرني قتادة، قال: سمعت مطرف بن عبد الله بن الشخير. قال أبو داود: حدثني هشام، عن قتادة، عن مطرف، عن عائشة، عن النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الحديث. هذا الحديث حديث عائشة رضي الله عنها: أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يقول في ركوعه وسجوده: «سبوح قدوس، رب الملائكة والروح». فهذا الدعاء والذكر من أذكار الركوع والسجود، مما يستحب أن يقوله المصلي في ركوعه وسجوده. فكان النبي عليه الصلاة والسلام يقول ذلك في ركوعه وسجوده: «سبوح قدوس، رب الملائكة والروح». سبوح يعني بمعنى التسبيح، هذا هو التنزيه. السبوح أي المسبح، المنزه عن كل نقص وعيب. وقدوس بمعنى المطهر، المطهر من النقائص والعيوب. فهو الكامل جل وعلا في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، الكامل في ربوبيته وألوهيته جل وعلا. فقول العبد: «سبوح قدوس»، هذا تنزيه لله جل وعلا من النقائص والعيوب التي يصفها يصفه بها الواصفون من أهل الكفر والضلال، كنسبة الولد لله، أو الشريك مع الله جل وعلا، أو غير ذلك مما يتنزه الله جل وعلا عن الاتصاف به. فأنت تقول: «سبوح قدوس»، أي: تنزه جل وعلا، تطهر عن مثل هذه النقائص والعيوب والافتراءات. «رب الملائكة والروح»، رب الملائكة أي الخالق لها والموجد لها والمصرف فيها، وهو رب سائر المخلوقات سبحانه وتعالى، ولكن خص الملائكة في هذا الذكر وفي هذا الموضع تشريفا لها. «رب الملائكة» يشمل جميع الملائكة، والروح قد يراد بها يعني جميع الأرواح وجميع المخلوقات التي خلق الله جل وعلا وبث فيها الروح، أو قد يراد به جبريل عليه السلام، فيكون ذكره وعطفه من عطفي الخاص على العام لبيان شرفه وفضله. إذن هذا الذكر مما يستحب أن يقال في الركوع والسجود، هو من أذكار الركوع والسجود. حدثني زهير بن حرب، قال: حدثنا الوليد بن مسلم، قال: سمعت الأوزاعي، قال: حدثني الوليد بن هشام المعيطي، قال: حدثنا معدان بن أبي طلحة اليعمري، قال: لقيت ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: أخبرني بعمل أعمله يدخلني الله به الجنة، أو قال: قلت بأحب الأعمال إلى الله، فسكت، ثم سألته، فمكث، ثم سألته ثالثة، فقال: سألت عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «عليك بكثرة السجود لله، فإنك لا تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة وحط عنك بها خطيئة». قال معدان: ثم لقيت أبا الدرداء، فسألته، فقال لي مثل ما قال لي ثوبان. هذا الحديث في حرص السلف رحمهم الله على الأعمال البر وعمال الخير، وما يدخلهم الجنة وينجيهم من النار. فمعدان يسأل ثوبان مولى رسول الله عليه الصلاة والسلام، قال: أخبرني بعمل أعمله يدخلني الله به الجنة. فكان همهم وأعظم مقصدهم ومرادهم هو الفوز بالجنة ونعيمها، السؤال والسؤال عن الأسباب التي توصلهم إلى الفوز بالجنة. فلما عاد عليه ذلك وكرره عليه ثلاثا، أخبره بأنه سأل النبي عليه الصلاة والسلام عن ذلك، أي سأل النبي عليه الصلاة والسلام أن يخبره بعمل يدخله الجنة. هذا من حرصه رضي الله عنه على الخير وحرصهم على العمل للآخرة والاستعداد لها. فسأل النبي عليه الصلاة والسلام عن ذلك، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «عليك بكثرة السجود لله»، يعني إذا أردت الفوز بالجنة فعليك بكثرة السجود. قول «عليك بكثرة السجود» يعني هل المراد به السجود يسجد سجودا خالصا، أو المراد به الصلاة التي هي من أركانها السجود، الأظهر أنه الثاني، يعني أكثر من الصلاة التي تشتمل على السجود. فهو من ذكر البعض وإرادة الكل، لكن خص السجود لعظيم فضله وكون الإنسان في السجود في حال الذل والخضوع والانكسار والتذلل بين يدي الله سبحانه وتعالى. ثم بين يعني فضل من فضائل السجود: أنك لن تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة وحط عنك بها خطيئة. معنى ذلك أن كثرة السجود وكثرة الصلاة مما يكفر الله عز وجل بها الخطايا، تكفر به الخطايا وترفع بها الدرجات. فكلما أكثر الإنسان من الصلاة وأكثر من السجود، كلما رفعه الله عز وجل درجات وحط عنه الخطايا والذنوب، فيكون ذلك سببا في فوزه بالجنة ونعيمها. حدثنا الحكم بن موسى أبو صالح، قال: حدثنا هقل بن زياد، قال: سمعت الأوزاعي، قال: حدثني يحيى بن أبي كثير، قال: حدثني أبو سلمة، قال: حدثني ربيعة بن كعب الأسلمي، قال: كنت أبيت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتيته بوضوئه وحاجته، قال لي: «سل». قلت: أسألك مرافقتك في الجنة. قال: «أو غير ذلك؟» قلت: هو ذاك. قال: «فاعني على نفسك بكثرة السجود». هذا الحديث كذلك كما سمعنا في حرص السلف رضوان الله عليهم للعمل للآخرة والفوز بالجنة ونعيمها. ربيعة بن كعب الأسلمي كان يخدم النبي عليه الصلاة والسلام ويأتيه بوضوئه يعني بالماء الذي يتوضأ به ويأتيه بحاجته، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: «سل» اسأل ما تريد. قال له: «سل»، ومعلوم النبي صلى الله عليه وسلم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو من أقرب الخلق إلى الله جل وعلا ودعاؤه مستجاب. فلو سأل شيئا من أمور الدنيا لسأل الله عز وجل أن يعطيه إياه، لكن انظروا إلى استغلال الفرص، هذه فرصة عظيمة. النبي صلى الله عليه وسلم يقول له: «سل» ماذا تريد؟ ما سأل شيئا من أمور الدنيا لأن الصحابة رضوان الله عليهم كانت قلوبهم معلقة بالآخرة، يريدون ما عند الله جل وعلا، لا يرغبون في الدنيا. قال له: أسألك مرافقتك في الجنة، أن أكون رفيقا لك في الجنة كما أني عندك في الدنيا أخدمك وأتيك بحاجتك، وهكذا أريد أن أكون رفيقا لك في الجنة. قال: «أو غير ذلك؟» قال: هو ذاك. همه أن يدخل الجنة وليس كذلك بحسب، بل يكون رفيقا للنبي عليه الصلاة والسلام في الجنة. قال: «فاعني على نفسك بكثرة السجود»، يعني أشهد عليه الصلاة والسلام أن يكثر من السجود، يعني من الصلاة أن يكثر من الصلاة التي فيها السجود. معنى هذا أن كثرة الصلاة من أسباب دخول الجنة، بل ونيل المنازل العالية. لأن النبي عليه الصلاة والسلام إذا كان هو من أهل الجنة في المنازل العالية، منازل الأنبياء، فهو أرشده إلى أنه إذا أراد أن ينال هذه المنزلة فعليه بكثرة السجود. فالأمة بحاجة إلى طلبة علم، إلى علماء، ينبغي أن تهيئ نفسك لذلك. قد هيئوك لأمر لو فطنت له فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل. لا تضيع أوقاتك في القيل والقال واللعب واللهو، بل أشغلها بطلب العلم وتحصيله. نسأل الله عز وجل أن يوفقنا وإياكم لما يحب ويرضى. إلى هنا صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.