الدرس في شرح المنظومة البيقونية 8، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يشرح المقطع تقسيم الحديث من حيث الوصول إلى متواتر وآحاد، مع ذكر أمثلة على المتواتر. ثم يفصل في أقسام الآحاد الثلاثة: المشهور، العزيز، والغريب، معرفاً المشهور بأنه ما رواه ثلاثة فأكثر في كل طبقة دون بلوغ حد التواتر.
يحدد المقطع نوعي الحديث الآحاد: العزيز الذي لم ينزل رواته عن اثنين في كل طبقة، والغريب الذي انفرد به راوٍ واحد في إحدى الطبقات. كما يفرق الغريب إلى مطلق (انفراد الصحابي) ونسبـي (انفراد من دون الصحابي).
يوضح المقطع تصحيح تعريف العزيز (رواه اثنان) والمشهور (رواه ثلاثة) في علم المصطلح، مبيناً أن هذه الاصطلاحات تتعلق بعدد الرواة لا بصحة الحديث. ويفرق بين المتواتر الذي يفيد العلم اليقيني والآحاد الذي يفيد الظن الراجح إن كان صحيحاً والمرجوح إن كان ضعيفاً.
يعلل المتكلم تأخير ذكر موضوع معين بعد العزيز والمشهور في المنظومة بقيود الوزن والقافية التي تلزم الشاعر. ويختتم الجلسة مؤكداً أن هذا الموضع كان الأنسب لشعرية النص.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، قال البيقوني رحمه الله: عزيز مروي اثنين أو ثلاثة مشهور مروي فوق ما ثلاثة هذا البيت انتقد على المؤلف، ونذكر أولاً أن المؤلف في هذا البيت ذكر نوعين من أنواع الحديث وهو العزيز والمشهور. وهذا التقسيم يقول أو يعبر عنه علماء المصطلح بتقسيم الحديث بالنسبة أو بالنسبة للوصول إلينا، كيف وصل إلينا هذا الحديث؟ فوصول الحديث إلينا إما متواتر وإما أحد. فالمتواتر كما تقدم معنا: ما رواه جماعة عن جماعة يستحيل في العادة تواطؤهم على الكذب، هذا يسمى متواتر. وقد جمع بعض أهل العلم الأحاديث المتواترة في بيتين من الشعر، فقال: وهذا ليس على سبيل الحصر وإنما على سبيل المثال، قال: مما تواتر حديث من كذب ومن بنى لله بيتاً واحتسب ورؤية شفاعة والحوض ومسح خفيني وهذه بعض مما تواتر. حديث من كذب يعني حديث من كذب عليه متعمداً فليتبوأ مقعده من النار، فهذا الحديث رواه جماعة عن جماعة يستحيل في العادة تواطؤهم على الكذب. ومن بنى لله بيتاً واحتسب حديث عثمان: «من بنى لله بيتاً بنى الله له بيتاً في الجنة» أو «من بنى لله مسجداً بنى الله له بيتاً في الجنة»، هذا أيضاً مما تواتر. ورؤية شفاعة والحوض كما تقدم معنا حديث ماذا؟ الرؤية حديث جرير أنه متواتر، وكذلك حديث الشفاعة: شفاعة المؤمنين بعضهم لبعض، أو شفاعة النبي عليه الصلاة والسلام لأهل الموقف. وهكذا الحوض ثبتت أحاديثه بالتواتر، والمسح على الخفين أيضاً. قلنا هذا على سبيل المثال ليس على سبيل الحصر، وإلا فهناك أيضاً أحاديث ومنها حديث النزول كما تقدم معنا في درس اليوم. فهذا يسمى حديث ماذا؟ متواتر. بالنسبة لوصول الحديث إلينا إما يكون بطريق التواتر أو بطريق الآحاد، والآحاد ينقسم إلى ثلاثة أقسام: الحديث المشهور، والحديث العزيز، والحديث الغريب. الحديث المشهور والحديث العزيز والحديث الغريب. فالحديث المشهور تعريفه: هو ما رواه ثلاثة فأكثر في كل طبقة، ما لم يبلغ حد التواتر. في كل طبقة من طبقات السند رواه ثلاثة، ويمكن يزيدون في طبقة من الطبقات، لكن يكون في إحدى الطبقات ثلاثة لا يزيدون، فهذا يسمى حديث ماذا؟ مشهور. يسمى حديث مشهور، وسُمي مشهوراً لأنه يكون في جميع الإسناد ثلاثة، هذا يدل على شهرته، إنه حديث اشتهر حتى رواه ثلاثة في كل طبقة. عرفتم ما معنى الطبقة؟ مثلاً في طبقة الإمام مالك ثلاثة، في طبقة نافع ثلاثة، في طبقة الزهري ثلاثة، كل طبقة فيها ثلاثة، ما ينقصون على الثلاثة ولا يزيدون بحيث يصلون درجة التواتر، لا. فهذا يسمى حديث ماذا؟ مشهور. ومثلوا له بحديث عبد الله بن عمرو بن العاص: «إن الله لا ينزع العلم انتزاعاً من صدور الناس أو من صدور الرجال، ولكن يقبض العلماء، فإذا لم يبق عالماً اتخذ الناس رؤوساً جهالاً، فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا». فهذا هو الحديث المشهور. والنوع الثاني من أقسام الحديث الآحاد: الحديث العزيز. وتعريفه: أن لا يغر رواته عن اثنين في جميع طبقات السند، لا يزيد ولا ينقص عن اثنين. لكن مثلاً لو في طبقة اثنين، وفي طبقة ثلاثة، وفي طبقة أربعة، وفي طبقة خمسة، هذا لا يزال يسمى ماذا؟ يسمى عزيز، لأن العبرة بأقل طبقة، والعبرة ولو بطبقة واحدة من طبقات السند فيها اثنان، فهمتم؟ فهذا يسمى عزيز. فلو في كل طبقة اثنان هذا من باب أولى يسمى عزيز، لكن لو في طبقة اثنان، طبقة ثلاثة، طبقة أربعة، طبقة خمسة، أو طبقة اثنان وكل الطبقات من ثلاثة، هذا أيضاً لا يزال يسمى عزيز لأن في إحدى طبقات السند اثنان. نعم، أيها؟ هذا سيأتي لأننا قلنا لا يقل عن اثنين، إذا في واحد سيأتي في القسم الثالث وهو ما يسمى بالحديث الغريب. ولما سمي عزيز؟ لأنه عُزز براوٍ ثانٍ، ما فيه راوٍ واحد، ليس فيه راوٍ واحد، وإنما لا بد أن يكون في طبقاته راويان أو راويان، راويان، أن يكون في طبقاته راويان. فهنا سُمّي عزيزاً كما قال: ﴿فَعَزَّزْنَاهُم بِثَالِثٍ﴾ [يس: 14] من التعزيز، فهذا عُزز بثانٍ فسُمي عزيز. ومثلوا له بحديث أبي هريرة: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين». قالوا هذا مثال للحديث العزيز. حديث أنس، وجاء من حديث أبي هريرة، فالذي جاء العزيز هو حديث أبي هريرة، يعني جاء من عدة صحابة، جاء من حديث جماعة من الصحابة منهم أنس وأبو هريرة، لكن العزيز جاء حديث أبي هريرة. القسم الثالث وهو الحديث الغريب، والغريب هو: أن يكون في أحد طبقاته راوٍ واحد فقط، يسند الحديث راوٍ واحد فقط، هذا يسمى الغريب. ما ينفرد بروايته راوٍ واحد سواء كان صحابياً أو تابعياً أو من دون التابعي. فلو جاء حديث مثلاً في إحدى طبقاته خمسة، وفي إحدى طبقاته عشرة، وفي إحدى طبقاته ستة، وفي إحدى طبقاته واحد، يسمى ماذا؟ غريب. يسمى غريب لأنه انفرد بروايته في إحدى طبقاته راوٍ واحد، راوٍ واحد. وقسم العلماء الغريب إلى قسمين: غريب مطلق، وغريب نسبي. فقالوا: المطلق الذي لا يعرف إلا عن طريق صحابي واحد، الذي أصل سنده فيه راوٍ واحد، هذا يسمى حديث غريب مطلق. مثلاً يقول لك: هذا الحديث ما صح إلا من حديث، أو ما جاء إلا من حديث عمر، مثل حديث: «إنما الأعمال بالنيات»، قالوا: هذا ما ورد إلا عن عمر بن الخطاب، فهذا يسمى حديث غريب مطلق. وهناك حديث غريب نسبي، وهو ما كانت الغرابة فيما هو دون الصحابي، فيما هي دون الصحابي، كأن تكون الانفراد في طبقة التابعي أو تابع التابعي أو من دونه، هذا يسمى غريب ماذا؟ غريب نسبي. الآن نرجع إلى بيت النظم، قال: «عزيز مروي اثنين أو ثلاثة». انتقد عليه هذا لأن العزيز مروي اثنين فقط، ما يكون مروي ثلاثة. وبعضهم صحح، ولو تحفظون البيت بالتصحيح أفضل حتى يثبت، فقال: «عزيز مروي اثنين يا بحاثة، يا بحاثة» يعني من البحث، حتى نحذف لفظة ماذا؟ «ثلاثة»، حتى نحذف لفظة «أو ثلاثة»، فإن هذا تعريف خطأ، ما استقر عليه العلماء في اصطلاحهم مؤخراً أن الحديث العزيز مرواه اثنان، ليس أو ثلاثة. فيقال مثلاً: «عزيز مروي اثنين يا بحاثة، مشهور مروي» بدلاً ما يقول «فوق ما ثلاثة»، أيش معنى «فوق ما ثلاثة»؟ معناه فوق الثلاثة، صح: أربعة، خمسة، إلى فوق. لكن الصواب أن المشهور ما هو تعريفه؟ المشهور ما رواه كم؟ ثلاثة. وهو يقول: ما فوق الثلاثة، «مروي فوق ما ثلاثة» يعني أكثر من ثلاثة، لأنه قال: العزيز مروي اثنين أو ثلاثة، فهو يقول: المشهور مروي فوق الثلاثة. وهذا قلنا تعريف ليس بصحيح في اصطلاح أهل المصطلح. فأيضاً يصحح هذا فيقال: «مشهور مروي عن الثلاثة»، بهذا يستقيم. إذن نقرأ البيت الآن بالتصويب: عزيز مروي اثنين يا بحاثة مشهور مروي عن الثلاثة بهذا يستقيم البيت، أو يستقيم تعريف العزيز والمشهور، يستقيم تعريف العزيز والمشهور. وهذا الآن فهذا هو تعريف العزيز والمشهور في الاصطلاح. ذكر شيخ عثيمين في شرحه، وهذا أيضاً يذكره غيره من أهل المصطلح، أن هناك اصطلاحات أخرى للمشهور، لكن ليس فيما يتعلق بالإسناد، وإنما فيما يتعلق بشهرة نسبية كشهرة حديث عند الفقهاء أو عند عامة الناس، فأحاديث تشتهر على الألسن، تشتهر على الألسن، لكن ليس لها علاقة بالسند. فاصطلاح أهل الحديث يتعلق بالسند وعدد الرواة في السند، فهذا هو الاصطلاح المراد في هذا العلم، في هذا العلم علم المصطلح. طيب، الحديث الآحاد من المشهور والعزيز والغريب ليس له تعلق بالصحة أو الضعف، وإنما هو قلنا باعتبار وصول الحديث إلينا فقط. الحديث يصل إلينا إما عن طريق التواتر وعن طريق الآحاد، وعرفنا ما معنى التواتر والآحاد. وبالنسبة للحكم: الحديث المتواتر يفيد العلم اليقيني الذي لا يحتاج إلى استدلال وبحث، وأما الآحاد فهو يعني الحديث الآحاد فهو يفيد الظن، فإن كان صحيحاً فهو الظن الراجح، وإذا كان ضعيفاً فهو الظن المرجوح الذي لا يعمل به. فهمتم هذا الآن؟ هذا بالنسبة للحكم. فلا يؤخذ من تقسيم الحديث باعتبار وصوله إلينا صحة ولا ضعف، بل يبحث عنه، يبحث عنه. أما المتواتر فلا يكون إلا صحيحاً ويفيد العلم كما تقدم معنا. هذا باختصار ما يذكر في المشهور والعزيز. طيب، قد يقول قائل: ما ذكر هنا الغريب، ما ذكر هنا الغريب؟ فهل ذكره في منظومته؟ نعم ذكره، لكن أخره، أخره، لم يذكروه في هذا الموضع، فقال: «ومرسل منه الصحابي صغت، وقل غريب ما روى راوٍ فقط»، هذا هو تعريف من هذا الحديث الغريب، فأخره. وإلا كان المناسب أن يذكره بعد العزيز والمشهور لأنه في نفس التقسيم، لكن والله أعلم، تعرفون الشعر يقيد صاحبه بالوزن والقافية، يعني أشياء شعرية معروفة، فكأنه ما وجد ذكر هذا مما يناسب نظم هذه المنظومة إلا أن يذكره في هذا الموضع، فأخره بعد ثلاثة أبيات من ذكر العزيز والمشهور. طيب، نكتفي بهذا وإلى هنا، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر