الدرس في شرح المنظومة البيقونية 12، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يشرح المقطع المعنى اللغوي للتدليس بأنه إخفاء العلة، ويبين أن أنواعه ثلاثة: تدليس الإسناد، وتدليس التسوية، وتدليس الشيخ. ويركز على تدليس الإسناد الذي يتمثل في رواية الراوي عمن سمع منه ما لم يسمعه منه بصيغة محتملة لإيهام السماع المباشر مع مثال عملي.
يشرح المقطع مفهوم تدليس التسوية وهو إسقاط راوٍ ضعيف بين ثقتين ليوهم اتصال الإسناد. ويضرب مثالاً برواية بقية بن الوليد عن أبي وهب الأسدي عن نافع حيث حذف الراوي الضعيف إسحاق بن أبي فروة.
يذكر المقطع نوعين من التدليس: تدليس التسوية وهو أشد ضرراً وقادح في متعمدّه، وتدليس الشيوخ وهو ذكر الشيخ باسم غير مشهور لإخفاء هويته وهو أخف. ويبين دوافع التدليس كالمخاوف السياسية وإخفاء الرواية عن ضعيف، وأن التدليس مكروه ووصفه شعبة بأنه أخ الكذب.
يختتم المتحدث الحديث بتوضيح الفرق ثم الاكتفاء بهذا القدر مع قوله والله تعالى أعلم. ويوجه دعوة للجمهور للاشتراك في القناة.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهَد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. وبعد: قال: «وما أتى مُدَلَّساً نوعان: الأول الإسقاط للشيخ، وأن ينقل عمن فوقه، أو ينقل عمن فوقه بعنوان "قول"». وما أتى مُدَلَّساً نوعان. التدليس معناه كما في اللغة من الدلسة، وهي الظلمة، وهي الظلمة، وهو الشيء الخفي. ولذلك يكون التدليس في البيع والشراء، وهو أن يُظهر المبيع سليماً بصفة حسنة، ولكن في حقيقة الأمر فيه عيب ونقص، فهذا تدليس، وهذا يسمى تدليس البيع والشراء. فهذا أصله في اللغة، وأخذ هذا كذلك في الحديث، فمعنى التدليس في الحديث: إخفاء العلة، إخفاء العلة. وأشار المؤلف إلى نوعين من أنواع الحديث المُدَلَّس، نوعان: أشار إلى تدليس التسوية وتدليس الشيخ. ولكن الصحيح أن التدليس ثلاثة أنواع، التدليس ثلاثة أنواع كما يذكر ذلك أهل المصطلح: تدليس الإسناد، وتدليس التسوية، وتدليس الشيخ. هنا أشار فقط إلى تدليس التسوية وتدليس الشيخ؛ لأن قال: «وما أتى مدلس النوعان: الأول الإسقاط للشيخ، وأن ينقل عمن فوقه بعنوان... والثاني لا يسقطه لكن يصف أوصافه بما به لا يُعرف». عفواً، أنا قلت: أشار إلى تدليس التسوية والشيخ. الصواب: أنه أشار إلى تدليس الإسناد وتدليس الشيخ. أشار إلى تدليس الإسناد وتدليس الشيخ. فتدليس الإسناد كما عرّفه المؤلف: أن يروي الراوي عمن قد سمع منه ما لم يسمع منه، من غير أن يذكر أنه سمعه منه. هذا يسمى تدليس... الإسناد. نمثل على ذلك أولاً، نمثل بمثال تقريبي بيننا، مثلاً على سبيل المثال: أنا مثلاً سمعت من الشيخ عبدالله مرعي، وسمعت من الشيخ عبيد الجابري، فكلاهما شيخان لي، صح؟ كلاهما شيخان لي. فأريد أن أنقل خبراً عن الشيخ عبيد حفظه الله، ولكن هذا الخبر ما سمعته مباشرة من الشيخ عبيد، لكن سمعته من... من الشيخ عبدالله، قال: حدثني الشيخ عبيد. فكان الأولى أن أقول ماذا؟ أن أقول: أنا مثلاً عن الشيخ عبدالله، أو: حدثني الشيخ عبدالله عن الشيخ عبيد، صح؟ فأنا أقوم وأحذف الشيخ عبدالله، فأقول: إن الشيخ عبيد قال كذا وكذا. فالآن أنت ستظن أنني سمعت هذا مباشرة من الشيخ عبيد، صح؟ وأنا في الحقيقة ماذا؟ ما سمعت ذلك من الشيخ عبيد. عرفتم هذا الآن؟ فهذا يسمى تدليس... تدليس الإسناد. تعريفه: أن يروي الراوي عمن قد سمع منه ما لم يسمع منه. أنا الآن سمعت من الشيخ عبيد، لكن هذا الأثر الذي الآن رويته رويته، ما سمعته مباشرة من الشيخ عبيد، فدلست حتى يوهم أني سمعت هذا من الشيخ عبيد. واضح؟ ولكن يشترط في هذا أن تأتي بصيغة محتملة، ليست بصيغة صريحة. لو أتيت بصيغة صريحة بالسماع فأنا كذاب. لو قلت: حدثني الشيخ عبيد، وأنا الآن كذاب إذا ما سمعت هذا من الشيخ عبيد، صح؟ أكون كذاباً. لكن آتي بصيغة محتملة، فأقول: "عن" أو "أن". وهذا معنى قوله: «ينقل عمن فوقه بعن وأن»، يعني: بـ"عن" عنه، أو بـ"أن" أنا. بـ"عن" عنه، أو بـ"أن" أنا. فهمتم هذا الآن؟ فهذا يسمى تدليس الإسناد، بغض النظر عن هذا الساقط ثقة أو ضعيف أو نحو ذلك. المهم أني أسقطت شيخاً سمعت منه، ورويت مباشرة عن شيخ آخر هو من شيوخي، لكن لم أسمع منه هذا الحديث أو هذا الأثر بصيغة محتملة. هذا يسمى تدليس... تدليس الإسناد. وهذا معنى قوله: «الأول الإسقاط للشيخ، وأن ينقل عمن فوقه بعن وأن». فيسقط شيخه، ويروي عن شيخ آخر ما لم يسمع منه بصيغة محتملة. هذا يسمى إسناد... ماذا يسمى؟ تدليس... تدليس الإسناد. وهذا الذي عناه المؤلف هنا. وهناك نوع لم يذكره المؤلف، وهو يدخل في تدليس الإسناد، ولكن هو جزء منه، جزء من تدليس الإسناد، وهو ما يسمى بتدليس التسوية، وهو ما يسمى بتدليس... التسوية. فتدليس التسوية: هذا الراوي يحذف شيخه الضعيف، يحذف شيخه... الضعيف. فتعريف تدليس التسوية: رواية الراوي عن شيخه، ثم إسقاط راوٍ ضعيف بين ثقتين، لقي أحدهما الآخر. يأتي راوٍ، ما يشترط أنه أسقط شيخاً، لا، ربما يسقط شيخ أحد الرواة، لكن سمع الثقتان بعضهما من بعض، وبينهما ضعيف، كل واحد من الآخر. مثال ذلك: مثلاً على سبيل المثال، رجل ضعيف، المثال الذي تقدم معنا: رجل ضعيف روى عن الشيخ عبيد حفظه الله، رجل ضعيف روى عن الشيخ عبيد، وقبله شيخ ثقة. فيأتي راوٍ، وهذا الثقة سمع من الشيخ عبيد، تمام؟ الثقة هذا سمع من الشيخ عبيد، الذي الضعيف بينه وبين الشيخ عبيد. فيأتي راوٍ ويحدث هذا الضعيف، فيقول مثلاً: عن فلان الثقة عن الشيخ عبيد، ويحدث الضعيف. هذا يسمى تدليس... تسوية. سوى الإسناد، كأنه ليس فيه عيب، وهو في الحقيقة فيه عيب، وهو ماذا؟ حذف هذا الضعيف. طيب، نمثل بحديث واقعي ورد عند ابن أبي حاتم، ذكره العلماء مثالاً لتدليس التسوية، حتى يتضح يعني هذا التعريف وهذا النوع من أنواع التدليس. هذا الحديث ما رواه ابن أبي حاتم في العلل، قال: سمعت أبي، وذكر الحديث الذي رواه إسحاق بن راهويه، طيبوا، سجلوا هذا: إسحاق بن راهويه عن بقية، وهو بقية بن الوليد، ممن يشتهر بتدليس التسوية. بقية بن الوليد والوليد بن مسلم، هذان الراويان مما اشتهرا بتدليس التسوية، مما اشتهرا بتدليس... التسوية. فينتبه لأحاديثهما. وأما الحديث، قلنا: ما رواه ابن أبي حاتم في العلل، قال: سمعت أبي، وذكر الحديث الذي رواه إسحاق بن راهويه عن بقية بن الوليد عن أبي وهب الأسدي عن نافع عن ابن عمر. لأن السند من إسحاق بن راهويه عن بقية بن الوليد عن أبي وهب الأسدي عن نافع عن ابن عمر، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا تحمدوا إسلام المرأة حتى تعرفوا عقدة رأيها». لا تحمدوا إسلام المرأة حتى تعرفوا عقدة رأيها. طيب، هذا الحديث فيه تدليس تسوية. كيف تدليس تسوية؟ الحديث سقط منه راوٍ ضعيف بين أبي وهب الأسدي وبين نافع مولى ابن عمر. من هو هذا الراوي الضعيف؟ إسحاق بن أبي فروة. أصل الحديث: أصل الحديث إسحاق بن راهويه عن بقية بن الوليد عن... من؟ عن إسحاق بن أبي فروة عن نافع. فأبو وهب الأسدي، أبو وهب الأسدي سمع من نافع، لكن ما سمع هذا الحديث من نافع، سمعه عن طريق إسحاق بن أبي فروة. فجاء بقية بن الوليد وحذف إسحاق بن أبي فروة، فصار الآن ظاهر السند الصحة، صح؟ صار ظاهر السند... الصحة، لأن الضعيف هذا حُذف، وما يجيء في انقطاع؛ لأن أبا وهب الأسدي سمع من نافع، لكن ما سمع هذا الحديث من نافع مباشرة، وإنما سمعه عن طريق إسحاق بن أبي فروة، وهو ضعيف. فهذا يسمى تدليس... تدليس تسوية. سوى بقية هذا السند، فجعل ظاهره الصحة، وهو ضعيف لأنه أسقط ضعيفاً. وهذا الآن هذا كمثال ذكره أهل المصطلح لتدليس التسوية، وهو كمثال، وإلا فالأمثلة كثيرة تعرضوا في القراءة في تخاريج أهل العلم وجمع طرق الأحاديث لأهل العلم. فهذا هو تدليس التسوية. وأما القسم الثالث فهو تدليس الشيوخ، وهو كما ذكر المؤلف: «والثاني لا يسقطه لكن يصف أوصافه بما به لا يُعرف». فيذكر مثلاً شيخه بوصف ليس مشهور به، يُعمي. ويذكرون مثالاً على ذلك: قول أبي بكر بن مجاهد، أحد أئمة القراء، قال: وحدثنا عبدالله بن أبي عبدالله. من هو عبدالله بن أبي عبدالله؟ هذا من يريد هذا، تعرفون عبدالله بن أبي عبدالله؟ قد أخذنا ترجمة، يريد به أبا بكر بن أبي داود السجستاني صاحب الحائية. قلنا: كنيته أبو بكر، واسمه عبدالله، صح؟ واسمه عبدالله، وكنية أبيه أبو عبدالله، فهو قال: عبدالله بن أبي عبدالله، فيريد أبا بكر بن أبي داود السجستاني. فمن سيهتدي لهذا؟ وهمتم هذا الآن. وهذا يقع حتى في حديث الناس الآن: مثلاً إنسان مشهور بلقبه، إنسان مشهور بلقبه، وما أحد يعرفه باسمه. فإذا أردت أن تدلس هذا الشخص تأتي باسمه، فما يعرفه أحد، ما يعرفه أحد. على سبيل المثال: مثلاً أبو طاهر مشهور بكنية، صح؟ لكن لو أتيت لي باسم، أنا ما أقول لك: الله أعلم من هذا، ما أعرف، أنا لا ما أعرف اسمه، صح؟ وهكذا كثير من الناس مشهورون بكناهم أو بألقابهم أو بأسمائهم فقط، فأنت تأتي بشيء لم يعرفه الناس، هذا يسمى تدليس شيوخ. وهكذا المحدثون، هذا هو تدليس الشيوخ. والثاني: لا يسقط، ما يسقط الراوي، الشيخ لا موجود، لكن يأتي بوصف أو باسم أو بكنية لا يعرف بها، لا يعرف بها، فيتعجب المحدثون من هذا، من هذا، من هذا. واضح هذا الآن؟ هذا القسم الثالث من أقسام التدليس. طيب، قد يسأل سائل ويقول: ما هي الحكمة من تدليس المحدثين بجميع أنواع هذا التدليس؟ ذكروا هناك علل كثيرة، وذكر هنا الشيخ العثيمين بعضاً من هذه العلل: فمنهم من ذكر يحذف الشيخ أو يصفه بوصف لأمر سياسي، لأنه لو صرح بهذا الشيخ ربما يسجن، أو ربما يؤذى، أو نحو ذلك، أو مثلاً يخشى على نفسه من سلطان أو نحوه، أو ما يحب أن يعرف الناس أنه يروي عن هذا الشيخ الضعيف، أو يروي عن فلان، أو نحو ذلك من الأغراض، فيدلس المحدث. والتدليس عند المحدثين مكروه، ذمه أكثر العلماء، حتى قال شعبة: «التدليس أخ الكذب»، التدليس أخ الكذب. كان المحدثون يكرهون التدليس، وتدليس التسوية أشد كراهة، حتى قال الإمام العراقي رحمه الله: إنه قادح فيمن تعمد فعله، الذي يتعمد تدليس التسوية، لأنه يُعمي على الناس، وربما غير المحدثين وأصحاب العلل يقبلون هذا الحديث لأن ظاهره الصحة، أنه أسقط الضعيف، فقدح العلماء فيمن يصنع ذلك تعمداً. وأما تدليس الشيوخ فهو أخف كراهة، لأن الشيخ أصلاً هو، لكن أخفاه المحدث بوصف لا يعرف به، فهو أيضاً مكروه، لكنه أخف من تدليس التسوية. فأشد أنواع التدليس ضرراً هو تدليس... التسوية. وتدليس التسوية قلنا: هو من تدليس الإسناد، لكن جزء منه. وتدليس الإسناد أعم، لأنه قد يكون في تدليس الإسناد الذي يحدث ثقة، ولا يشترط في تدليس الإسناد أن يكون ضعيفاً، بخلاف تدليس التسوية، فإنه يشترط أن يكون المحذوف... ضعيفاً. هذا هو الفرق. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا. والله تعالى أعلم. اشتركوا في القناة.