الدرس في شرح حائية ابن أبي داوود 16، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يبيّن المقطع معتقد أهل السنة في عصاة الموحدين أنهم لا يخلدون في النار بل يخرجون منها بشفاعة أو فضل الله، ويُحيون بماء نهر الفردوس كنبات الحبة في حميل السيل. كما يرد على الخوارج والمعتزلة في تكفيرهم أو تخليدهم لمرتكب الكبيرة، مثبتاً أنهم تحت مشيئة الله.
يشرح المقطع شروط الشفاعة الثابتة وهي إذن الله ورضاه عن المشفوع له واختصاصها بأهل التوحيد، مستدلاً بالقرآن والرد على المنكرين. ثم يفصل أنواع شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم الخاصة به ك الشفاعة العظمى ودخول الجنة ورفع الدرجات، والعامة المشتركة مع الملائكة والصالحين.
يستعرض المقطع أدلة عذاب القبر من السنة النبوية كحديث النمام ومن لا يستبرئ من بوله، مؤكداً ثبوته حقاً على الكفار والمشركين والفجار في الحياة البرزخية. ويختم بتقرير أن العذاب والنعيم في القبر حق ثابت بالكتاب والسنة وإجماع أهل السنة.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، قال ابن أبي داود رحمه الله في منظومته الحائية: وقد يخرج الله العظيم بفضله من النار أجساداً من الفحم تطرح على النهر في الفردوس تحيا بمائه كحب حميل السيل إذ جاء يطفح هذه مسألة العصاة من الموحدين: عاصٍ لكن عنده توحيد، ومات على معصيته وعنده كبائر، كبائر الذنوب، لكنها دون الشرك، ما وقع في الشرك بالله. فهذا يعد من المؤمنين الموحدين عند أهل السنة، ولكنه ناقص الإيمان، ناقص الإيمان. فمعتقد أهل السنة أن هؤلاء لا يخرجون من الإسلام، لا يخرجون من الإسلام، فهم تحت المشيئة: إن شاء الله عذبهم بكبائرهم، وإن شاء الله لم يعذبهم بل أدخلهم الجنة من أول وهلة وعفى عنهم وغفر لهم ذنوبهم، وإن شاء عذبهم ولكن عذابهم هذا لا يخلدهم في النار، بل يعذبون في النار ثم يخرجون منها. فخروجهم من النار إما بشفاعة الشافعين، وإما بفضل الله عز وجل يعذبون عذاباً ثم بعد ذلك يخرجون من النار بفضل الله، وإما بانتهاء عذابهم يعذبون على قدر ذنوبهم، فانتهى يعني ما يكون سبباً في عذابهم من الكبائر فيخرجون من النار ولا يخلدون فيها كالكفار والمشركين، كالكفار والمشركين. فالمؤلف والناظم رحمه الله راد من هذين البيتين أن يبين هذا المعتقد، رداً على الخوارج والمعتزلة كما سنبين ضلالهم وكذلك انحرافهم في هذه المسألة. فنرجع إلى البيتين وإلى شرح هذين البيتين. قوله: "وقد يخرج الله العظيم بفضله". أولاً: الناظم أخذ هذين البيتين بمعنى حديث ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام، فاقتبس هذا المعنى من الحديث ولخصه في هذين البيتين. هذا الحديث جاء عند مسلم بلفظ، وجاء عند البخاري ومسلم بلفظ مقارب. لفظ مسلم وهو من حديث أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «أما أهل النار الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون» هؤلاء الكفار، «ثم قال: ولكن ناس أصابتهم النار بذنوبهم فأماتتهم إماتة حتى إذا كانوا فحماً أذن بالشفاعة» أي فيهم، «فجيء بهم ضبائر ضبائر» يعني جماعات جماعات، «فبثوا على أنهار الجنة، فبثوا على أنهار الجنة، ثم قيل: يا أهل الجنة أفيضوا عليهم، فينبتون نبات الحبة تكون في حميل السيل». والحبة بكسر الحاء وليس بفتحها، لا، الصواب حبة. والفرق بين الحبة والحبة: الحبة ما يحمله السيل من بذر الصحراء الذي ليس هو قوت وإنما عشب، هذا بالكسر ما يحمله السيل من نبات الصحراء الذي ليس هو قوت. وأما الحبة بالفتح فهو البذر الذي يستخدمه الناس في أقواتهم كالبر والطعام ونحو ذلك. فهنا ذكر السيل، وذكر كذلك هذا الذي جاء في الحديث، ضبطه بعض النساخ بكسر الحاء، بكسر الحاء، لأن هذا الذي يحمله السيل، هذا الذي يحمله السيل، لأن هذا يكون في الصحراء، والغالب البذر الذي يكون في الصحراء ليس هو قوت وإنما هو عشب. ولذلك ما الذي يوجد في أطراف المسايل والأودية؟ هي العشب الذي تأكله البهائم، تأكله البهائم، وليس الذي يأكله الإنسان. أما الذي يأكله الإنسان فالغالب هو الذي يبذره، هو الذي يبذره. فالصحيح أنه يكون بكسر الحاء: كحب حميل السيل، وليس كحبي. وفرق كما تقدم بين الكسر والفتح. فجاء في هذا الحديث: «فينبتون نبات الحبة تكون في حميل السيل، تكون في حميل السيل». فقال رجل من القوم: «كأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان بالبادية» رواه مسلم. أي أن النبي صلى الله عليه وسلم وصف وصفاً، الغالب أن هذا الوصف وصف من سكن البادية وعلم مثل هذه التفاصيل، وعلم مثل هذه التفاصيل التي وصفت في هذا الحديث. هذه رواية مسلم، هذه رواية مسلم. وجاء في الصحيحين أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «يدخل الجنة، أو يدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، ثم يقول الله: أخرجوا من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان». قال: «فيخرجون منها قد سودوا، فيلقون في نهر، أو في نهر الحياة بالهمزة أو الحياة بالها، شك من الراوي، قال: فينبتون كما تنبت الحبة في جانب السيل، ألم تروا أنها تخرج صفراء ملتوية». وهذا الحديث كما تقدم في الصحيحين. فالناظم أخذ هذين البيتين من معنى هذه، أو هذين الحديثين من معنى هذين الحديثين. فقوله: "وقد يخرج الله العظيم بفضله"، أي يخرجهم من النار، وإنما ذلك بفضل الله سبحانه وتعالى، حتى إذا أذن للشافع أن يشفع لهؤلاء فيخرجون من النار، كما هو ثابت في شفاعة النبي عليه الصلاة والسلام والمؤمنين لأناس استحقوا النار أو دخلوا النار فيخرجون منها. فهذه الشفاعة في الحقيقة هي بفضل الله سبحانه وتعالى. فكما تقدم أن هؤلاء قد يخرجون بفضل الله وعفوه، وقد يخرجون بشفاعته، وهذا من فضل الله، وقد يخرجون لانتهاء عذابهم في النار، لانتهاء عذابهم في النار. فهذا معنى قوله: "وقد يخرج الله العظيم بفضله". ثم قال: "من النار أجساداً من الفحم تطرح"، يعني يخرج الله من النار أجساداً قد صارت فحماً، والفحم هو الجمر الطافي ويكون أسود اللون، يعني صار هؤلاء كالفحم، ونحن نسميه الصخر، هذا الصخر الذي هو الحطب بعد أن يحترق، الحطب لما يحترق يصير فحماً أسود. فهؤلاء يخرجون من النار فحماً لأن النار والعياذ بالله قد أحرقتهم وأماتتهم وأهلكتهم فصاروا فحماً. نعم، يعني الهِماتة، بارك الله فيك، بمعنى يعني الهلاك، وما يبقى فيهم إلا موضع السجود كما ثبت في بعض الأحاديث: «لم يبق فيهم إلا موضع السجود، إلا موضع السجود». فالهِماتة هنا بمعنى ذهاب كل ما بأجسادهم، هذا معنى الموت أو الهلاك أو كذلك الحرق أو الحرق، فيصيرون فحماً، تأكل النار جميع أجسادهم إلا موضع السجود كما جاء في بعض الأحاديث. وقوله: "تُطرح"، أن يلقون على هذا النهر، ولذلك "تُطرح" هنا له تعلق بالبيت الذي بعده، فيكون التقدير: تُطرح على النهر في الفردوس تحيا بمائه. فالجار والمجرور "على النهر" متعلق بـ "تُطرح"، متعلق بـ "تُطرح"، أي أن هذه الأجساد التي صارت فحماً عندما تخرج من النار تُطرح على النهر في الفردوس، في الفردوس. والفردوس كما تقدم معنا اسم من أسماء الجنة وهو أعلى الجنة ووسط الجنة، ومنه يجري هذا النهر الذي يطرح فيه هؤلاء الذين يخرجون من النار، الذين يخرجون من النار، فيطرحون على هذا النهر الذي هو من الفردوس، فتحيا هذه الأجساد بهذا الماء. ما هذا النهر؟ ما هذا النهر؟ فهذا معنى قوله: "تحيا بمائه". ثم قال: "كحب حميل السيل". وكما تقدم الحب بالكسر هو بذور الصحراء مما ليس بقوت، مما ليس بقوت. وأما الحبة بالفتح فهي ما يزرعه الناس مما يقتاتونه، مما يقتاتونه. فهذا تشبيه لهؤلاء أنهم يصيرون سليمين مما نالهم في النار، فيحيون كما تنبت هذه الحبة في طرف الوادي، في طرف الوادي. فهذا معنى قوله: "كحب حميل السيل". فـ "حميل السيل" أي الذي يحمله السيل، حميل السيل يعني الذي يحمله السيل، لأن السيل إذا جاء حمل معه البذور، صح، حمل معه البذور، فأين تبقى هذه البذور؟ في جانبي المسايل والوديان، فتبقى، فتبقى هذه البذور في التراب مع وجود الماء فتنبت هذه البذور، فما تشعر بعد أيام إلا وصار هذا الوادي مخضراً، صح، صار هذا الوادي مخضراً بسبب هذه البذور الذي حملها السيل، فتنبت هذه البذور. وهكذا الشأن يكون في هؤلاء المخرجين من النار الذين صاروا فحماً، فبطرحهم في هذا الماء يحيون. فهذا معنى قوله: "كحب حميل السيل إذ جاء يطفح". ومعنى "يطفح" يعني إذ جاء في ذلك الوقت وهو يفيض، وهو يفيض، لأن الطفح بمعنى الفيضان، تقول: طفح الإناء، أي إذا فاض وامتلأ. فالسيل لما يأتي يأتي طافحاً ممتلئاً، ممتلئاً يعني قد ملأ الوادي. فهذا معنى قوله: "إذ جاء يطفح"، إذ جاء يطفح. فلا شك أن هذين البيتين بمعنى ما جاء في الحديثين بروايتين في مسلم وفي الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه وأرضاه. والمؤلف هنا ذكر هذا رداً على الخوارج والمعتزلة، فإن هاتين الفرقتين قد ضلتا في هذا الباب، باب عصاة الموحدين وأصحاب الكبائر إذا ماتوا على ذلك. فماذا يقول الخوارج؟ الخوارج يقولون: إذا مات المسلم وهو على كبيرة، مرتكب لكبيرة، فإنه كافر خارج عن ملة الإسلام، خارج عن ملة الإسلام. هذا إذا مات عندهم ولم يتوب فهو عندهم خارج عن الإسلام في الدنيا ومخلد في نار جهنم في الآخرة. هؤلاء من الخوارج، هؤلاء الخوارج. وأما المعتزلة فهم قريبون من مذهب الخوارج، وإنما اختلفوا فيهم في أمر يرجع في النهاية إلى قول الخوارج. فماذا يقول المعتزلة؟ يقولون: أن من مات وهو مرتكب لكبيرة يخرج من الإيمان ولا يدخل في الكفر، هكذا يقول المعتزلة. إذا مات الموحد وهو على كبيرة من كبائر الذنوب قالوا: يخرج من الإسلام ولا يدخل في الكفر. أيش هذا؟ هذا الكلام. فقال: هو في منزلة بين المنزلتين، يعني ليس بمؤمن وليس بكافر. إلا ماذا؟ هذا في الدنيا يحكمون عليه في الدنيا بهذا، يقولون: هو في منزلة بين المنزلتين، بين منزلة الكفر ومنزلة الإيمان، فهو ليس بمؤمن وليس بكافر، ليس بمؤمن وليس بكافر، فهو في منزلة بين المنزلتين في هذه الدنيا. وأما في الآخرة فماذا يقولون؟ يقولون بنفس ما قاله الخوارج، يقولون: هو خالد مخلد في نار جهنم. فاتفقوا مع الخوارج في تخليده في النار في الآخرة، واختلفوا معهم في الحكم في الدنيا فقط. الخوارج يقولون: هو كافر، والمعتزلة يقولون: ليس بكافر وليس بمؤمن بل هو في منزلة بين المنزلتين، فهو يخرج من الإيمان ولكن لا يدخل في الكفر. كيف هذا يخرج من الإيمان ولا يدخل في الكفر؟ وهذا تناقض منهم، وهذا تناقض منهم، ويقول: قولهم في النهاية إلى قول الخوارج. ولذلك حكموا عليه بالخلود في النار في الآخرة. وأما مذهب أهل السنة كما سمعت: من مات من أهل التوحيد وهو على كبيرة فهو تحت المشيئة، إن شاء الله عز وجل غفر له، وإن شاء عذبه ثم أخرجه من النار، إما بفضله ورحمته، وإما بشفاعة الشافعين، وإما بانتهاء عذابه، فلا يخلد في النار، إن أدخل فيها الموحد لا يخلد في النار إذا أدخل فيها. هذا هو معنى هذين البيتين، والرد على الخوارج والمعتزلة في مخالفتهما لمذهب أهل السنة في هذا الباب. نعم، "تنصحوا"، لا، الصواب أنه "تنصحوا"، تنصحوا يعني أنصحك ألا تنكر ذلك، والدين النصيحة. واضح هذا معنى... "غولة" لا لا، "تنصحوا" يعني أنا أنصحك، أنصحك ألا تنكر، ألا تنكر منكراً ونكراً، ولا الحوض ولا الميزان، والدين النصيحة كما قال النبي عليه الصلاة والسلام. هذا معنى هذا في البيت الذي قبل هذين البيتين، لعلنا ما نبهنا على هذا، صح، أحسنت. ثم قال الناظم رحمه الله: وإن رسول الله للخلق شافع وإن عذاب القبر بالحق موضح أراد من هذا إثبات الشفاعة للنبي عليه الصلاة والسلام وكذلك لأمته كما سيأتي معنا. فقوله: "وإن رسول الله للخلق شافع"، الشفاعة هي التوسط للغير بجلب منفعة له أو دفع مضرة عنه، والمراد بالشفاعة هنا الشفاعة التي تكون يوم القيامة، لأن الشفاعة شفاعتان: الشفاعة تكون يوم القيامة وتطلب من الله سبحانه وتعالى، ولها شروط سيأتي ذكرها، وشفاعة دنيوية تكون بين الخلق في هذه الدنيا، كما قال الله عز وجل: ﴿مَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُن لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا﴾ يعني في الأجر. والنبي عليه الصلاة يقول: «اشفعوا تؤجروا، ويقضي الله على لسان نبيه ما شاء». فالمراد بقوله: "وإن رسول الله للخلق شافع"، شفاعة يعني أن هناك شفاعة تكون يوم القيامة. والشفاعة في القرآن قسمها العلماء إلى قسمين: شفاعة مثبتة وشفاعة منفية. شفاعة مثبتة وشفاعة منفية، لأنك إذا قرأت في القرآن ستجد أحياناً آيات فيها نفي الشفاعة، كقوله تعالى في كتابه الكريم: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾، وكقوله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾، هذا نفي الشفاعة، صح. وقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تَنفَعُهُمُ الشَّفَاعَةُ﴾، فهذه شفاعة منفية. وهناك شفاعة مثبتة، شفاعة مثبتة، أي أن الله عز وجل يثبت الشفاعة يوم القيامة، قوله سبحانه وتعالى: ﴿مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾، وكقوله تعالى: ﴿وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾، وكقوله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم، كذلك قوله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾، وغيرها من الآيات التي تثبت الشفاعة. فأهل السنة جمعوا بين الأدلة النافية والمثبتة، فقالوا: الشفاعة المثبتة لها شروط، والشفاعة المنفية لها شروط، فجمعوا بين الآيات جميعاً. فقال أهل السنة: الشفاعة المثبتة من شروطها أنها لا تكون إلا بعد إذن الله عز وجل للشافع والمشفوع، وهكذا الرضا عن المشفوع له، وهكذا لا تكون هذه الشفاعة إلا لأهل التوحيد، وكل ذلك أخذوه من القرآن. أما دليل الإذن فقوله تعالى: ﴿مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾، وأما دليل الرضا: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾، وكذلك هناك آية جمعت الإذن والرضا، وهي مجاة في سورة النجم: ﴿وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾. وأما دليل التوحيد أنه لا تكون الشفاعة إلا لأهل التوحيد، قوله سبحانه في كتابه الكريم: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾، والمراد بالظلم هنا الشرك، فإن من معاني الظلم في القرآن الشرك، كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾، فسمى الشرك ظلم، بل هو من أعظم الظلم. فإذن أهل السنة يثبتون الشفاعة بهذه الشروط. وأما الشفاعة المنفية فهي في حق المشركين والكفار، فلا تقبل فيهم شفاعة لقوله تعالى: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾، وكل آية جاء فيها نفي الشفاعة فهي محمولة على أهل الكفر والشرك، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنفَعُهُمُ الشَّفَاعَةُ﴾، وقوله تعالى في كتابه الكريم: ﴿فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾، فهذا كل يحمل على من؟ على أهل الشرك والكفر، على أهل الشرك والكفر. فأهل السنة نظروا إلى الأدلة بعينين مبصرتين، ليس بعين واحدة. أهل البدع ينظرون إلى الأدلة بعين عوراء، ينظرون إلى آيات الوعد، آيات الوعيد، نعم، ينظرون إلى آيات الوعيد ويتركون آيات الوعد. نظروا في باب الشفاعة إلى الآيات المنفية ولم يلتفتوا إلى الآيات المثبتة، وهذا من انحرافهم وضلالهم، كالخوارج والمعتزلة، فإن الخوارج والمعتزلة لا يثبتون الشفاعة مطلقاً، لا يثبتون الشفاعة لأنهم يرون تخليد أصحاب الكبائر في النار، يرون أنهم مخلدون في النار، فلذلك نفوا ماذا؟ نفوا الشفاعة، واستدلوا بالآيات المنفية وتركوا جميع الآيات المثبتة للشفاعة، وهذا من الضلال المبين، وهذا من الضلال المبين. فننتبه لأمثال هؤلاء. فإذن قول الناظم هنا: "وإن رسول الله للخلق شافع"، هنا ننبه على أن الشفاعة المثبتة التي يثبتها أهل السنة أنواع، الشفاعة المثبتة التي يثبتها أهل السنة أنواع، منها ما هو خاص بالنبي عليه الصلاة والسلام، ومنها ما هو مشترك بين النبي عليه الصلاة والسلام وبين غيره من الملائكة والأولياء والصالحين والأفراط والشهداء ونحو ذلك. فأما الشفاعة الخاصة بالنبي عليه الصلاة والسلام فهي عدة شفاعات، أحصاها العلماء إلى أربع شفاعات وردت فيها الأدلة وأنها خاصة بالنبي عليه الصلاة والسلام ولا يشاركه فيها أحد: الشفاعة الأولى: الشفاعة العظمى لأهل الموقف، لما يبلغ بهم الكرب مبلغه، مبلغه، فماذا يستشفعون بالأنبياء؟ آدم وإبراهيم وموسى، وفي النهاية طلبوا الشفاعة من نبينا محمد عليه الصلاة والسلام أن يشفع لهم إلى ربهم، فاستأذن نبينا عليه الصلاة والسلام من ربه، فخر ساجداً فأثنى على الله سبحانه وتعالى ثناءً عظيماً، حتى قيل له: «يا محمد ارفع رأسك، اشفع تشفع، وسل تعطى»، فشفعه ربنا عز وجل في أهل الموقف. وهذه الشفاعة العظمى وهي خاصة بنبينا محمد عليه الصلاة والسلام. والشفاعة الثانية الخاصة بالنبي عليه الصلاة والسلام: شفاعته صلى الله عليه وعلى آله وسلم لأهل الجنة أن يدخلوها، لما يتجاوز أهل الجنة الصراط فيقفون في قنطرة بين الصراط والجنة، فيجدون باب الجنة مغلقاً، فيأتي النبي عليه الصلاة والسلام فيشفع لهم عند الله عز وجل، فتفتح لهم أبواب الجنة فيدخلوها. فهذه الشفاعة أيضاً خاصة بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. والشفاعة الثالثة الخاصة في النبي عليه الصلاة والسلام: أنه يشفع صلى الله عليه وسلم لأناس من أهل الجنة في رفعة منازلهم في الجنة، هم في الجنة ولكن الجنة درجات، كلما علت، أو كلما على أهل الجنة في هذه الدرجات كلما كانوا في أكثر نعيماً وأعظم نعيماً، فالنبي صلى الله عليه وسلم يشفع لأناس في الدرجات الأدنى فيعطون الدرجات العلا. وأما الشفاعة الرابعة الخاصة بالنبي عليه الصلاة والسلام: فهو شفاعته عليه الصلاة والسلام لعمه أبي طالب أن يخفف عنه العذاب، وليس أن يخرج من النار، وإنما يخفف عنه العذاب، لما قام به أبو طالب من نصرة رسول الله عليه الصلاة والسلام والدفاع عنه وإحاطته، وكذلك المدافع عنه ونحو ذلك. قيل عليه الصلاة والسلام: «ماذا أغنيت عن عمك؟» قال: «هو في ضحضاح من نار، ولولا أنا يعني لولا شفاعتي لكان في الدرك الأسفل من النار». فلم يأت أن أحداً شفع لكافر أن يخفف عنه العذاب إلا لنبينا محمد عليه الصلاة والسلام في عمه، كما صح بذلك الحديث. فهذه أربع شفاعات خاصة بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وأما الشفاعة العامة ما له ولغيره من الأمة، فهذه تكون لأهل النار، تكون لأهل النار، فيتشفع الملائكة لأناس يستحق المكوث في النار فيخرجون منها، الملائكة والشهداء والأولياء والصالحين، وكذلك غيرهم من الخلق، فهذا أيضاً مما جاءت فيه أحاديث، جمعها شيخنا الوادعي رحمه الله في كتابه "الشفاعة". ومن ذلك قول النبي عليه الصلاة والسلام: «شفاعتي لأمة من أهل الكبائر»، وهو حديث ثابت بمجموع طرقه. فالمؤمنون يشفعون، وكذلك الأفراط، ما معنى الأفراط؟ يعني من مات له طفل صغير فإنه يكون سبباً للشفاعة لوالديه، الشفاعة لوالديه، هذا أيضاً مما ثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فهذا معنى قول الناظم: "وإن رسول الله للخلق شافع"، سوى كان الشفاعة الكبرى أو دخول الجنة وغيرها مما تقدم. وأما قوله: "وإن عذاب القبر بالحق موضح"، يعني أن أهل السنة يؤمنون بعذاب القبر وأنه حق، وأن الكافر والمنافق والفاجر العاصي يعذب في قبره، وهذا له أدلة كثيرة من القرآن ومن السنة، نكتفي بدليل من القرآن ودليل من السنة. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾، فآل فرعون يعرضون على النار، وهذا في قبورهم لأنه قال: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾، إذن هذا في الحياة البرزخية يعرضون على النار ويعذبون بالنار، فهذا في إثبات عذاب القبر في البرزخ. وهكذا في السنة أحاديث كثيرة، منها حديث النمام والذي لا يستبرئ من بوله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان يمشي بين الناس بالنميمة، وأما الآخر فكان لا يستبرئ من بوله» أو كما قال عليه الصلاة والسلام. فهذا هذا معنى قوله رحمه الله: "وإن عذاب القبر بالحق موضح"، فهو حق يجب على كل مؤمن أن يؤمن بذلك، أن من استحق العذاب من الكفرة والمشركين والفجار والفساق فإنهم يعذبون في قبورهم في حياتهم البرزخية. نكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى أعلم.