الدرس في كتاب الجهاد 3، ألقاها
يتناول حكم أسرى الكفار وتقسيمهم، حيث يخير الإمام بين القتل والاسترقاق والمن والفداء للرجال، بينما يسترق النساء والصبيان ولا يجوز قتلهم. يشير إلى نهي النبي عن قتل النساء والصبيان.
يشرح كيفية تقسيم الغنيمة إلى خمسة أسهم، حيث يخصص الخمس للإمام ويوزع على أقسام خمسة، ثم يقسم باقي الغنيمة على المقاتلين مع توضيح أحكام خاصة بفئات مختلفة.
يتناول تفاصيل توزيع الخمس على الأصناف المحددة، ثم كيفية تقسيم باقي الغنيمة على المقاتلين مع توضيح أحكام الفرسان والراجلين وغيرهم، وأخيرا التعامل مع الأرض المفتوحة.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المؤلف في الباب الثاني في الأسرى والغنائم، وفيه مسائل. المسألة الأولى: حكم أسرى الكفار. قال: ذهب أكثر أهل العلم، وهو الصحيح، أن أسرى الكفار من الرجال أمرهم إلى الإمام، فيخير فيهم بما فيه مصلحة الإسلام والمسلمين، بين القتل والاسترقاق والمن بغير عوض، والفداء إما بمال أو منفعة أو أسير مسلم. أما النساء والصبيان، فإنهم يسترقون بمجرد السبي، ويصيرون كجملة المال، يضمون إلى الغنيمة، ولا يخير فيهم الإمام، ولا يجوز قتلهم لنهيه صلى الله عليه وسلم عن ذلك. أكثر أهل العلم ذهبوا إلى أن أسرى الكفار من الرجال أمرهم إلى الإمام؛ يعني إذا قاتلنا الكفار وهزمناهم وأسرنا منهم من أسرنا، يؤتى بهم إلى الإمام، ولي الأمر، أو من يقوم مقامه ممن ينيبه الإمام، فيخير فيهم بما فيه مصلحة الإسلام والمسلمين، بين القتل، أو الاسترقاق، أو المن بغير عوض، أو الفداء إما بمال أو منفعة أو أسير مسلم. الفداء بمال يعني بمقابل مال يدفعونه ويطلقون، أو بمنفعة يجعلهم مثلا يعملون في الأرض أو نحو ذلك، أو أسير مسلم يعني بدل هذا الأسير الكافر يطالب الكفار بفك من عنده من الأسرى من المسلمين، فيجعل بدل الأسير المسلم أسير من الكفار حتى يطلق هذا المسلم. إذن يخير في ذلك بما فيه مصلحة الإسلام والمسلمين، ينظر ما هو الأصلح فيفعله. أما النساء والصبيان، فيسترقون بمجرد السبي؛ يعني إذا غلب المسلمون الكفار وأخذوا نساءهم وصبيانهم، فيكونوا أرقاء بمجرد أن يسبوا ويؤخذوا، ويصير النساء والصبيان أرقاء، ويكونوا تبعا للغنيمة، ويكونوا تبعا للغنيمة منذ أخذهم، ولا يخير فيهم الإمام؛ يعني ما يخير في النساء والصبيان بخلاف الرجال. قال: ولا يجوز قتلهم لنهيه صلى الله عليه وسلم عن ذلك؛ لا يجوز قتل النساء والصبيان، نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك في حديث بريدة في مسلم، كان يوصي من يبعثه من القادة في القتال في سبيل الله، وينهاهم عن قتل النساء والصبيان. ومثلهم الشيوخ كبار السن، وكذلك الرهبان والعباد أيضا لا يقتلون. وأيضا يلحق بهم من ليس له شيء في القتال كالخنثى، ومن عنده عاهة كأعمى أو نحو ذلك، كل هؤلاء لا يجوز قتلهم، إلا إذا كان لهم رأي في القتال؛ إذا كانت المرأة ممن تشير على الكفار بالقتال مثلا، أو هذا الشيخ الكبير كان من أهل الرأي ممن يشير إليهم بالقتال نحو ذلك، فيقتل، يجوز قتله في هذه الحالة، أو يقاتل مثلا امرأة تقاتل مع الكفار، فهذه يجوز قتلها حينئذ لأنها شاركت في القتال. أما أن تقصد للقتل من غير أن يكون لها رأي أو مشاركة للقتال، فإنه لا يجوز قتلها. قال: والدليل على القتل؛ يعني قتل الأسرى، قوله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾، وقوله تعالى: ﴿ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض﴾؛ يعني يكثر القتل، فأخبر الله سبحانه أن قتل المشركين يوم بدر كان أولى من أسرهم وفدائهم. وهذه الآية نزلت لما استشار النبي عليه الصلاة والسلام أصحابه في أسارى بدر، فأشار إليه أبو بكر أن يأخذ منهم الفداء، وأشار إليه عمر أن يقتلهم، فمال النبي عليه الصلاة والسلام إلى رأي أبي بكر أن يقبل الفداء، فأنزل الله عز وجل هذه الآية فيها هذا العتاب: ﴿ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض﴾ تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة. دخل عمر رضي الله عنه فوجد النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر يبكيان، فسألهما عن ذلك، فأخبره بنزول هذه الآية، فنزلت الآية تؤيد ما ذهب إليه عمر رضي الله عنه من قتل الأسرى وعدم إبقائهم؛ يعني أن الأصلح كان في أسارى بدر القتل: ﴿ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض﴾؛ يعني يكثر القتل في هؤلاء الكفار. قال: ولحديث أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عام الفتح، وعلى رأسه المغفر، فلما نزعه جاء رجل فقال: إن ابن خطل متعلق بأستار الكعبة، فقال: «اقتلوه». والحديث في الصحيحين. هنا أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتله مع أنه تمكن منه وأسير، يعتبر الآن أنه تحت أيديهم، إنما لجأ إلى الحرم، يقول: لعل أن يكون له أمان بلجائه إلى الحرم. والله عز وجل أحل لنبيه عليه الصلاة والسلام مكة يوم الفتح، ولم يحلها لأحد قبل النبي عليه الصلاة والسلام، ولا تحل لأحد بعده أن يقتل فيها أحدا؛ يعني أن يقتل أحدا في الحرم، هذه ساعة أحلها الله عز وجل لنبيه عليه الصلاة والسلام. فقيل له: ابن خطل متعلق بأستار الكعبة، وكان ممن يؤذي النبي عليه الصلاة والسلام، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «اقتلوه». هو الآن أسير، أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتله، هذا يدل على جواز قتل الأسير إن كان في هذا مصلحة. قال: وقتل صلى الله عليه وسلم رجال بني قريظة؛ لما هزموا ونزلوا على حكم سعد بن معاذ، قضى فيهم سعد أن تقتل المقاتلة وتسبى الذرية، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «قضيت فيهم بقضاء الله من فوق سبع سماوات». فقتل من أنبت منهم من الرجال، وهذا يدل كذلك على جواز قتل الأسرى. قال: والدليل على الاسترقاق؛ يعني جعلهم أرقاء وعبيد، حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه في قصة بني قريظة، قال: لما نزلوا على حكم سعد بن معاذ، فحكم على أن تقتل المقاتلة وتسبى الذرية. والحديث في البخاري. وأرقى النبي صلى الله عليه وسلم كثيرا من الأسرى الكفار؛ يعني أخذوا وجعلوا أرقاء وعبيد. وإن كان قصة بني قريظة فيها نظر؛ يعني ظاهر في الاسترقاق إلا بالنسبة للذرية النساء والصبيان، أما بالنسبة للرجال فقد حكم سعد رضي الله عنه بقتلهم، وقتلهم النبي صلى الله عليه وسلم إما من أنبت منهم، ومن لم ينبت جعله رقيقا. قال: والدليل على المن والفداء قوله تعالى: ﴿فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها﴾. قوله: ﴿فإما منا بعد﴾؛ المن أن يطلقوا من غير مقابل، أن يمن عليهم بالترك من غير مقابل. والفداء أن يطلقهم بمقابل إما مال أو منفعة أو كذلك بأسير مسلم نحو ذلك. إذن التخير هنا للإمام بالأصلح. قال: وينبغي للإمام أن يفعل الأصلح للمسلمين من هذه الخصال؛ لأن تصرفه لغيره، فلازم أن يكون تخيره للمصلحة، ينظر الأصلح، إن كان الأصلح القتل قتلهم، إن كان الأصلح أن يبقيهم أرقاء أبقاهم أرقاء وقسمهم على المقاتلة، وإن كان الأصلح أن يأخذ الفداء ويوجد مثلا أسرى من المسلمين عند هؤلاء الكفار، فعلى ذلك، فينظر ما هو الأصلح؛ لأن التخير هنا للغير، والقاعدة الشرعية عند الشريعة أن التخير إذا كان لمصلحة الغير فينظر فيه إلى الأصلح، ينظر فيه إلى الأصلح. وإن كان لمصلحة الإنسان فإنه يرجع إلى رغبته وإلى إرادته. المسألة الثانية: تقسيم الغنيمة بين الغانمين. قال: الغنيمة اسم لما يؤخذ من أموال الكفرة قهرا بقتال، على وجه يكون فيه إذا كان من غير قتال فهذا يسمى فيء، وإن كان بقتال فهو الغنيمة. قال: على وجه يكون فيه إعلاء كلمة الله تعالى. وتسمى أيضا الأنفال؛ جمع نفل، لأنها زيادة في أموال المسلمين. ويسألونك عن الأنفال، قل: الأنفال لله والرسول. قال: والأصل في مشروعيتها قوله تعالى: ﴿فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا واتقوا الله إن الله غفور رحيم﴾. وقد أحل الله الغنائم لأمة محمد صلى الله عليه وسلم دون الأمم السابقة. قال: «حلتي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي». فالله عز وجل أحل الغنائم لهذه الأمة كما جاء في الحديث؛ لما رأى من ضعفها وعجزها. قال الله عز وجل: ﴿فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا﴾؛ هذا يعني دليل صريح في حل الغنائم وأنها حلال، بل من الحلال الطيب، من الحلال الطيب: ﴿فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا﴾. وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الغنائم كانت محرمة على من قبله من الأمم؛ في حديث جابر في الصحيحين، قال: «أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي، وذكر منها: وحلت لي الغنائم، ولم تحل لأحد قبلي». يعني كانت الغنائم محرمة على الأمم السابقة، إذا غنم النبي شيء من الغنائم يتركها حتى تأتي النار وتأخذها. لكن هذه الأمة أحل الله لها الغنائم، تأخذ الغنائم، تقتسمها وتأخذها لها، هذا من خصائص نبينا عليه الصلاة والسلام. قال: وتشمل الغنائم الأموال المنقولة والأسرى والأرض؛ الأموال المنقولة يعني ما ينقل كالذهب والفضة، والأموال يعني الجنانير، والأمتعة، الثياب، والآنية إلى آخره، والأسرى، والأرض؛ يعني كذلك الأرض إذا فتحت بلاد من بلاد الكفار واستولى عليها المسلمون، فتعتبر غنيمة، أرضهم تعتبر غنيمة. وسيأتي معنا إن شاء الله قسمها بين المقاتلين، وإن شاء تركها وجعلها لصالح المسلمين، يأخذ منها الخراج. قال: وذهب جمهور العلماء إلى أن الغنيمة تقسم على خمسة أسهم؛ يعني تقسم الغنيمة كلها إلى خمسة أسهم، إلى خمسة أخماس. قال: السهم الأول سهم الإمام، وهو خمس الغنيمة، يخرجه الإمام أو نائبه كقائد الجيش ونحوه، ويقسم هذا الخمس على ما بين الله في قوله: ﴿واعلموا أن ما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل﴾. هذا السهم الأول، خمس من هذه الخمسة الأخماس يخرج، يكون للإمام؛ يعني لإمام المسلمين، ومن يقوم مقامه، يقسم هذا الخمس إلى خمسة أقسام، قسم لله ورسوله، وقسم لذوي القربى، وقسم لليتامى، وقسم للمساكين، وقسم لابن السبيل. قال: أولا: لله ورسوله، ويكون هذا القسم فيء، يدخل في بيت المال، وينفق في مصالح المسلمين؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده، مالي مما أفاء الله إلا الخمس، والخمس مردود عليكم». والحديث جعله صلى الله عليه وسلم لجميع المسلمين؛ يعني رد هذا الخمس الذي لله والرسول إلى مصالح المسلمين. إذن هذا السهم من هذه الأسهم، أو هذا القسم من الأقسام الخمسة، هو قسم الله ورسوله، يكون في مصالح المسلمين؛ يعني في بناء السدود، وكذلك الطرق، ومثلا بناء مستشفيات إلى آخره، شيء ينتفع به جميع المسلمين. قال: ثانيا: ذوي القربى، وهم قرابة الرسول صلى الله عليه وسلم، وهم بنو هاشم وبنو المطلب، ويقسم هذا الخمس بينهم حسب الحاجة؛ يعني قرابة الرسول عليه الصلاة والسلام، بنو هاشم وبنو المطلب؛ لأن هذا الذي فعله النبي صلى الله عليه وسلم حين قسم غنائم خيبر، جعل لقرابته لبني هاشم وبني المطلب. ولما قال من قال من بعض أبناء عبد مناف: كيف أعطيتهم ونحن وإياهم شيء واحد؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد». فيعطى قرابة الرسول من بني هاشم وبني المطلب، ويقسم هذا الخمس بينهم حسب الحاجة؛ يعني كل واحد على حسب حاجته، هذا القول والصحيح. وقيل: يقسم بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين. وقيل: الذكر والأنثى سواء. والصواب أنه على حسب الحاجة. قال: ثالثا: اليتامى، وهما مات أبوه قبل أن يبلغ، ذكرا كان أم أنثى، ويعم ذلك الغني منهم والفقير؛ القسم الثالث من هذه الأقسام الخمسة من الخمس اليتامى، جمع يتيم. واليتيم من مات أبوه وهو صغير، يسمى يتيم؛ يعني إذا لم يبلغ، إذا بلغ ارتفع عنه اسم اليتم. من مات أبوه وهو صغير فهو يتيم. وفي الحيوانات من ماتت أمها في الحيوانات من ماتت أمه فهو يتيم. أما في بني آدم فمن مات أبوه وهو صغير فهو يتيم. فاليتامى لهم حق في هذا الخمس، ذكرا كان أو أنثى، يعطى من هذا الخمس، وسواء كان غنيا أو فقيرا؛ سواء كان غنيا أو فقيرا، لماذا؟ لأن الله قال: ﴿وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين﴾. إذا كان يعطى المسكين فقط لم يحتاج أن يذكر ماذا اليتامى، ويذكر بعدهم المساكين. إذن قوله: ﴿ولليتامى﴾ يشمل كل يتيم، سواء كان غنيا أو كان فقيرا، فله نصيب من هذا الخمس. قال: رابعا: المساكين، ويدخل فيهم الفقراء؛ هنا لأن لفظ المسكين إذا ذكر في الشرع يدخل فيه الفقير، وإذا ذكر الفقير دخل فيه المسكين، وإذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا؛ إذا اللفظ الفقير والمسكين مما يدخل في هذه القاعدة ممن إذا اجتمع افترق، وإذا افترق اجتمع. إذا اجتمع الفقير والمسكين فيراد بالفقير من هو أشد حاجة من المسكين، وإذا انفرد أحدهما دخل أحدهما في الآخر؛ إذا ذكر الفقير دخل فيه المسكين، وإذا ذكر المسكين دخل فيه الفقير. فقوله: ﴿والمساكين﴾ يدخل كذلك أيضا الفقراء. قال: خامسا: ابن السبيل، وهو المسافر الذي انقطعت به السبل؛ انقطعت به السبيل، فيعطى ما يبلغه إلى مقصده. كذلك ابن السبيل له نصيب في هذا الخمس؛ إنسان سافر فانقطعت به السبل في سفره، انتهى زاده الذي معه، أو سرق ماله الذي معه، فهنا يعطى من هذا الخمس ما يبلغه إلى مقصده، يعطى تذكرة، يعطى متاعا، يعطى مالا يوصله إلى بلده. قال: هذه الآن خمسة أقسام تقسم عليها هذا الخمس الذي هو للإمام؛ السهم الأول للإمام، كنا يقسم هذا الخمس على هذه الأقسام الخمسة. قال: وما بقي من الأربعة أسهم؛ أما باقي السهم الأربعة، أربعة أخماس، فتكون لكل من شهد الوقعة من الرجال البالغين الأحرار العقلاء؛ قول البالغين خرج الصغار، والصغار لا يعطون؛ يعني من الغنيمة. والأحرار خرج به العبيد، إذا حضر العبد وقاتل لا يعطى من الغنيمة، لكن يعطى شيء آخر، أو الرضخ كما سيأتي. والعقلاء خرج به المجانين، لو حضر مجنون لا يعطى من الغنيمة. قال: ممن استعد للقتال، سواء باشر القتال أو لم يباشر، قويا كان أو ضعيفا؛ لقول عمر رضي الله عنه: «الغنيمة لمن شهد الوقعة». وهذا الأثر أخرجه البيهقي، وعبد الرزاق في مصنفه، وابن أبي شيبة. قال عمر رضي الله عنه: «الغنيمة لمن شهد الوقعة»؛ لمن حضرها، سواء قاتل أو لم يباشر القتال، المهم أنه موجود. أما من لم يشهدها لم يحضر، ليس له شيء. أو ذهب قبل ابتداء القتال فليس له شيء؛ الغنيمة لمن شهد الوقعة والقتال، سواء كان قويا أو كان ضعيفا، الجميع يعطون من الغنيمة. قال: وكيفية التقسيم أن يعطى الراجل الذي يقاتل على رجله سهما واحدا، ويعطى الفارس الذي يقاتل على فرسه ثلاثة أسهم؛ سهم له، وسهمان لفرسه؛ لحديث ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قسم في النفل للفرس سهمين، وللراجل سهما. والحديث في الصحيحين. ولأن النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك في خيبر، جعل للراجل سهما واحدا، وللفارس ثلاثة أسهم؛ وذلك لأن غناء الفارس ونفعه أكثر من غناء الراجل؛ يعني نفعه نفع للفارس أكثر، الذي يكون معه فرس يكون نفعه في القتال أكثر من الذي يمشي على قدميه، فلهذا جعل النبي صلى الله عليه وسلم للفارس ثلاثة أسهم؛ سهم له لكونه ممن حضر من الرجال، وسهمان لأجل الفرس. إذن يكون قسمة الغنيمة على هذا الوصف. قالوا: أما النساء والعبيد والصبيان إذا حضروا الوقعة؛ يعني حضروا القتال، هل يعطون من الغنيمة؟ الجواب: لا. قال: فالصحيح أنه يرضخ لهم ولا يخمس لهم؛ الرضخ أن يعطون الشيء اليسير، يعطون الشيء اليسير. ومثل أيضا الكافر لو أن كافر حضر مع المسلمين قتالا، فإنه كذلك يرضخ له ولا يعطى من الغنيمة؛ يكون مثل الصبيان والنساء والعبيد. قال: قول ابن عباس رضي الله عنهما: «لم يمن سأله: إنك كتبت تسألني عن المرأة والعبد يحضران المغنم، هل يخمس لهما شيء؟ وإنه ليس لهما شيء إلا أن يحرز لهما»؛ يعني يعطيا الشيء اليسير. والحديث في مسلم. وفي لفظ: «وأما المملوك فكان يحذى»؛ يعني يعطى. قال: وإذا كانت الغنيمة أرضا، خير الإمام بين قسمتها بين الغانمين، ووقفها لمصالح المسلمين، ويضرب عليها خراجا مستمرا، يؤخذ ممن هي بيده، سواء كان مسلما أم ذميا، فيؤخذ منه كل عام. وهذا التخير يكون تخير مصلحة؛ يعني إذا كانت الغنيمة أرض، غنموا هذه الأرض، فر الكفار وتركوا أرضهم مثلا، كيف يفعل بهذه الأرض؟ يخير فيها الإمام إلى الأصلح، ينظر ما هو الأصلح، إن كانت أصلح أن يقسمها على المقاتلين قسمها، يجعل ثلاثة أسهم للمقاتلين للفارس، وسهما للراجل. وإن كانت أصلح أن يبقيها، ويأخذ الخراج من أهلها الذين هم يعني أهل هذه الأرض، يقول: نحن نبقيكم، لكن نريد منكم الخراج، تدفع لنا في السنة كذا وكذا. يقول مثلا: في كل ألف متر مثلا خمسين ألفا في السنة، ويبقيهم على أرضهم، هذا جائز، ينظر ما هو الأصلح، إن كان الأصلح القسمة قسم، وإن كان الأصلح يبقيها ويأخذ الخراج فعلى ذلك. وإذا قسمها فله أسوة بالنبي عليه الصلاة والسلام، فقد قسم خيبر. وإن رأى الأصلح أن يبقيها ويأخذ الخراج فله أسوة بعمر رضي الله تعالى عنه. صلى الله عليه وسلم عن نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.