الدرس في كتاب الجهاد 4، ألقاها
الفيء هو ما يؤخذ من أموال الكفار بغير قتال ويصرف في مصالح المسلمين. يتم توزيع الفيء بحسب ما يراه الإمام، مثل رزق القضاة والمؤذنين والمعلمين.
يجوز عقد الهدنة مع الكفار إذا كان في ذلك مصلحة للمسلمين، وهناك خلاف حول مدة الهدنة. الهدنة تكون لازمة إذا استقام الكفار ولم يخونوا.
إذا نقض الكفار العهد جاز قتالهم، وإذا خيف منهم نقض العهد جاز إنباذ العهد إليهم مع الإعلام. يجوز قتالهم بعد الإشعار بنقض العهد.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المؤلف -فقه الله- المسألة الثالثة: مصرف الفي. قال: الفي ما أخذ من أموال أهل الحرب بحق من غير قتال، كالأموال التي يهرب الكفار ويتركونها فزعا عند علمهم بقدوم المسلمين. هذا يسمى في، مرت معنا أن ما أخذ من أموال الكفار بحق بقتال لإعلاء كلمة التوحيد، فما أخذ بقتال من الكفار بحق يسمى غنيمة، وما أخذ بغير قتال يسمى في. قال: ما أخذ من أموال أهل الحرب بحق من غير قتال، قال: كالأموال التي يهرب الكفار ويتركونها فزعا عند علمهم بقدوم المسلمين، يقدم المسلمون لقتال الكفار في بلد من البلاد، فيهربون ويتركون أموالهم، هذه الأموال تسمى في، مثل أموال بني النضير التي أخذها النبي عليه الصلاة والسلام، المسلمون غير قتال، فكانت مما أفاء الله عز وجل على رسوله. قال: أما مصرفه، فهو في مصالح المسلمين بحسب ما يراه الإمام، كرزق القضاة والمؤذنين والأئمة والفقهاء والمعلمين، وغير ذلك من مصالح المسلمين. يعني يصرف هذا الفي في مصالح المسلمين بحسب ما يراه الإمام من المصلحة، كرزق القضاة -يعني الذين يقضون بين الناس- والذين ينصبهم الإمام للقضاء بين الناس في مشاكلهم، وما يقع بينهم من خلاف، فهذا القاضي يحتاج إلى نفقة حتى يجلس للناس وينظر في قضاياهم وفي أمورهم، فيعطى من بيت المال. كذلك المؤذن، المؤذنون -يعني حتى يحافظ على الأذان ويؤذن في الوقت- يعطى من بيت المال ما يسد حاجته، كذلك الأئمة، الإمام الذي يصلي بالناس، وهكذا من يعلم الناس ويجلس يعلمهم يحتاج إلى -يعني ما يسد حاجته- فيعطى من بيت المال، فيصرف الفي في مثل هذه المصالح من المصالح التي ينتفع بها المسلمون. قال: لما ثبت عن عمر رضي الله عنه قال: «كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسول الله صلى الله عليه وسلم مما لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب»، لم يوجف -يعني لم يسرع في تحصيله بخيل أو إبل- وإنما حصلت بغير قتال. قال: «فكانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة؛ لأنه كان هو الأمير والإمام»، قال: «وكان ينفق على أهله نفقة سنته»، قال: «ثم يجعل ما بقي في الكراع والسلاح عدة في سبيل الله». والحديث في الصحيحين، والكراع: الخيل، يجعل ما زاد على نفقة أهله في الخيل، في السلاح، عدة في سبيل الله -يعني في إعداد العدة للجهاد في سبيل الله جل وعلا- من إعداد الخيول والأسلحة: السيوف، والرماح، والسهام، وغيرها. وهذه من المصالح التي يصرف فيها الفي. قال: لهذا ذكر الله تعالى كل فئات المسلمين في معرض بيان مصارف الفي، فقال سبحانه: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾، ومعنى «كي لا يكون دولة»: أي لا يكون المال يتداول بين الأغنياء، يأخذه غني إلى غني، ويحرم منه أمثال هؤلاء من الفقراء والمساكين، وذي القربى، واليتامى. فجعل الله عز وجل مصرف الفي في هذه المصارف. قال: فيأخذ منه الإمام من غير تقدير -يعني يأخذ على ما يحتاجه من غير شيء مقدر- قال: ويعطي القرابة باجتهاد -يعني قرابة النبي عليه الصلاة والسلام باجتهاد- يجتهد في ذلك، ويصرف الباقي في مصالح المسلمين، فيعطي اليتامى والمساكين وابن السبيل، ويصرف البقية كما سمعنا في مصالح المسلمين: كرزق القضاة، والمؤذنين، والمعلمين، والأئمة، إلى آخره. قال: الباب الثالث في الهدنة والذمة والأمان، وفيه مسائل. المسألة الأولى: عقد الهدنة مع الكفار. قال: أولا تعريفها، الهدنة لغة: السكون. قال: وشرعا: عقد الإمام أو نائبه لأهل الحرب على ترك القتال مدة معلومة بقدر الحاجة، وإن طالت. وتسمى مهادنة، وموادعة، ومعاهدة، كل هذه من أسماء الهدنة، تسمى مهادنة، تسمى موادعة، وتسمى معاهدة. عقد الإمام أو نائبه -يعني نائب الإمام، ومن ينيبه الإمام كالقائد مثلا، قائد الجيش الذي يوكله الإمام وينيبه على القيام بأمور الجيش- قال: لأهل الحرب -يعني ممن يقاتلهم من الكفار- على ترك القتال مدة معلومة بقدر الحاجة -يعني يصالح الكفار على ترك القتال بينهم وبين هؤلاء الكفار- فيصطلح معهم على ترك القتال سنة أو سنتين أو ثلاث أو أربع، بقدر الحاجة -يعني إن كانت الحاجة التي بها يتقوى بها المسلمون قدر ثلاث سنين مثلا تكفي- في عقد الهدنة إن كانت الحاجة أكثر زاد في مدة العقد. قالوا: هذا، قال: وإن طالت. واختلف أهل العلم: هل يجوز عقد الهدنة أكثر من عشر سنين؟ فمن أهل العلم من قال: لا يجوز، لا يجوز أن تكون الهدنة أكثر من عشر سنين. واستدلوا بأن النبي عليه الصلاة والسلام عقد مع المشركين عشر سنين. قالوا: إذن لا يجوز أن يعقد عقد الصلح مع المشركين أكثر من عشر سنين. وهذا القول قول جماعة من أهل العلم. وذهب الإمام أحمد -رحمه الله- أنه لا بأس أن تزيد على عشر سنين، يجوز عقد الهدنة مع المشركين ولو كانت أكثر من عشر سنين. وهذا ما رجحه شيخ الإسلام -رحمه الله-، بل ذهب شيخ الإسلام إلى أنه يجوز عقد الهدنة مطلقا -يعني من غير تحديد فترة محدودة- ومتى ما قوي المسلمون واستطاعوا قتال المشركين أبطلوا هذا العقد ونبذوا إلى المشركين العهد، ثم بعد ذلك لهم أن يقاتلوهم. فالمهم أنه يجوز عقد الصلح أكثر من عشر سنين. قال: ثانيا مشروعيتها ودليل ذلك. قال: يجوز لإمام المسلمين عقد الهدنة مع الكفار على ترك القتال مدة معلومة بقدر الحاجة إذا كان في عقدها مصلحة للمسلمين: كضعفهم، أو عدم استعدادهم، أو غير ذلك من المصالح، كطمع في إسلام الكفار ونحوه. يعني قد يكون عقد الصلح بسبب ضعف المسلمين، ومن المصلحة والحكمة في مثل هذا الحال أن يصطلح مع هؤلاء الكفار حتى ياما من شرهم ومن أذيتهم، فإذا كانوا ضعفاء ما يستطيعون أن يقابلوا الكفار لقوتهم، فحينئذ يصالحهم حتى ياما من شرهم. أو كذلك أيضا يكون عقد الصلح لعدم الاستعداد للقتال، عدم الاستعداد للقتال فيصالحهم. أو يرجو إسلام هؤلاء الكفار إذا حصل الصلح وأمن من الحرب والقتال، أمكن اختلاط المسلمين بالكفار وتبليغ دعوة الإسلام لهؤلاء الكفار، كما حصل في عقد النبي عليه الصلاة والسلام لصلح الحديبية، فكان ذلك سببا لإسلام كثير من الكفار وتعرف الناس مع الإسلام، حتى قوي الإسلام، وكثرة المسلمون بسبب ذلك. قال: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾، إن جنحوا -يعني الكفار- للسلم: أي للصلح وعقد الهدنة، فاجنح لها -يعني سالمهم وصالحهم- إذا كان في ذلك مصلحة. قال: وقد عقد النبي صلى الله عليه وسلم الهدنة مع الكفار في صلح الحديبية عشر سنين، وصالح اليهود في المدينة لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة صالح اليهود الذين في المدينة حتى يأمن من شرهم. وهذا يدل على جواز عقد الصلح مع الكفار. إذن كون الإمام للمسلمين وحاكمهم وأميرهم يصطلح مع بعض الكفار وبعض الدول الكافرة، ليس معنى هذا أنه وقع في الولاء أو الموالاة الكفرية، كما قد يظن ذلك بعض من عنده نزعة خارجية، فيرمي كثيرا من المسلمين وحكام المسلمين بأنهم كفار، وأنهم مرتدون. لماذا؟ لأنه يوالي الكفار بسبب أنه صالحهم أو عقد الصلح مع بعض الكفار لمصالح يراها ولي الأمر. فلا شك أن هذا قول باطل، ورمي للمسلمين بالكفر جزافا. وهذا النبي صلى الله عليه وسلم قد عقد الصلح مع الكفار لأجل بعض المصالح التي رآها النبي عليه الصلاة والسلام، فمثل هذا جائز. وهكذا أيضا تعدي بعض المسلمين في الدعاء، فبعضهم إذا دعا على اليهود قال: «اللهم عليك باليهود ومن هاودهم» -يعني من صالحهم- وهذا الدعاء خطأ؛ لأنه يشمل كذلك النبي عليه الصلاة والسلام، فالنبي صلى الله عليه وسلم صالح اليهود، صالح اليهود حين قدم المدينة. وهكذا أيضا قد يصالحهم بعض المسلمين لمصالح، فيأتي يدعو عليهم، هذا لا يصح، مثل هذا الدعاء يعتبر خطأ وتعدي. قال: ثالثا لزوم الهدنة. قال: تكون الهدنة التي عقدها الإمام أو نائبه لازمة، لا يجوز نقضها ولا إبطالها ما استقاموا لنا ولم يخونوا، ولم نخشى منهم خيانة، لقوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾، فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم. وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾. فأمر الله جل وعلا بالاستقامة -يعني بإبقاء عقد الصلح- إذا استقام المشركون على هذا العقد، فلم ينقضوه ولم يبطلوه، ولم يرج أو يخاف منهم خيانة، فإذا كان الأمر كذلك فإننا نحن من باب أولى أن نستقيم على هذا الصلح، وأن لا ننقض هذا الصلح. قال: ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾، وهذا من الوفاء بالعقد الذي أمر الله سبحانه وتعالى به. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾، فالوفاء بالعقد هذه من الصفات الحسنة التي ينبغي أن يتخلق بها المسلم ويتحلى بها حتى مع الكفار. قال: فإن نقضوا العهد بقتال أو مظاهرة عدونا علينا أو قتل مسلم أو أخذ مال انتقض العهد الذي بيننا وبينهم، وجاز قتالهم، لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ﴾. هذه الآن الحالة الثانية من أحوال الهدنة مع الكفار، أنهم إذا نقضوا العهد. الحالة الأولى: أن يستقيموا فنستقيم. إذا نقضوا العهد انتقض بفعلهم، ولم يكن لهم هنا احترام لهذا العقد. إذا نقضوا العهد بقتال -جاءوا فقاتلوا وبينهم عهد بترك القتال- فهنا ينتقض العهد. أو بمظاهرة عدو علينا -يأتون فيتعاونون مع بعض الأعداء الذين بيننا وبينهم عداوة- فيظاهرون معهم ويتعاونون معهم على قتالنا، فهنا ينتقض هذا العهد. أو بقتل مسلم -يعتدون على مسلم فيقتلونه- هنا ينتقض العهد. أو أخذ مال -يعتدون على أموال المسلمين فيأخذونها- فهنا ينتقض العهد ويجوز قتالهم. فالله عز وجل يقول: ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ﴾، طعنوا في دينكم -يعني تنقصوا- لو أنهم تنقصوا الإسلام وذموه واحتقروه، هذا يعتبر من النقض، يعتبر كذلك من نقض العهد. قال: وقاتلوا أئمة الكفر -إنهم لا أيمان لهم- يعني ليس لهم عهد ولا ذمة، ليس لهم عهد ولا أمان بسبب ذلك، لعلهم ينتهون. قال: وإن خيف منهم نقض العهد بأمارة تدل على ذلك -يعني علامة- جاز أن ننبذ إليهم عهدهم، ولا يلزم البقاء على عهدهم. قال تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾، أي أعلمهم بنقض عهدهم حتى تكون أنت وهم سواء في العلم. ولا يجوز قتالهم قبل إعلامهم بنقض العهد. هذه الحالة الثالثة: إذا خيف منهم نقض العهد، إذا خيف منهم خيانة، فهنا يجوز لنا أن ننبذ إليهم العهد، نقول: العهد الذي بيننا وبينكم انتهى، العهد الذي بيننا وبينكم قد رددناه، ليس بيننا وبينكم عهد، تخبرهم بهذا. لماذا؟ لأن الأصل بقاء العهد، الأصل بقاء الصلح والعقد، فإذا خيف من هؤلاء الكفار خيانة، فينبذ إليهم، يقال: عهدكم مردود، انتهى ما بيننا وبينكم من العهد، ثم إذا أردت بعد ذلك قتالا فلهم أن يقاتلوهم، لكن ما يقاتلونهم امتدادا حتى ينقضوا العهد ويخبروهم بانتهاء العهد. قال تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾، يعني رد عليهم العهد وأخبرهم بانتهائه. وجاء في حديث عمرو بن عبسة عند أبي داود والترمذي والنسائي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من كان بينه وبين قوم عهد فلا يخلف عهده ولا يشدها حتى ينقضي أمدها -يعني ينتهي هذا العهد- أو ينبذ إليهم على سواء -يعني أن يرد يخبرهم بانتهاء العهد الذي بينه وبينهم- وحينئذ له بعد ذلك أن يقاتلهم». إذن عندنا ثلاث أحوال وحالات في لزوم الهدنة مع الكفار. الحالة الأولى: أن يلتزموا ويستقيموا، فنستقيم لهدنة. إذا نقضوا العهد، فينتقض، ولنا قتالهم. الحالة الثالثة: أن لا ينقضوه، لكن هناك أمارات وعلامات بأنهم يريدون نقض العهد، ويخاف منهم الخيانة، فهنا ينبذ إليهم، ويقال: العهد الذي بيننا وبينكم منتهي، وبعد ذلك يجوز قتالهم بعد إشعارهم وإعلامهم بذلك.