التعليق على مقدمة سنن الدارمي 39

الدرس في التعليق على مقدمة سنن الدارمي 39، ألقاها

مراتب الأدلة الشرعية وترتيب الاجتهاد

يتم شرح مراتب الأدلة الشرعية التي يلجأ إليها المجتهدون، بدءًا بالقرآن ثم السنة والإجماع ثم الاجتهاد الشخصي. يُبين أيضًا توجيهات عمر للقاضي شريح في التعامل مع القضايا.

ترتيب الفتوى عند عدم وجود نص شرعي واضح

يشرح ترتيب الفتوى والاجتهاد عند عدم وجود دليل واضح، حيث يبدأ المفتي بكتاب الله ثم السنة ثم أقوال السلف والإجماع قبل الاجتهاد. يُوضح أهمية البحث في المصادر قبل اللجوء للاجتهاد.

تأكيد صحة أثر ابن مسعود في مراتب الفتوى

يتناول شرح أثر ابن مسعود في مراتب الفتوى وتأكيد صحته من خلال تعدد طرقه وتأكيد الأسانيد الصحيحة. يُحدد الترتيب في الرجوع إلى كتاب الله ثم السنة ثم الإجماع ثم الاجتهاد.

شرح معنى القار في الحديث وتطبيقه العملي

يشرح معنى قول "ولي حارها من تولى قارها" ويشير إلى أن من يتولى الأمور الهينة يتولى الشدائد، مستشهدًا بقول الأصمعي. يُبين التطبيق العملي لهذا المفهوم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، أبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام الدارمي رحمه الله في مقدمة سننه: وأخبرنا محمد بن عيينة عن علي بن مصر، قال: أخبرنا عبد الله بن محمد، قال: حدثنا بن عيينة عن عبيد الله بن أبي يزيد، قال: كان ابن عباس إذا سئل عن الأمر، فكان في القرآن أخبر به، وإن لم يكن في القرآن وكان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر به، فإن لم يكن فعن أبي بكر وعمر، فإن لم يكن قال فيه برأيه. والأثر صحيح، فعبد الله بن عباس الحبر كان إذا سئل عن الأمر من الأمور، مثلا من المسائل، إن كان في القرآن -يعني ما يدل عليها- أخبر به، وأجاب بما دل عليه القرآن. وإن لم يكن نظر في السنة، فإن كان فيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء أجاب به. فإن لم يكن فعن أبي بكر وعمر -يعني عن كبار الصحابة- هل لهم في هذه المسألة قول؟ إن كان هناك شيء عنهم قال به. فإن لم يكن قال فيه برأيه -يعني اجتهد- اجتهد وقال في هذا الأمر، في هذه المسألة، بما يراه صوابا. قال رحمه الله: أخبرنا محمد بن عيينة عن علي بن مصر عن أبي إسحاق عن الشعبي عن شريح، أن عمر بن الخطاب كتب إليه: إن جاءك شيء في كتاب الله فاقض به، ولا تلتفت عنه الرجال، ولا تلفتك عنه الرجال. فإن جاءك ما ليس في كتاب الله، فانظر سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فاقضي بها. فإن جاءك ما ليس في كتاب الله ولم يكن فيه سنة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانظر ما اجتمع عليه الناس فخذ به. فإن جاءك ما ليس في كتاب الله ولم يكن في سنة رسول الله ولم يتكلم فيه أحد قبلك، فاختر أي الأمرين شئت، إن شئت أن تجتهد رأيك ثم تقدم فتقدم، وإن شئت أن تأخر فتأخر، ولا أرَد تأخرا إلا خيرا لك. وهذا الأثر كذلك صحيح بشواهده. فهذا الأثر فيه كتاب عمر رضي الله عنه إلى القاضي شريح، فأوصاه رضي الله عنه أنه إذا جاءه شيء -مسألة من المسائل- عرضت عليه قضية من القضايا، أنه أول شيء عرضه على الكتاب، على كتاب الله جل وعلا. فإن كان بكتاب الله شيء قضى به. وقوله: "ولا تلفتك عنه الرجال" يعني لا تأخذ بقول الرجال قبل أن تنظر في كتاب الله، وأن تستدل بكتاب الله جل وعلا. فكتاب الله مقدم على آراء الرجال وأقوال الرجال. فإن لم تجد في كتاب الله، فانظر في سنة رسول الله، هل هناك حديث عن النبي عليه الصلاة والسلام يدل على هذه المسألة وهذه القضية؟ فإن وجدت فاقضي بها. فإن لم يكن هناك شيء في كتاب الله ولا في سنة رسول الله، قال: فانظر ما اجتمع عليه الناس -يعني ينظر هل هناك إجماع في هذه المسألة قد أجمع عليها الصحابة ولهم فيها قول- فينظر. فإن لم يجد، قال: فاختر أي الأمرين شئت -يعني الآن عندك مسألة لم تجد لها دليل في كتاب الله ولا دليل في سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، ولا هناك إجماع- يعني من الصحابة أو ليس لهم فيها قول. قال: فاختر أي الأمرين شئت، إن شئت أن تجتهد الآن -يأتي وقت الاجتهاد- مسألة ليس فيها ما يدل عليها من كتاب والسنة، ولا في أقوال السلف أو إجماع الصحابة، فهنا لك أن تجتهد، فتنظر ما هو الأقرب في هذه المسألة مما تدل عليه أدلة الكتاب والسنة وعموماتها. فلك أن تجتهد فتتقدم وتجتهد. وإن شئت أن تتأخر -معنى تتأخر أنك لا تتكلم فيها ولا تقول فيها برأيك واجتهادك- ثم قال: ولا أرد تأخرا إلا خيرا لك -يعني أوصاه بأنه إن لم يكن في هذه المسألة دليل من كتاب أو سنة أو إجماع، أنه يتأخر- يعني لا يجيب فيها، لا يجيب في هذه المسألة. قال رحمه الله: حدثنا يحيى بن حمد، قال: حدثنا شعبة عن محمد بن عبيد الله الثقفي عن الحارث بن عمر بن أخي المغيرة بن شعبة عن ناس من أهل حمص من أصحاب معاذ عن معاذ، أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بعثه إلى اليمن، قال: أرأيت إن عرض لك قضاء كيف تقضي؟ قال: أقضي بكتاب الله. قال: فإن لم يكن في كتاب الله؟ قال: فبسنة رسول الله. قال: فإن لم يكن في سنة رسول الله؟ قال: اجتهد رأيي ولا آل. قال: فضرب صدره، ثم قال: الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله. وهذا الأثر عن معاذ رضي الله عنه ضعيف، فالحارث بن عمر مجهول، وأهل حمص هؤلاء كذلك مجهولون. وقد ضعف هذا الأثر جماعة من أهل العلم، كالإمام الترمذي والبخاري والدارقطني ومن حزم ومن الجوزي وغيرهم. وهكذا العلامة الألباني رحمه الله ضعفه في الضعيفة، وذكر جملة من الحفاظ الذين ضعفوا هذا الحديث. وإن كان معناه صحيح -يعني في ترتيب القضاء أو الفتوى أن تكون مرتبة على هذا الترتيب- أولا تبدأ بكتاب الله، فإن لم تجد فبسنة رسول الله، فإن لم تجد فالنظر في أقوال السلف أو الإجماع إن كان هناك إجماع في المسألة، فإن لم يكن فهنا يأتي الاجتهاد، يأتي الاجتهاد. وهذه الآثار تدل على أن المفتي لا يفتي ابتداء برأيه، لا يفتي ابتداء برأيه، إنما يفتي بعلم وبرهان من كتاب الله ومن سنة رسول الله. فإن لم يجد -طبعا هذا الذي لا يجد من كان هو أهل الاجتهاد الذي يعرف أدلة الكتاب وأدلة السنة- بحيث أنه يقول: لا أجد في سنة رسول الله. ما يقول هذا إلا من عنده الاطلاع ومعرفة بسنة النبي عليه الصلاة والسلام. ثم ينتقل بعد ذلك إلى الإجماع وأقوال السلف، فإن لم يجد فبعد ذلك يكون الاجتهاد، فهو آخر المراتب وآخر المنازل. قال رحمه الله: وأخبرنا يحيى بن حمد، قال: حدثنا شعبة عن سليمان عن عمارة بن عمير عن حريث بن ظهير، قال: أحسبه أن عبد الله قال: قد أتى علينا زمان وما نسأل وما نحن هناك، وإن الله قدر أن بلغت ما ترون، فإذا سئلتم عن شيء فانظروا في كتاب الله، فإن لم تجدوه في كتاب الله ففي سنة رسول الله، فإن لم تجدوه في سنة رسول الله فما أجمع عليه المسلمون، فإن لم يكن فما أجمع عليه المسلمون، فاشهد رأيك، ولا تقول إني أخاف وأخشى، فإن الحلال بين والحرام بين، وبين ذلك أمور مشتبهة، فدع ما يريبك إلى ما لا يريبك. قد مر معنا هذا الأثر في الآثار السابقة، وهو ضعيف لأن حريث بن ظهير مجهول. لكن الأثر محتمل للتحسين بالشواهد، إذ أن ما في هذا الأثر تدل عليه شواهد كثيرة مما مضى معنا في هذه الآثار، من أن الفتوى كما سمعنا تكون أولا بكتاب الله جل وعلا، ثم بسنة رسول الله، ثم بالإجماع المسلمين، فإن لم يكن فبالاجتهاد. قال: حدثنا يحيى بن حمد، قال: عن أبي عوانة عن سليمان عن عمارة بن عمير عن عبد الرحمن بن يزيد عن عبد الله نحوه -أي نحو الأثر المذكور قبله- وعبد الله هو عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه. وهذا السند صحيح، فبهذا يكون الأثر صحيحا. قال: أخبرنا عبد الله بن محمد، قال: حدثنا جرير عن الأعمش عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه عن عبد الله بنحوه -يعني كذلك بنحو الأثر المذكور- وهذا أيضا السند صحيح، وبهذا يكون الأثر صحيحا بهذه الأسانيد وهذه الطرق. قال: حدثنا آرون بن معاوية عن حفص بن غياث، قال: حدثنا الأعمش سليمان بن مهران، قال: قال عبد الله -يعني بن مسعود-: أيها الناس، إنكم ستحدثون ويحدث لكم، فإذا رأيتم محدثة فعليكم بالأمر الأول. قال حفص: كنت أسند عن حبيب عن أبي عبد الرحمن، ثم دخلني منه شك السند إلى الأعمش. والسند صحيح، لكن الأعمش لم يدرك عبد الله بن مسعود، بل لم يدرك من الصحابة إلا أنس، لم يدرك من الصحابة إلا أنس، واختلف: هل سمع منه أم لا؟ والصحيح أنه لم يسمع منه، فالأثر منقطع. ومعناه صحيح: "إنكم ستحدثون ويحدث لكم، فإذا رأيتم محدثة فعليكم بالأمر الأول" -يعني إذا رأيتم أمورا جديدة أحدثت لم تكن معروفة من قبل، فعليكم بالأمر الأول- أي ما كان عليه السلف، عليكم بما كان عليه السلف، فتمسكوا به. قال: أخبرنا محمد بن الصلت، قال: حدثنا المبارك عن ابن عون عن محمد بن سيرين، قال: قال عمر لأبي مسعود: ألم أنبأ أو نبئت أو أنبئت أنك تفتي ولست بأمير؟ ولي حارها من تولى قارها. ومحمد بن سيرين لم يدرك عمر، فالآثر منقطع. وقوله: "ولي حارها من تولى قارها" معناه: ولي شدائدها من تولى منافعها. وكذلك أيضا الأمور التي ليست فيها شدة، هذا المثل يستعمله العرب في تولية الإنسان للأمور الشديدة، كما أنه كان يتولى الأمور السهلة اللينة. "ولي حارها من تولى قارها" القار البارد -يعني الأمور الباردة والهينة والسهلة- الذي يتولاها، أو الذي يتولى الأمور الحارة والأمور الشديدة، فيتولى الشدائد من يتولى الأمور الهينة. كما قال الأصمعي رحمه الله. طيب ننتقل هذا القدر إلى هنا. صلى الله وسلم على أبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين.

شاركنا على