شرح نواقض الإسلام 5

الدرس في شرح نواقض الإسلام 5، الدرس الخامس ( الرابع : من اعتقد أن غير هدي النبي صلى الله عليه وسلم أكمل من هديه أو أن حكم غيره أحسن من حكمه كالذي يفضل حكم الطواغيت على حكمه فهو كافر ). ألقاها

الناقض الرابع من نواقض الإسلام وتفاصيله

يناقش الناقض الرابع من نواقض الإسلام وهو اعتقاد تفوق هدي غير النبي صلى الله عليه وسلم على هديه، ويبين أن هذا يعد كفرا بالله. يشمل ذلك تفضيل حكم غيره على حكمه.

الكفر بتفضيل حكم غير رسول الله

من اعتقد أن حكم غير رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن من حكمه فهو كافر لأنه تكذيب لله ورسوله وتفضيل لحكم الطواغيت. هذا يناقض أوامر الله بالتحاكم إلى رسوله.

تفصيل الكفر في الحكم بغير ما أنزل الله وتحذيرات من الخلط

يفرق بين من يعتقد تفوق أو مساواة حكم غير الله ورسوله وبين من يحكم بغير ما أنزل الله لشهوة، ويحذر من الخلط بين أنواع الكفر كما تفعل بعض الجماعات الإسلامية المعاصرة.

التفريغ النصي الكامل

أن محمدا ربه ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا، ثم أما بعد. قال رحمه الله تعالى: الناقض الرابع: من اعتقد أن غير هدي النبي صلى الله عليه وسلم أكمل من هديه، أو أن حكم غيره أحسن من حكمه، كالذي يفضل حكم الطواغيت على حكمه، فهو كافر. قوله رحمه الله تعالى: من اعتقد أن غير هدي النبي... الهدي المراد به هو الحالة التي يكون عليها الإنسان من السكينة والوقار وحسن السيرة والطريقة واستقامة المنظر والهيئة، أو هو السكينة والوقار، أو هو السكينة والوقار وحسن الهيئة والمنظر، يعني شمائله في الحركة والمشي والتصرف في الدين، لا في الزينة والجمال. إذا علم هذا، فقول الشيخ رحمه الله تعالى: من اعتقد أن غير هدي النبي صلى الله عليه وسلم... وتقدم معنى أن المراد بالهدي ما عليه الإنسان من الحالة من السكينة والوقار وحسن الخلق واستقامة المنظر إلى غير ذلك من المعاني، ويجمعها الشمائل. إلى غير ذلك من المعاني، أي من الشمائل التي يكون عليها النبي صلى الله عليه وسلم، يكون عليها ذلك الشخص، سواء كان في حاله أو في خلقه أو في ممشاه أو غير ذلك. فمن اعتقد أن غير هدي النبي صلى الله عليه وسلم أكمل من هديه، على هذا المعنى يكون كافرا بالله العظيم. فمن اعتقد أن خلقا لشخص من الناس أو سكينة ووقارا أو تلسكا وديانة خيرا في شخص من الناس من رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقد كفر. هذا المعنى الأول، وهذه الفقرة لها معنيان. المعنى الأول: ما سمعتموه أن من اعتقد أن غير هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم أكمل من رسول الله صلى الله عليه وسلم هديا، بمعنى أكمل منه خلقا ووقارا وسكينة وطريقة وتنسكا، فهو كافر بالله العظيم، لأنه مكذب لله رب العالمين، ولأنه متنقص لرسول رب العالمين صلى الله عليه وسلم. قال الله عز وجل: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾، وصف ربنا عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم بأنه على خلق عظيم. وقال ربنا عز وجل أيضا في ذكر بعض صفات نبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾، وقال: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾، وقال: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ إلى آخر الآيات. بل ربنا عز وجل حتى على التأسي به صلى الله عليه وسلم، فقال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾، فأسوتنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو إمامنا خلقا وحالا ودينا ووقارا وسكينة صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. فمن زعم غير ذلك، فقد كفر بالله العظيم، ولأنه يكون بذلك منتقصا لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ومنتقص رسول الله صلى الله عليه وسلم يكون كافرا. قال الله عز وجل: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾، هؤلاء قالوا كلمة الكفر، ما هي كلمة الكفر؟ قالوا: «ما رأينا من قرائنا هؤلاء أي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه»، قالوا: «أرغب بطونا وأجبن عند اللقاء»، ذكروا هذه العبارات، فكفروا بها لأن فيها معنى التنقص لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. فكل متنقص لله أو لرسوله أو لدينه فهو كافر. فمن زعم أن هدي غير رسول الله صلى الله عليه وسلم أي طريقته وسلوكه ومنسكه أنه خير من هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو كافر بالله العظيم، كافر لأمرين: لأنه مكذب لله ولرسوله، ولأنه متنقص لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. هذا معنى، ومعنى آخر: أنه قد يراد بالهدي الطريقة والشريعة التي جاء بها محمد صلى الله عليه وسلم والتي كان عليها صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فمن اعتقد أن شريعة غير شريعة محمد أو الشريعة التي جاء بها محمد صلى الله عليه وسلم أن خير من دين محمد صلى الله عليه وسلم، فإنه كافر بالله العظيم. قال الله عز وجل: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾، وقال أيضا في الآية الأخرى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾، فالله عز وجل أرسل رسوله بالهدى ودين الحق. فمن زعم أن هدى غير محمد صلى الله عليه وسلم أي الهدى الذي جاء به غير محمد هو خير من الهدى الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، فهو كافر بالله العظيم، لأن الله عز وجل هو الذي أرسل رسوله بالهدى. وقال الله عز وجل أيضا: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾، وقال: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾. فمن زعم أن غير دين النبي صلى الله عليه وسلم خير من دينه، على المعنى الثاني، فهو كذلك يكون كافرا، ويكون منتقصا في هذه الحالة لله عز وجل ولرسوله ولدين الإسلام. وهذا وهذه الأمور كل واحد منها كفر بمفرده. قوله رحمه الله تعالى: أو أن حكم غيره أحسن من حكمه. أو تستخدم للتنويع، بمعنى أن من اعتقد أن غير هدي النبي صلى الله عليه وسلم أكمل من هديه فهو كافر، وأيضا أي ونوع آخر من أنواع الكفر أن من اعتقد أن حكم غيره أحسن من حكمه، أي حكم غير رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن من حكمه، كالذي يفضل حكم الطواغيت على حكمه، أي على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو كافر. فقوله: أو أن حكم غيره أحسن من حكمه، يكون كافرا أيضا لأنه مكذب لله عز وجل ومكذب لرسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وهذا كفر بذاته. وأيضا هو متنقص لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، إذ أنه اعتقد أن حكم غيره أحسن من حكمه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، فوقع الكفر منه لسببين: الأول أنه مكذب لله ولرسوله، مكذب لله لأن الله عز وجل أمر بالتحاكم إلى رسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم كما في آيات كثيرة، وأمر بطاعته والرجوع إليه عند التنازع وعند التشاجر. كما قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنَ تَأْوِيلًا﴾، ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا. أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم، إلى أن قال سبحانه وتعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾، فأعرض عنهم، وقل لهم قولا بليغا. ثم قال ربنا عز وجل: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ وَمَا أَنْزَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ لَرَضُوا بِمَا قَضَيْتُ بَيْنَهُمْ وَلَكِنَّ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾، نعم، إلى أن قال: ﴿وَإِنْ تُرِزِعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾. يا جماعة، من كل الآيات في سورة النساء. المهم، الآية الأولى في قوله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾، أخبر الله عز وجل أنه واجب على كل مسلم أن يرد الأمر عند التنازع وعند الاختلاف إلى ماذا؟ إلى حكم الله عز وجل وإلى حكم رسوله صلى الله عليه وسلم، وعلق الله عز وجل الإيمان بذلك. قال: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، ثم ذكر الطرف الثاني الذين لا يرضون بهذا، فقال: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾، وهؤلاء يقولوا: لا نتحاكم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونتحاكم إلى الطاغوت. الله عز وجل يقول: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾، ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، هم يقولوا ماذا؟ نتحاكم إلى ماذا؟ إلى الطاغوت، ولا نتحاكم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. الله عز وجل قال عن أولئك الذين يزعمون أنهم آمنوا وليسوا بمؤمنين: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾، وهؤلاء قالوا: ونتحاكم إلى ماذا؟ إلى الطاغوت. فهؤلاء حكموا من أمر الله عز وجل بعدم تحكيمه، وبالكفر به وهو الطاغوت، ومن في المقابل لم يرضوا بحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل اعتقدوا أن حكم أولئك الطواغيت هو أحسن من حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا كما سمعتم تكذيب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، أو تكذيب لله عز وجل، لأن الله عز وجل يقول: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾. والله عز وجل يقول: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾، وأنزلنا إليك الكتاب لماذا؟ لتحكم بين الناس، بماذا؟ بما أراك الله. والله عز وجل لو جمعنا هذه الآية مع الآية السابقة: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا﴾، اجتمع له معاني العظمة. وهو أن أحسن حكم حكم الله عز وجل، وأعظم حكم هو حكم الله عز وجل. والله عز وجل علم نبيه صلى الله عليه وسلم، وأوحى إلى نبيه صلى الله عليه وسلم بأحكام يحكم بها بين الناس، وأنزل إليه الكتاب ليحكم بين الناس، كما قال الله عز وجل: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾. فالله عز وجل حكمه أعظم الحكم وأجله، وكذلك حكم رسوله صلى الله عليه وسلم أحسن حكم وأعظمه، لأنه من عند الله عز وجل، كما قال الله عز وجل: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾، ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾، فمن زعم أن غير حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن من حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو مكذب لله عز وجل في هذا الأمر. قال الله عز وجل: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾، وقال: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾، هكذا يقسم ربنا عز وجل في نفسه المقدسة. قال العلامة القيم رحمه الله تعالى: هذه الآية قاصمة، عاصمة، قاصمة للمخالفين لحكم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وعاصمة للمتمسكين بحكم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فمن قال: إن حكم غير رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن من حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو مكذب لله عز وجل في أحكامه وفي آياته السابقة، وهو كذلك كما سمعتم منتقص لرسول الله صلى الله عليه وسلم. إذ أنه وصف أن غير رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن حكم من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا باطل، وهذا باطل وزور وكفر والعياذ بالله. لأن الله عز وجل أرسل رسوله كما سمعتم بالهدى ودين الحق، وجعل الحق على لسانه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقال: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾. فمن قال: أن غير حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم هو خير من حكمه وأعظم من حكمه وأفضل من حكمه، فهو كافر بالله العظيم لهذا المعنى. فهو كافر لسببين: السبب الأول أنه مكذب لله ولرسوله كما سمع في الآيات السابقة، الأمر الثاني أنه منتقص لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وكل واحد من هذين السببين كفر بذاته. قوله رحمه الله تعالى: كالذي يفضل حكم الطواغيت على حكمه، فهو كافر. الطواغيت مر معنا منهم؟ في الأصول الثلاثة. كل ما جاوز به العبد حدا من معبود أو متبوع أو مطاع. وهذا من أجمع التعاريف، ذكره العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى في كتاب إعلام الموقعين. وهو الطاغوت لغة بمعنى: هو من الطغيان، مما تطغى، وطغى بمعنى جاوز. فكل ما جاوز الحد فقد طغى. قال الله عز وجل: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾، أي في السفينة حينما جاوز الماء حده المعلوم. فهكذا معناه الشرعي: ما جاوز به العبد حده من متبوع أو من معبود. وهو كل من عبد من دون الله عز وجل، سواء كان ملكا مقربا أو نبيا مرسلا أو حجرا أو شجرا أو صنما أو قبرا أو متبوعا. والمتبوع كثير منهم العلماء، أي علماء السوء. ويدخل فيهم كذلك كل متبوع ممن كان له أتباع كالسحرة ونحوهم، أو مطاع كأمراء السوء. هؤلاء كذلك من هؤلاء. فكل من دعا إلى عبادة نفسه أو عبد وهو راض فهو طاغوت. وكل من أمر الناس من علماء السوء بغير حكم الله عز وجل، إما بتحليل ما حرم أو بتحريم ما أحل أو أن يشرع لهم ما لم يشرع الله ورسوله، فهو كذلك طاغوت وهو يعلم ذلك. أو من أمر الناس وأجبرهم على حكم غير حكم الله، وهو كذلك يعلم ذلك ومعتقد أنه أفضل وأحسن، وكذلك يكون طاغوتا. فقول الشيخ رحمه الله تعالى: كالذي يفضل القواظي، إما أن يراد بهم الصنف الأول أو الصنف الثاني أو الصنف الثالث، وهم في الصنف الثاني والثالث أظهر، أي في الصنف الذين هم المتبوعون أو المطاعون، المتبوعون أو المطاعون كعلماء السوء. أن يرضى بحكم علماء السوء ولو كان مخالفا لحكم رسول الله، ويقدمه على حكم رسول الله، ويقول: أحسن وأعظم وأجل من حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، يكون كافرا بالله العظيم. أو كذلك في المطاعين من أمراء السوء ونحوهم. إذا علم هذا، فتعلم مسألة: وهي أن هناك فرقا بين من اعتقد أن حكم غير الله أن حكم غير الله عز وجل ورسوله أعظم من حكم الله عز وجل، أو مماثل لحكم الله عز وجل، أو أنه يجوز الحكم بغير حكم الله ورسوله، وبين من حكم بغير ما أنزل الله. الأول كافر إجماعا، أي من اعتقد أن حكم غير الله ورسوله أعظم وأحسن من حكم الله ورسوله، أو مساوي، أو أنه يجوز أن يحكم بهذا تارة وأن يحكم بهذا تارة أخرى، فهذا كافر إجماعا. وأما من حكم بغير ما أنزل الله، فإنه لا يحكم بكفره مطلقا، بل ينظر في ذلك الذي حكم بغير ما أنزل الله. فإن حكم بغير ما أنزل الله وهو يعتقد أن حكم الله أفضل، وهو يعتقد أن حكم الله أفضل وأنه لا حكم إلا لله عز وجل، ولكنه حكم بغير حكم الله عز وجل لشهوة وهواء، فهذا يكون وقع في الكفر الأصغر أو الظلم الأصغر أو الفسق الأصغر. لأن الكفر والظلم والفسق عند أهل السنة والجماعة ينقسم إلى قسمين: أكبر مخرج من الملة، وأصغر لا يخرج من الملة. كما جاءت في ذلك الأحاديث الشرعية الكثيرة الدالة على التفريق بينهما. ومن أحسن من تكلم على هذا التفريق وهذا التفصيل العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه مدارج السالكين وغيره. الحالة الأولى: أن يحكم بغير ما أنزل الله، معتقدا أن حكم الله أفضل وأحسن وأجل، وأنه إنما حكم لذلك لشهوة أو لهواء، لشهوة كان يعطى مالا، أو لهواء أن يكون الخصم صاحبا له أو قريبا له، فيميل إليه ويحكم بغير ما أنزل الله لأجل هذا المعنى، فهذا لا يكون كافرا، ولكنه يكون فاسقا، كافرا كفرا أصغر، وفاسقا فسقا أصغر، وظالما ظلما أصغر. ومن حكم بغير ما أنزل الله عز وجل، معتقدا أن حكم غير رسول الله أحسن أو مثل أو يجوز الحكم تارة بحكم الله وتارة بحكم غيره، فهو كافر، وهو كالحالة أو الصورة الأولى المذكورة. هذا ننبه عليه لأن السرورية لا يفرقون بين هذا وهذا. السرورية والإخوان المسلمون وطوائف من الخوارج العصريين في هذه الأيام وقبلها وقبل هذه الأيام، تجدهم لا يفرقون بين من حكم عن شهوة وهوى وهو يعتقد أن حكم الله أعظم وأجل، وبين من حكم وهو يعتقد أن حكم غير الله عز وجل أحسن أو مساوي أو أنه يجوز الحكم به تارة ولا يجوز تارة. لم يفرقوا بين الكفر الذي هو كفر إجماعا، وبين الآخر الذي ليس هو الكفر، إنما هو من جملة المعاصي ومن جملة الكبائر. والله أعلى وأعلم. إلهنا سبحانك الله وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على