كتاب المعاملات 23

الدرس في كتاب المعاملات 23، ألقاها

زوال الحجر وتولي أمر المحجور عليهم

يزول الحجر عن المحجور عليهم بزوال السبب، ويتولى أمرهم الأب العدل ثم الوصي. يجب عليهم التصرف بما هو أنفع لهم.

أحكام الحجر لمصلحة الغير

يناقش الأحكام المتعلقة بالحجر على الإنسان لمصلحة غيره، مثل عدم جواز الحجر على المدين قبل حلول أجل الدين.

الحجر على المدين المعسر وتصريف ماله

إذا كان المدين معسراً، يحجر عليه ويتصرف الحاكم في ماله لبيع ما يملك وسداد الديون على الغرماء حسب قيمة ديون كل منهم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المؤلف: ثالثًا: يزول الحجر عن المجنون بأمرين أيضًا، الأول: زوال الجنون، ورجوع عقله إليه، والثاني: الرشد. المجنون الذي حجر عليه بسبب الجنون، يزال عنه هذا الحجر، ويفك عنه بأمرين: الأول العقل، أن يرجع إليه عقله، فهنا يمكن من ماله إذا توفر الشرط الثاني، وهو الرشد. إذا رجع عقله، وكان رشيدًا يحسن التصرف، فحينئذ يمكن من ماله من التصرف فيه، ويزول عنه الحجر؛ لأن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، والعلّة في الحجر عليه هو السفه، فلما زال السفه زال حكم الحجر. قال: أما السفيه، فيزول عنه بزوال السفه والطيش والتبذير، بالصلاح في التصرفات المالية. السفيه الذي هو عاقل وبالغ، لكن حجرنا عليه بسبب سفهيه وعدم حسن تصرفه في المال، فإذا أصبح رشيدًا، وزال عنه السفه، وأحسن تصرفًا في المال، هنا يزال عنه الحجر. قال: رابعًا: يتولى أمر المحجور عليهم الأب إذا كان عدلا رشيدًا، ثم وصيه، ثم وصي وصيه. ويجب على من يتولى أمرهم أن يتصرف بما فيه الأحظ والأنفع لهم؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، والآية نصت على اليتيم، ويقاس عليه غيره ممن هو في معناه. يقول: يتولى أمر المحجور عليهم الأب إذا كان عدلا رشيدًا، عندنا صبي سفيه ما يحسن التصرف، عنده أموال، ما الذي يتولى أمره إذا حجر عليه؟ أبوه، أبوه الذي يتولى أمر الحجر عليه إذا كان الأب عدلا رشيدًا. أما إذا كان يعني ليس برشيد، كذلك سيكون محجورًا عليه، لكن إذا كان على هذا الوصف عدلا رشيدًا، فإنه يقوم على أمر هذا المحجور. ولأن ما يملكه الابن كذلك يمتلك الأب ما أراده من غير ضرر؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أنت ومالك لأبيك». قال: ثم وصيه، يعني وصي الأب، ثم وصي وصي الأب، مثلا أوصى الأب: إذا ميت فيقوم على أبناء فلان، فإذا مات كان أولى من يقوم على هؤلاء المحجور عليهم إذا كان عندهم مثلا يعني صغار لم يبلغوا، وعندهم أموال، فوصي الأب الذي أوصى الأب أن يقوم عليهم هو الأولى بالقيام على أمورهم وشؤونهم. قال: وعلى ولي اليتيم أن يحافظ على ماله، ولا يأكله أو يتصرف فيه ظلمًا وبهتانًا؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾. نعم، إذا قام الإنسان على اليتيم، وولي ماله، وتصرف فيه، فإنه ينبغي أن يحافظ على ماله؛ لأنه أمين، فلا يبعثر بماله، ولا يأكله فينفق على نفسه وعلى أهله وأولاده من مال اليتامى، أو يتصرف فيه ظلمًا وبهتانًا بمصلحة نفسه من مأكل أو مشرب أو ملبس أو إلى آخره. قال: المبحث الثالث: الأحكام المتعلقة بالنوع الثاني من الحجر، وهو الحجر على الإنسان لمصلحة غيره. قال: أولا: لا يحجر على المدين بدين لم يحل أجله؛ لأنه لا يلزمه الأداء قبل حلوله. أن إنسان مثلا أخذ من شخص دين لمدة شهر، فجاء الدائن وطلب من المدين أن يسدد الدين بعد أسبوعين، فلا يجوز له ذلك؛ لأن الأجل لم يأتي بعد، والمسلمون على شروطهم، فلا يجوز أن يطالب الدائن المدين قبل مجيء الأجل. قال: ثانيًا: إذا كان مال المحجور عليه أكثر من الدين الذي عليه، فهذا لا يحجر عليه في ماله، ولكن يؤمر بالوفاء عند المطالبة. إذا كان مال المحجور عليه أكثر من الدين، إنسان أخذ ديون من الناس، هذه الديون بلغت مثلا خمسمائة ألف، وعنده من المال ستمائة ألف، هل يحجر عليه؟ الجواب: لا، لا يحجر؛ لماذا؟ لأن ماله أكثر من الدين، المال الذي عنده أكثر من الدين، إذن هذا ليس مفلسًا، فلا يحجر عليه، لكن ما الذي يطالب به؟ قال: يؤمر بالوفاء عند المطالبة، إذا جاء وقت السداد، وطالبه أصحاب الديون، وجب عليه أن يوفي الدين الذي عليه. قال: فإن امتنع حبس وعزر حتى يوفي الدين. إذا امتنع حبس، إما أن يحبسه أصحاب الديون، أو يحبسه القاضي في السجن مثلا، أو يحبسه في بيته أو في بيت آخر، ويعزر، يعزر يعني يضربه، ويجلده دون عشرة أصوات؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يعزر فوق عشرة أصوات». إلا في حد من حدود الله، لكن التعزير لا بأس أن يعزر عشرة أصوات فما دونه حتى يسدد. قال: أما إذا كان ماله أقل مما عليه الدين الحال، فهذا يحجر عليه التصرف في ماله عند المطالبة؛ لألا يضر بالغرماء، ولا يمكن المدين من التصرف في ماله بتبرع أو غيره، إذا كان هذا الأمر يضر بأصحاب الديون. يقول: إذا كان ماله أقل مما عليه من الدين الحال، هذا يحجر عليه؛ هذا الذي يحجر عليه لفلس، إذا كان ماله أقل، يعني مثلا الدين الذي عليه خمسمائة ألف، والمال الذي عنده أربعمائة ألف، الآن هنا الدين أكثر من ماله، فهذا يحجر عليه، يمنع من التصرف في ماله عند المطالبة، إذا طالب أصحاب الدين بأموالهم. قال: رابعًا: للحاكم أن يبيع ماله، ويقسم ثمنه بقدر ديون غرمائه الحالة؛ لأن هذا هو المقصود من الحجر عليه، وفي تأخير ذلك مطل وظلم لهم، ويترك له الحاكم ما يحتاج إليه كالنفقة والسكن. قال: للحاكم أن يبيع ماله، يعني إذا حجر عليه، ومنع من التصرف، والغرماء يطالبون بديونهم أموالهم، فهنا للحاكم أن يتصرف في ماله، فيبيع مثلا عنده أرض، وعنده مثلا سيارة، له أن يبيعها، ويسدد الدين الذي عليه بقدر ديون غرمائه، كل يعطيه على قدر دينه؛ لماذا؟ لأن هذا هو المقصود من الحجر عليه، أن يمنع من التصرف، وأن يسدد الديون التي عليه. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

شاركنا على