الدرس في شرح لمعة الإعتقاد 24، ألقاها
النبي صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين وسيد المرسلين، ولا يصح إيمان العبد إلا بالإيمان برسالته. له خصائص كلواء الحمد والمقام المحمود والحوض المورود يوم القيامة.
النبي صلى الله عليه وسلم إمام النبيين يوم القيامة، وأمته خير الأمم، وصحابته خير أصحاب الأنبياء. أفضل أصحابه أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي.
الخلفاء الراشدون هم أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي، وقد أجمع الصحابة على تقديمهم ومبايعتهم. تمتد خلافتهم إلى ثلاثين سنة كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام قدامة رحمه الله في كتابه "لمعة الاعتقاد"، فصل حقوق النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه. قالوا: محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين وسيد المرسلين، لا يصح إيمان عبد حتى يؤمن برسالته ويشهد بنبوته، ولا يقضي بين الناس في القيامة، ولا يدخل الجنة أمة إلا بعد دخول أمته، صاحب لواء الحمد والمقام المحمود والحوض المورود. وهو إمام النبيين وخطيبهم وصاحب شفاعتهم، أمته خير الأمم وأصحابه خير أصحاب الأنبياء. ذكر رحمه الله في هذا الفصل شيئا من خصائص النبي عليه الصلاة والسلام. قال: فصل حقوق النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، بدأ بذكر حقوق النبي صلى الله عليه وسلم وخصائصه، ثم بعد ذلك سيذكر شيئا مما يتعلق بالصحابة رضوان الله تعالى عليهم. فالأنبياء هم خير الخلق، أفضلهم عند الله جل وعلا الأنبياء والرسل، أو نقول الرسل، ثم النبيون، ثم الصديقون، ثم الشهداء، ثم الصالحون. وقد ذكرهم الله جل وعلا في قوله: ﴿ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا﴾. وأفضل هؤلاء الرسل هم أولو العزم، وهم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ونبينا محمد عليه الصلاة والسلام. واستدل أهل العلم على أن هؤلاء هم أولو العزم الذين يرادون في قول الله جل وعلا: ﴿فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل﴾. قالوا: إن الله جل وعلا جمع بينهم في آيتين في موضعين من القرآن، في سورة الأحزاب في قوله جل وعلا: ﴿وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى بن مريم وأخذنا منهم ميثاقا غليظا﴾، وهكذا أيضا في سورة الشورى: ﴿شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذين أوحينا من بعده وما أوحينا إلى إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه﴾. فالله عز وجل خصهم في الذكر في هاتين الآيتين، مع ما لهم من الفضل والفضائل الكثيرة، فهم أفضل الأنبياء والرسل، وأفضلهم نبينا عليه الصلاة والسلام، أفضل أولو العزم هو نبينا عليه الصلاة والسلام، ثم بعده إبراهيم عليه السلام، فهو أبو الأنبياء وملته أصل الملل، كما قال الله جل وعلا: ﴿أوحينا إليك ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا﴾. ثم بعده موسى، فهو أفضل أنبياء بني إسرائيل، وشريعته هي أصل شرائع بني إسرائيل، ثم بعده نوح وعيسى. ولا يفاضل بينهم كما قال الشيخ عثيمين رحمه الله، ولكل له فضله. فذكر المؤلف رحمه الله شيئا من خصائص النبي عليه الصلاة والسلام، قال: فهو خاتم النبيين، قوله: "محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين"، خاتم النبيين أي ختم الله عز وجل به النبوة، فلا نبي بعده عليه الصلاة والسلام. قال الله جل وعلا: ﴿ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين﴾، فربنا جل وعلا ختم النبوة بمبعث النبي عليه الصلاة والسلام، ويدل على ذلك أيضا ما ثبت في السنة في أحاديث كثيرة في قوله عليه الصلاة والسلام: "أنا خاتم النبيين لا نبي بعدي". وأخبر عليه الصلاة والسلام أنه سيكون بعده كذابون ثلاثون، كلهم يجزم أنه نبي، قال: "ولا نبي بعدي". ولهذا من ادعى النبوة بعد النبي عليه الصلاة والسلام فهو كافر، لأنه مكذب للقرآن والسنة. قال: "سيد المرسلين"، سيد المرسلين لقوله عليه الصلاة والسلام: "أنا سيد الناس يوم القيامة"، والحديث في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. وقوله: "لا يتم إيمان عبد حتى يؤمن برسالته"، وذلك لأن رسالة النبي عليه الصلاة والسلام رسالة عامة إلى جميع الخلق، وإلى جميع الثقلين من الجن والإنس، العرب والعجم، كما قال الله جل وعلا: ﴿قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا﴾، وقال جل وعلا: ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾، وقال: ﴿وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا﴾. وهذا من خصائص النبي عليه الصلاة والسلام أن دعوته عامة لجميع الخلق، بخلاف الأنبياء والرسل الذين قبله، كانوا يبعثون إلى أقوامهم. وفي حديث جابر في الصحيحين في قوله عليه الصلاة والسلام: "أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي"، وذكر منها: "وكان النبي يبعث إلى قومي خاصة، وبعثت إلى الناس عامة". فبعثته عليه الصلاة والسلام إلى جميع الخلق، فلهذا من لم يؤمن بالنبي عليه الصلاة والسلام فهو كافر. قال الله جل وعلا: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم﴾، وهكذا في الصحيحين حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال عليه الصلاة والسلام: "والذي نفسي بيده لا يسمع بي يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار". فلو آمن شخص بالله جل وعلا، لكن لم يؤمن بالنبي عليه الصلاة والسلام، فهو كافر، ليس بمؤمن، حتى يؤمن بإرسال النبي عليه الصلاة والسلام، يشهد أن لا إله إلا الله ويشهد أن محمدا رسول الله. قال: "ولا يدخل الجنة أمة إلا بعد دخول أمته"، يعني أول أمة تدخل الجنة هي أمة النبي عليه الصلاة والسلام، كما قال عليه الصلاة والسلام: "نحن الآخرون السابقون يوم القيامة". قال: "صاحب لواء الحمد"، صاحب لواء الحمد أي يوم القيامة يكون مع النبي عليه الصلاة والسلام لواء الحمد، ويكون الأنبياء كلهم تبعه وتحت لواءه، كما جاء عند الإمام الترمذي من حديث ابن سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه، قال عليه الصلاة والسلام: "أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وبيدي لواء الحمد ولا فخر، وما من نبي يومئذ آدم فمن سواه إلا تحت لوائي". قال: "صاحب المقام المحمود"، صاحب المقام المحمود أي الشفاعة العظمى، كما في قوله جل وعلا: ﴿عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا﴾، وهي الشفاعة العظمى التي يشفع فيها النبي عليه الصلاة والسلام في أهل الموقف. قال: "والحوض المورود"، أيضا صاحب الحوض المورود، نرى معنا الكلام على الحوض، وأن الحوض ليس خاصا بالنبي صلى الله عليه وسلم، بل كذلك الأنبياء لهم كذلك أحواض، لكن النبي عليه الصلاة والسلام حوضه أكثر واردة، أكثر من يرده من الناس هو حوض النبي عليه الصلاة والسلام. قال: "وهو إمام النبيين وخطيبهم"، أي يوم القيامة النبي صلى الله عليه وسلم إمام النبيين وخطيبهم وصاحب شفاعتهم، كما جاء في حديث أبي بن كعب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا كان يوم القيامة كنت إمام النبيين وخطيبهم وصاحب شفاعتهم غير فخر"، الحديث رواه الترمذي ورواه الإمام أحمد وابن ماجة، وحسنه العلامة الألباني رحمه الله. قال: "وأمته خير الأمم"، كما أخبر الله عز وجل في قوله: ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس﴾، أخبر الله جل وعلا بأن هذه الأمة خير الأمم. قال: "وأصحابه خير أصحاب الأنبياء"، الكلام الآن فيما يتعلق بصحابة النبي عليه الصلاة والسلام، ومما يدعى على ذلك ما ثبت في الصحيح في قوله عليه الصلاة والسلام: "إن الله عز وجل نظر في قلوب عباده، فرأى قلب نبيه خير قلوب العباد، فاصطفاه لنبوته، ثم نظر في قلوب أمته، فرأى قلوب أصحابه خير قلوب العباد، فاصطفاه لصحبته"، الحديث. وهكذا أيضا قوله عليه الصلاة والسلام: "خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم"، الحديث في الصحيحين من حديث عمران بن حسين وجابر وغيرهما. قالوا: "أفضل أمته أبو بكر الصديق"، ثم عمر الفاروق، ثم عثمان ذو النورين، ثم علي المرتضى رضي الله عنهم أجمعين، لما روى عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: "كنا نقول والنبي صلى الله عليه وسلم حي أفضل هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، فيبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فلا ينكره". وتصح الرواية عن علي رضي الله عنه أنه قال: "خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر، ثم عمر". ولو شئت لسميت الثالث. قال: "وروى أبو الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ما طلعت الشمس ولا غربت بعد النبيين والمرسلين على أفضل من أبي بكر"، وهو أحق خلق الله بالخلافة بعد النبي صلى الله عليه وسلم لفضله وسابقته وتقديم النبي صلى الله عليه وسلم له في الصلاة على جميع الصحابة رضي الله عنهم، وإجماع الصحابة على تقديمه ومبايعته. ولم يكن الله ليجمعهم على ضلالة، ثم من بعده عمر رضي الله عنه لفضله وعهد أبي بكر إليه، ثم عثمان رضي الله عنه لتقديم أهل الشورى له، ثم علي رضي الله عنه لفضله وإجماع أهل عصره عليه. وهؤلاء الخلفاء الراشدون المهديون الذين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم: "عليكم بسنة وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ". وقال صلى الله عليه وسلم: "الخلافة من بعدي ثلاثون سنة"، فكان آخرها خلافة علي رضي الله عنه. ذكر رحمه الله في هذا الموضع شيئا مما يتعلق بصحابة النبي عليه الصلاة والسلام، والصحابي هو من لقي النبي عليه الصلاة والسلام مؤمنا به ومات على ذلك، ولو تخللته ردة على الصحيح، كما قال الحافظ ابن حجر رحمه الله. وسواء كان اللقاء قصيرا أو كان طويلا، فلا يشترط في إثبات الصحبة طول المصاحبة، وهكذا أيضا إذا كان كبيرا أو صغيرا، فإن يثبت له شرف الصحبة. فلهم فضائل عامة كثيرة تدل على فضلهم، من ذلك رضى الله جل وعلا عنهم: ﴿لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة﴾، وقوله جل وعلا: ﴿محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم﴾، إلى آخر الآية. ومن السنة كذلك أيضا أحاديث كثيرة تدعو إلى فضل الصحابة، فقوله عليه الصلاة والسلام في حديث أبي سعيد: "لا تسبوا أصحابي، والذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصفه". وأفضل الصحابة على جهة الإطلاق هو أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، عبد الله بن عثمان، صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام الذي واسى النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه وبماله، ولازم النبي صلى الله عليه وسلم، وكان من أول من آمن به من الرجال، وهاجر مع النبي صلى الله عليه وسلم، وكان معه في الغار. وأثنى الله جل وعلا عليه وأثبت صحبته لنبيه ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه: ﴿لا تحزن إن الله معنا﴾، ولو فضائله كثيرة رضي الله تعالى عنه. وذكر فضائل كل صحابي من هؤلاء الصحابة الأربعة الخلفاء الراشدين يطول به المقام، لكن هذه إشارة يسيرة. فأبو بكر رضي الله عنه أفضل الصحابة، ثم عمر الفاروق أبو حفص عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فهو أفضل الصحابة بعد أبي بكر، وهذا لا خلاف بين السلف في أن أفضل الصحابة أبو بكر ثم عمر. وعمر كذلك له فضائل كثيرة، فهو أيضا كان صاحب النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر، وكثيرا ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "كنت أنا وأبو بكر وعمر"، وأنه خرج ودخل مع أبي بكر وعمر. وبعده عثمان ذو النورين عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه، زوج ابنتيه رقية وأم كلثوم، لقب بذلك لأنه تزوج بابنتي النبي عليه الصلاة والسلام، وهذه فضيلة لا يشاركه فيها أحد. وكان رضي الله عنه غنيا موسرا، أنفق أمواله في سبيل الله، جهز جيش العسرة، واشترى بئر رومة وأوقفها في سبيل الله للمؤمنين، له فضائل كثيرة رضي الله عنه. ثم علي رضي الله تعالى عنه، علي بن أبي طالب، ابن عم رسول الله عليه الصلاة والسلام، وزوج ابنته فاطمة، ووالد الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة. فتقديم أبي بكر وعمر هذا لا خلاف فيه بين السلف، ومن قدم أحدا على أبي بكر فهو مبتدع ظالم، كما يفعل أو يقول الشيعة والرافضة في تقديم علي رضي الله عنه على أبي بكر وعمر. فمن قال بذلك فهو مبتدع ظالم، وأما تقديم علي على عثمان، قال به بعض السلف، منهم من قدم علي على عثمان، ومنهم من قال: أفضل الصحابة أبو بكر، ثم عمر، ثم يسكت، ومنهم من قال: أفضلهم أبو بكر، ثم عمر، ثم لا تفضيل بعد ذلك. لكن الصحيح أن الأفضلية على هذا الترتيب: أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، كما وردت بذلك الآثار، وعليه عامة السلف. قال: "وذكر أثرا من عمر قال: كنا نقول والنبي صلى الله عليه وسلم حي أفضل هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، فيبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فلا ينكره"، هذا الأثر جاء في صحيح البخاري، أنه قال ابن عمر: "كنا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم لا نعدل بأبي بكر أحدا، ثم عمر، ثم عثمان، ثم نترك أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لا نفاضل بينهم". وهذا في إقرار من النبي عليه الصلاة والسلام على أن أفضل الصحابة أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان. وعند أبي داود: "كنا نقول ورسول الله صلى الله عليه وسلم حي أفضل أمة النبي صلى الله عليه وسلم بعده أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان"، وهو صحيح، صححه الشيخ الألباني رحمه الله في تخريج السنة لابن أبي عاصم. قال: "وروى أبو الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ما طلعت الشمس ولا غربت بعد النبيين والمرسلين على أفضل من أبي بكر"، هذا الأثر أخرجه الإمام أحمد في فضائل الصحابة، وابن أبي عاصم في السنة، من حديث أبي الدرداء. قال: "وأحق خلق الله بالخلافة بعد النبي صلى الله عليه وسلم هو أبو بكر"، وذلك لفضله، فهو أفضل الصحابة، ومن أسبق الصحابة رضوان الله عليهم إلى الإيمان والإسلام، وأحب الناس إلى النبي عليه الصلاة والسلام. كما في الصحيح حين سئل عليه الصلاة والسلام: "من أحب الناس إليك؟ قال: عائشة، ومن الرجال؟ قال: أبوها". وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "سدوا كل خوخة إلى المسجد إلا خوخة أبي بكر"، أمر النبي صلى الله عليه وسلم بتركها. وقال عليه الصلاة والسلام: "كنت متخذاً من أمتي خليلا، اتخذت أبا بكر خليلا". وهكذا فضائل كثيرة تدل على فضل أبي بكر رضي الله تعالى عنه، وتقديم النبي عليه الصلاة والسلام له في الصلاة على جميع الصحابة. وهذا مما استدل به أهل العلم على أحقيته للخلافة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد قدمه في الإمامة الصغرى، وهي إمامة الصلاة، لما مرض عليه الصلاة والسلام قال: "مروا أبا بكر فليصل بالناس". والصحابة كثر، لكن ما اختار النبي صلى الله عليه وسلم إلا أبا بكر، هذا يدل على فضله وأحقيته بالخلافة. قالوا: "وأجمع الصحابة على تقديمه ومبايعته"، فالصحابة أجمعوا على تقديم أبي بكر على مبايعته، ولم يتخلف من ذلك أحد من الصحابة رضوان الله عليهم. وما ذكر عن أو ما يذكره الرافضة أن عليا لم يبايع كذب، فالحديث الصحيح في البخاري أنه بايع أبي بكر، وإن كانت أخر شيئا ما، لكنه بايعه وأثنى عليه وذكر فضله وحقيته بالخلافة. وكذلك أيضا سعد بن عبادة رضي الله عنه بايعه، ولم يتخلف أحد من الصحابة رضوان الله عليهم على مبايعته، فهذا إجماع من الصحابة رضوان الله عليهم على تقديم أبي بكر. قال: "ولم يكن الله ليجمعهم على ضلالة"، يعني هل يمكن أن يجتمع على خلافة أبي بكر ويكون خلافته باطلة، وهناك من هو أحق بالخلافة كما يدعي الرافضة، هذا لا يمكن أن يقرهم الله جل وعلا على أمر باطل. فدل هذا على حقيته بالخلافة، ومن قال بخلاف ذلك فهو مبتدع ظالم، كما تقول الرافضة لأن حق الخلافة هو علي رضي الله عنه، وأن أبا بكر إن تجعل خلافته منه. قال: "واختلف أهل العلم هل خلافة أبي بكر كانت بنص من النبي عليه الصلاة والسلام أو كانت بالإشارة"، من قال أنها منصوص عليها واستدلوا بحديث جبير بن مطعم رضي الله عنه في الصحيح أن امرأة أتت النبي صلى الله عليه وسلم تسأله عن شيء، فقالت: "فإذا لم أجدك؟ قال: فأتي أبا بكر". قالوا: هذا يدل على أنه نص على خلافة أبي بكر، وهكذا أيضا في تقديمه أبي بكر للإمامة الصغرى، قالوا: هذا نص على أنه هو الخليفة بعده. وقال بعضهم: "بل هو إشارة"، أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى تقديمه، وهذا الأظهر أن هذه الأدلة فيها إشارة إلى أن أبا بكر رضي الله عنه هو الخليفة بعده. قال: "ثم بعده عمر رضي الله عنه لفضله"، أي بعد أبي بكر في الخلافة عمر رضي الله تعالى عنه لفضله، فضائل عمر رضي الله عنه كثيرة، وعهد أبي بكر إليه، يعني عهد أبي بكر بالخلافة بعده إلى عمر رضي الله عنه، وأجمع الصحابة رضوان الله عليهم على مبايعة عمر رضي الله تعالى عنه. قال: "ثم عثمان رضي الله عنه لتقديم أهل الشورى له"، عمر رضي الله عنه لما طعن طعنه أبو لؤلؤة المجوسي جعل الأمر شورى بين الستة من العشرة المبشرين بالجنة، فاتفقوا على مبايعة عثمان، ولم يتخلف منهم أحد. قال: "ثم علي رضي الله عنه لفضله وإجماع أهل عصره عليه"، ثم علي رضي الله عنه لفضله أي لفضائله الكثيرة كذلك، وإجماع أهل عصره عليه بعد مقتل عثمان، بويع علي رضي الله عنه، وأجمع الصحابة على مبايعته، فهو الخليفة بعد عثمان رضي الله تعالى عنه. فهذا ترتيبهم في الخلافة كترتيبهم في الأفضلية: أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي رضي الله تعالى عنهم. ومن خالف ذلك فهو مبتدع ظالم، كما سمعنا. والرافضة كيف يدعون أن عليا رضي الله عنه أحق بالخلافة، وأن الخلافة أخذت منه، وأنه كذا وكذا، وعلي رضي الله عنه بايع أبا بكر وبايع عمر وبايع عثمان. قال: "قالوا هؤلاء الخلفاء الراشدون المهديون الذين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم: عليكم بسنة وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ"، حديث العرباض بن سارية المشهور. فقول عليه الصلاة والسلام: "سنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي"، من هؤلاء؟ هؤلاء الأربعة: أبو بكر، عمر، عثمان، وعلي. وقال صلى الله عليه وسلم: "الخلافة من بعدي ثلاثون سنة"، فكان آخرها خلافة علي رضي الله عنه، والحديث رواه أبو داود والترمذي، وكذلك أيضا الحاكم وغيرهم من حديث سفينة مولى رسول الله عليه الصلاة والسلام، والحديث صحيح، وقد صححه جمع من الأئمة. وفي رواية لأبي داود قال سفينة: "خذوها، خلافة أبي بكر سنتان، وخلافة عمر عشر سنوات، وخلافة عثمان اثنا عشر سنة، وخلافة علي أربع سنوات، فتلك ثلاثون سنة". فكانت خلافة أبي بكر رضي الله تعالى عنه سنتان وثلاثة أشهر وتسع ليال، وخلافة عمر عشر سنوات وستة أشهر وثلاثة أيام، وخلافة عثمان اثنا عشرة سنة إلا اثني عشر يوما، وخلافة علي رضي الله عنه أربع سنوات وتسعة أشهر. فمجموع خلافة هؤلاء الأربعة تسع وعشرون سنة وستة أشهر وأربعة أيام، ثم بعد مقتل علي رضي الله عنه بويع علي الحسن بن علي رضي الله تعالى عنهما، وبعد ذلك تنازل علي رضي الله عنه إلى معاوية بالإمارة. فكانت الخلافة ثلاثون سنة مع الفترة التي وليها الحسن بن علي رضي الله عنه، هي بخية الأشهر تمام الثلاثين، فظهر صدق النبي عليه الصلاة والسلام، وحصل ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم من إخباره بأن الخلافة بعده ثلاثون سنة. صلى الله عليه وسلم على أبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.