الدرس في شرح لمعة الإعتقاد 13، ألقاها
يُعرَّف القرآن بأنه كلام الله تعالى، وليس قول بشر أو شعر، وقد أنكره الكفار ورد الله عليهم ذلك. القرآن هو ذكر و قرآن مبين.
تحدى الله المكذبين بالإتيان بمثل القرآن أو سورة واحدة من مثله، وأكد أن القرآن كلام الله المعجز. من أنكر حرفًا من كتاب الله يعتبر كافرًا.
يرد المقطع على شبهات الجهمية الذين استدلوا بآيات قرآنية على خلق القرآن، ويوضح أن هذه الشبهات مردودة بفهم اللغة وسياق الآيات. المسلمون أجمعوا على أن القرآن كلام الله غير مخلوق.
يشير المقطع إلى انتهاء الحديث ويختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، مما يدل على نهاية الخطبة أو الدرس.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام ابن قدامة رحمه الله في كتابه «لمعة الاعتقاد»: في ذكره لمن يتعلق بالقرآن وأنه كلام الله جل وعلا، قال رحمه الله: «وهذا هو الكتاب العربي الذي قال فيه الذين كفروا: ﴿لَن نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ﴾، فقال بعضهم: «إن هذا إلا قول البشر»، فقال الله سبحانه: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾. قال: وقال بعضهم: «هو شعر»، فقال الله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ إِن هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ﴾. فلما نفى الله عنه أنه شعر وأثبته قرآنًا، لم يبق شبهة لذي لب في أن القرآن هو هذا الكتاب العربي الذي هو كلمات وحروف وآيات؛ لأن ما ليس كذلك لا يقول أحد إنه شعر» إلى آخر ما ذكر رحمه الله في هذا الفصل. فذكر رحمه الله أن القرآن هو هذا الكتاب العربي الذي أنزله الله جل وعلا على رسوله محمد عليه الصلاة والسلام. وكذلك أيضًا أنزله على الأمة العربية التي تعرف اللغة العربية، بل ممن عرفت بالفصاحة والبلاغة وحسن البيان والكلام. قال فيه هؤلاء الكافرون ممن كفر به: ﴿لَن نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾. «لن نؤمن بهذا القرآن» إشارة إلى كتاب الله جل وعلا الذي أنزله على رسوله عليه الصلاة والسلام. وقال: «والذي بين يديه»، قيل: الكتب السابقة كالتوراة والإنجيل، وقيل: ما أخبر الله عز وجل به في هذا القرآن من البعث والنشور. قال: وقال بعضهم: «إن هذا إلا قول البشر»، يعني بعض هؤلاء الكافرين قالوا في هذا القرآن وفي هذا الكتاب العربي: إنه قول البشر، ليس من قول خالق البشر. وهذا طائفة الوليد بن المغيرة، قالها مكابرة؛ لما أتى أبا بكر الصديق وسمع منه القرآن، فأعجبه وعلم أنه ليس من كلام البشر، وإنما هو من كلام خالق البشر، فبلغ ذلك قريشًا وأنه قد يترك دين أباه وأجداده ويكون من المسلمين، فجاءه أبو جهل وغره بما غره به حتى تنكر بعد ذلك وقال: إنه قول بشر. أي: على هذا القرآن أنه قول البشر، وهو يعلم أنه قول خالق البشر سبحانه وتعالى. فقال الله سبحانه: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾، يعني متوعدًا له جل وعلا بالعقوبة والعذاب؛ إذ قال عن هذا القرآن بأنه قول البشر، قال: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾، يعني سأسكنه وأدخله سقر، وسقر طبقة من طبقات جهنم، جعل ابن عباس أنها الطبقة الثالثة، ومن دركات جهنم، أعدها الله لمن قال بأن القرآن قول البشر. قال: وقال بعضهم: «هو الشعر»، قال بعض هؤلاء الكفار كذلك: إنه شعر، وأن هذا الكلام الذي جاء به محمد عليه الصلاة والسلام إنما هو شعر من الأشعار التي كانت تقولها العرب. والعرب كما علمنا عرفت بمصاحتها وبلاغتها، ومن ذلك أيضًا قوة تعبيرها، وكذلك أيضًا قولها للشعر ونظمه. وقوله: فقالوا في هذا القرآن إنه شعر، فقال الله جل وعلا: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ إِن هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ﴾. فنفى الله جل وعلا عن نبيه عليه الصلاة والسلام أن يكون تعلم الشعر أو يعرف الشعر، فما هو عليه الصلاة والسلام بشاعر، كما قال الله جل وعلا: ﴿وَمَا هُوَ بِشَاعِرٍ﴾. وهنا قال: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ﴾، يعني ما ينبغي له أن يكون شاعرًا. والله عز وجل أنزل عليه هذا الوحي العظيم المبارك، وأخبر سبحانه أن: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ﴾، أي: هذا الكلام الذي وصفتموه بأنه شعر، ليس بشعر، وإنما هو ذكر يذكر الله جل وعلا به العباد، وهو ﴿قُرْآنٌ مُّبِينٌ﴾، أي: واضح بين جلي، يقرأ ويتلى ويتعبد به لله جل وعلا. وهل ينافي هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم ثبت عنه أنه قال بعض الأبيات، كما في حفر الخندق حين قال: «اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة، فاغفر للأنصار والمهاجرة». وهكذا قال في غزوة حنين: «أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب». فهل يعد هذا من الشعر؟ والله عز وجل يقول: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ﴾. فقال بعض أهل اللغة كالأخفش: «هذا ليس بشعر، وإنه سجع»، وهذا من السجع، وهو أن تنتهي الجمل وتنتهي آخرها بحرف واحد، وهذا يستعمل في اللغة العربية من باب البلاغة والفصاحة. وبعضهم قال: «هو شعر، لكن لا يسمى صاحبه شاعرًا؛ لأن من قال بيتًا أو بيتين لا يعد شاعرًا»، كما قال الإمام النووي رحمه الله. وعلى كل، فالله جل وعلا نفى عن نبيه عليه الصلاة والسلام أن يكون شاعرًا، فلا يعد هذا شعرًا. قال: «فلما نفى الله عنه أنه شعر وأثبته قرآنًا، لم يبق شبهة لذي لب؛ فإن القرآن هو هذا الكتاب العربي الذي هو كلمات وحروف وآيات؛ لأن ما ليس كذلك لا يقول أحد إنه شعر». قال: وقال عز وجل: ﴿وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾. ولا يجوز أن يتحداهم بالإتيان بمثل ما لا يدرى ما هو ولا يعقل. يعني الله عز وجل خاطب هؤلاء المكذبين للقرآن ولما جاء به النبي عليه الصلاة والسلام من هذا الوحي العظيم: ﴿إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ﴾، يعني في شك ﴿مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾، أي: على رسولنا محمد عليه الصلاة والسلام. والمراد به هنا العبودية الخاصة؛ لأن العبودية على قسمين: عبودية عامة يشترك فيها جميع الخلق المسلم والكافر، كما في قوله جل وعلا: ﴿إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾. وعبودية خاصة وهي لأوليائه من أهل الإيمان والتقوى. وعبودية خاصة الخاصة هي عبودية الأنبياء والرسل. وهنا أضيفت العبودية لله جل وعلا، ووصفه الله بهذا الوصف من باب التشريف والتكريم. قال: ﴿مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾، كما أنه شرفه كذلك أيضًا في مقام إنزال القرآن، كذلك بلفظ العبودية: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾. وهكذا أيضًا في مقام الإسراء، قال سبحانه: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾. فذكر الله عز وجل بلفظ العبودية في هذه المواضع تشريفًا وتكريمًا. قال: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ﴾، تحداهم الله أن يأتوا بسورة واحدة من مثل هذا القرآن، هذا القرآن مئة وأربعة عشر سورة، فليأتوا بواحدة، بسورة واحدة فقط، ولو كأقصر سورة في القرآن وهي الكوثر، فليأتوا بمثلها، فما استطاعوا ولن يستطيعوا ذلك. قال: ﴿وَادْعُوا شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾. وإذا تحداهم الله جل وعلا بذلك، هل يمكن أن يتحداهم بشيء لا يدرى ما هو ولا يعقل؟ الجواب: لا، لا شك أنه ما تحداهم إلا بشيء يعقلونه ويعرفونه. وقال تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي﴾. فأثبت أن القرآن هو الآيات التي تتلى عليهم، وهذا هو الشاهد. ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ﴾، فهذا القرآن أخبر الله سبحانه وتعالى أنه هو الآيات التي تتلى عليهم وسمعوها بآذانهم. وقال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾. وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ قُرْآنٍ كَرِيمٍ فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾. بعد أن أقسم على ذلك في قوله: ﴿بَلْ أَقْسَمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾. فأخبر الله جل وعلا أنه قرآن، ﴿قُرْآنٍ كَرِيمٍ﴾، وصفه الله جل وعلا بهذا الوصف، وأنه مكتوب في ﴿كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾، قيل: يراد بذلك المصحف، وقيل: في اللوح المحفوظ، وهو الصحيح. ولهذا قوله: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾، المراد بهم الملائكة على الصحيح؛ لأنه وصف لهم بالطهارة الدائمة المستمرة. ولو أراد به من كان متطهرًا من الحدث لقال: «لا يمسه إلا المتطهرون». وقال تعالى: ﴿كاف هاء يا عين صاد﴾. وقال: ﴿حاميم عين سين قاف﴾. وافتتح تسعًا وعشرين سورة بالحروف المقطعة، تسع وعشرون سورة في القرآن، افتتح الله جل وعلا بالحروف المقطعة. ومعناها كما قال أهل العلم: إلى الله جل وعلا. وبعضهم قال: إن الإتيان بهذه الحروف للتحدي والإعجاز؛ إذ أن العرب بفصاحتهم وبلاغتهم لا يستطيعون أن يأتوا بمثل هذه الآيات المركبة بمثل هذه الحروف. قال: وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «من قرأ القرآن فأعربه، فله بكل حرف منه عشر حسنات، ومن قرأه ولحن فيه، فله بكل حرف حسنة». وهذا الحديث رواه الطبراني في «الأوسط» من حديث ابن مسعود، وهو ضعيف؛ فيه نهشل وهو ابن سعيد متروك. ويغني عنه حديث ابن مسعود: «من قرأ حرفًا من كتاب الله، فله الحسنة، والحسنة بعشر أمثالها» الحديث. وقال عليه الصلاة والسلام: «اقرأوا القرآن قبل أن يأتي قوم يقيمون حروفه إقامة السهم، لا يجاوز تراقيهم، يتعجلون أجره ولا يتأجلونه». والحديث رواه الإمام أحمد وأبو داود، وفيه وفاء بن شريح، وفيه مقبول؛ يعني فيه ضعف؛ لأنه يقبل في الشواهد. وثبت من حديث جابر بن عبد الله عند الإمام أحمد، وبه يحسن الحديث، وقصاه الشيخ الألباني رحمه الله في «الصحيحة». وقوله: «قبل أن يأتي قوم يقيمون حروفه إقامة السهم»، يعني يتلونه ويحسنون تلاوته، «لا يجاوز تراقيهم»، يعني لا يجاوز القرآن حناجرهم، يتلونه ويقرؤونه ولا يفقهونه ولا يفهمونه، كحال الخوارج أو بعض أهل الأهواء كالصوفية ونحوهم. «يتع، يتعجلون أجر تلاوة القرآن، بالتأكل به بشيء من متاع الدنيا، «ولا يتأجلونه»، أي: لا يتأجلون أجره وثوابه بنيله من الله جل وعلا في الآخرة. قال: وقال أبو بكر وعمر رضي الله عنهما: «إعرابوا القرآن أحب إلينا من حفظ بعض حروفه». وهذا الأثر فيه جابر من يزيد الجعفي، وهو ضعيف جدًا. قال: وقال علي رضي الله عنه: «من كفر بحرف منه، فقد كفر به كله». وهذا الأثر رواه من أبي شيبة، ومن جرير في تفسيره، وهو صحيح. ويريد بذلك أن من أنكر حرفًا من كتاب الله جل وعلا، فإنه يعتبر كافرًا، فكيف من أنكر ما هو أكثر من ذلك؟ أنكر القرآن كله، ويعتبر كافرًا بلا شك، أو أنكر بعض سور القرآن، كحال الرافضة. قال: «واتفق المسلمون على عد سور القرآن، وآياته، وكلماته، وحروفه». ولا خلاف بين المسلمين في أن من جحد من القرآن سورة أو آية أو كلمة أو حرفًا متفقًا عليه، أنه كافر. وفي هذا حجة قاطعة؛ لأنه حجة على خلاف ما قاله الجهمية، وكذلك أيضًا الأشاعرة. ولهذا اتفق السلف على تكفير الجهمية الذين قالوا: بأن القرآن مخلوق، وأنه ليس كلام الله جل وعلا. ونقل أهل العلم تكفيرهم، تكفير علماء لهم، حتى ذكر الإمام اللالكائي رحمه الله قول خمسمائة من العلماء في تكفير الجهمية. وكذا الطبراني قبله. وأشعر لهذا الإمام القيم رحمه الله في نونيته «الكافية الشافية»: «ولقد تقلد كفرهم خمسون في عشر من العلماء في البلدان ولالكائي» وذلك لما في هذا القول من مناقضة كتاب الله جل وعلا، وإنكار ما أخبر الله عز وجل فيه من أنه كلامه سبحانه وتعالى. وكذلك أيضًا ألفاظه أو حروفه كلها، وكلماته كلها: كلام الله سبحانه وتعالى. وقد ناظر هؤلاء الجهمية بعض الأئمة، كالإمام أحمد رحمه الله، له مناظرات مع الجهمية. وهكذا أيضًا هناك مناظرة لعبد العزيز الكناني مع بشر المريسي، وهي المسماة بـ«الحيدة»، وهي مناظرة قيمة نافعة. وشكك بعض أهل العلم في نسبتها إلى عبد العزيز الكناني، وصحت نسبتها إليه. وهناك بحث للشيخ ناصر حفظه الله أثبت فيه نسبة هذه المناظرة إلى عبد العزيز الكناني. والجهمية سلكوا ببعض الأدلة، ندخل شيئًا منها على سبيل الاختصار، أو نقول: بعض الشبه على قولهم بخلق القرآن. منها: قول الله جل وعلا: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾، قالوا: فالله عز وجل أخبر أنه خالق كل شيء، والقرآن شيء، إذن القرآن مخلوق. والجواب: أن الله جل وعلا أخبر عن نفسه بأنه شيء: «قل أي شيء أكبر شهادة، قل الله». فهل يقولون بأن الله مخلوق؟ الجواب: لا، إن قالوا بذلك كفروا. وإن قالوا: «لا»، خصموا كذلك أيضًا أن الله عز وجل أخبر باستعماله لهذا اللفظ الدال على العموم، وأريد به خصوص بعض الأشياء، خصوص بعض الأشياء، مثل قوله جل وعلا في ريح عاد: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾، وما دمرت مساكنهم. وهكذا أيضًا في إخباره عن ملك سليمان: ﴿وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾، ولم تؤت من ملك سليمان. إذن قوله جل وعلا: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾، أي: كل شيء مخلوق، خالق كل شيء مخلوق أيضًا. نستدل بقول الله جل وعلا: ﴿وَإِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾، قال: الله عز وجل أضاف القرآن وأنه قول الرسول، إذن قالوا: الرسول مخلوق، إذن هذا القرآن مخلوق. والجواب: أن الكلام ينسب ابتداءً إلى قائله، فالذي تكلم بهذا القرآن هو الله جل وعلا. وأضيف الكلام إلى الرسول؛ لأنه المبلغ عن الله جل وعلا. وأريد به جبريل في أحد المواضع، كما في قوله سبحانه: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾. وأضيف إلى النبي عليه الصلاة والسلام؛ لأنه المبلغ عن الله جل وعلا بواسطة جبريل، وهو المراد بقوله جل وعلا: ﴿وَإِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ﴾. والكلام يُنسب ابتداءً إلى من تكلم به، والله عز وجل هو المتكلم به ابتداءً، فهو كلامه سبحانه وتعالى. ولهذا قال جل وعلا: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾. أيضًا استدلوا بقول الله جل وعلا: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾، قالوا: «وجعل في لغة العرب تطلق على معنى خلق»، فدلت الآية على أن القرآن مخلوق: «إن جعلناه قرآنًا عربيًا»، يعني: خلقناه قرآنًا عربيًا. ورد عليهم بأن «جعل» في لغة العرب تطلق على معنيين: على معنى خلق، وعلى معنى صير. وذلك إذا تعدت «جعل» إلى مفعولين، كانت بمعنى صير. وإذا تعدت إلى مفعول واحد، كانت بمعنى خلق. فمن معنى صير: قول الله جل وعلا: ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾، هنا «جعلوا» بمعنى صير. وقوله جل وعلا: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾، «جعلوا الملائكة إناثًا»، الملائكة مفعول أول، و«إناثًا» مفعول ثاني. هل يقولون: «جعل» هنا بمعنى خلق؟ الجواب: لا. هل يثبتون خالقًا مع الله جل وعلا؟ إذن «جعلوا» هنا بمعنى صير. «وجعلوا» أي: صيروا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثًا. وهكذا بقوله جل وعلا: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾، بمعنى صيرناه، لا بمعنى خلقناه. ومن معنى خلق: قول الله جل وعلا: ﴿جَعَلَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾، يعني: خلق السماوات والأرض. وهكذا أيضًا مما سلكوا به: قول الله جل وعلا: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾، قالوا: «محدث» معنى مخلوق. «ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث»، يعني مخلوق. المحدث هو الشيء الذي وجد بعد أن لم يكن، وهذا وصف المخلوق، إذا القرآن مخلوق. ورد عليهم بأن المراد بقوله: «محدث»، أي: متجدد، أي: أنه جديد على أسماعهم وعلى آذانهم، ما سمعوه من قبل، وليس المعنى أنه «محدث» معنى مخلوق كما وهموه. والذي أوقعهم في ذلك هو جهلهم باللغة العربية، مع ما وقع في قلوبهم من الهوى والزيغ والضلال. نكتفي بهذا القدر إلى هنا. صلى الله وسلم على محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.