الدرس في شرح لمعة الإعتقاد 29، ألقاها
يناقش تحذير الإمام ابن قدامة من الفرق الضالة والمبتدعة، ويبين صفات أهل الأهواء والبدع. يوضح أن الانتساب إلى غير الإسلام والسنة يعد بدعة.
يتحدث عن الفرق الضالة مثل القدرية والمرجية والمعتزلة، ويوضح الفرق بين الاختلاف في الفروع الفقهية والاختلاف في الأصول العقائدية. يبين أن الأول ليس مذموما إذا لم يكن ناتجا عن التعصب.
يناقش أنواع الخلاف الفقهي بين العلماء ويصنفها إلى ثلاثة أقسام. يبين أن الخلاف المقبول هو خلاف الأفهام والتنوع، بينما يرفض خلاف التضاد الذي يخالف النصوص الشرعية.
تم الانتهاء من قراءة الكتاب مع الدعاء لله أن ينفع به ويغفر لمؤلفه. ختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام ابن قدامة رحمه الله في كتابه «لمعة الاعتقاد»: «وكل متسمن بغير الإسلام والسنة مبتدع، كالرافضة والجهمية والخوارج والقدرية والمرجية والمعتزلة والكرامية والكلابية ونظائرهم، فهذه فرق الضلال وطوائف البدع، أعاذنا الله منها». يقول رحمه الله: «كل متسمن بغير الإسلام والسنة مبتدع»، يعني من انتسب وتسمى بغير الإسلام والسنة فهو مبتدع، كمن يقول: «أنا رافضي»، أو «أنا جهمي»، أو «أنا خارجي»، أو «أنا مرجي»، أو «أنا معتزلي»، أو «أنا كرامي»، أو «أنا كلابي»، ونظائرهم، أشعري أو إخواني أو سروري أو قطبي، هذه كلها تسميات بغير الإسلام والسنة. فمن تسمى بغير الإسلام والسنة فهو مبتدع، والواجب أن ينتسب المسلم إلى الإسلام والسنة، «أنا مسلم»، «أنا سني»، «أنا سلفي»، والسلفي والسني معنى واحد، السني يعني متمسك بالكتاب والسنة على فهم السلف، وسلفي يعني متمسك بالكتاب والسنة على فهم سلف الأمة، هذا هو الواجب أن ينتسب المسلم إلى الإسلام والسنة. أما الانتساب إلى غيرها فهذا شأن أهل الأهواء، فإن من علامات أهل البدع الانتماء والانتساب إلى غير الإسلام والسنة، ومنها أيضا التعصب لآرائهم ولأشخاصهم، فتجد صاحب الهوى يتعصب للفكر الذي يمشي عليه أو لمؤسس هذا الحزب أو هذه الطائفة التي ينتسب إليها، يرى أن ما فيها حق ولا يقبل إنكار من منكر عليه. وهكذا أيضا من صفاتهم أنهم يكرهون أئمة الدين والإسلام، فتجدهم يطعنون في العلماء، يرمونهم تارة بالجبن وتارة بالعمالة وتارة بالجهل وتارة بعدم فقه الواقع وتارة بأنهم علماء حيض ونفاس، وغير ذلك من الطعون التي يطعنون بها في علماء الدين، هذه من صفات أهل الأهواء. ذكر رحمه الله بعض هؤلاء الفرق الضالة المبتدعة، كالرافضة، والرافضة الذين يغلون في آل بيت النبي عليه الصلاة والسلام، ويكفرون سائر الصحابة إلا نفرا يسيرا من آل بيت النبي عليه الصلاة والسلام، وبعضهم من غير آل البيت، وهم قليل، قدر ستة أو سبعة، وبقية الصحابة عندهم كفار. والروافض لهم فرق متعددة ذكرها أهل العلم مما تكلم في باب الفرق، كالبغدادي في كتاب «الفرق بين الفرق»، والشهرستاني في كتاب «الملل والنحل»، ولعل كتابه من أوسع الكتب في الكلام على الفرق والطوائف، ويسمون أيضا بالشيعة لأنهم يزعمون أنهم يتشيعون لآل البيت ويدعون إلى المطالبة بحقهم من الولاية والخلافة، إلى آخر ذلك من خزعبلاتهم. أول ما ظهرت الرافضة في خلافة علي رضي الله تعالى عنه، وكان قائدهم ورئيسهم عبدالله بن سبأ اليهودي الذي أظهر الإسلام نفاقا، ادعى في علي الألوهية، قال لعلي رضي الله عنه: «أنت هو»، قال: «ومن هو؟»، قال: «الله»، فأمر علي رضي الله عنه بخد يخدود وأمر بإشعال النار وحرق من ادعوا في الألوهية، وهرب عبدالله بن سبأ. ومن عقائد الرافضة في باب الصفات فهم معتزلة في تعطيل الأسماء والصفات، ولهم عقائد كثيرة. ومن الرافضة الاثنا عشرية الذين يعدون من أخبث طوائف الرافضة، الذين يكفرون الصحابة ويتهمون عائشة بمبرأ الله جل وعلا منه، ويزعمون أن القرآن ناقص، وعندهم غير ذلك من الكفريات الكثيرة. والرافضة سموا بذلك لأنهم رفضوا زيد بن علي، زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، حين طلبوا منه أن يتبرأ من أبي بكر وعمر، فأثنى عليهما وترحم عليهما، فرفضوه فسموا بالرافضة. ومن هذه الطوائف أيضا الجهمية، وهم من ينتسبون إلى الجهم بن صفوان، وهو إمام من أئمة الضلال، رئيس فرقة الجهمية الذين عطلوا ونفوا الأسماء والصفات، وقالوا بالجبر في باب القدر. وأيضا قالوا بأن القرآن مخلوق، وقالوا بالإيمان أنه مجرد تصديق القلب، فكانوا مرجعا في باب الإيمان. وكذلك أيضا قالوا: الإيمان مجرد المعرفة، معرفة الله، من عرف الله فهو مؤمن، والكفر هو الجهل بالله، والكفر هو الجهل بالله. ولهذا قال أهل العلم: فالجهم من أجهل الناس بالله، أكبر الناس بالله أجهل الناس بالله، لأنه لا يعرف الله سبحانه وتعالى بهذا الإيمان الذي قرره. ومنهم أيضا الخوارج، من هذه الفرق المبتدعة، الخوارج، والخوارج هو اسم لكل من خرج على الإمام الحق الذي اتفق عليه المسلمون، فيسمى خارجيا، والخروج سواء كان باللسان أو كان بالسيف والسنان، الخروج قد يكون باللسان أن يحرض الناس على الخروج على ولي الأمر، هذا يعتبر خارجيا، أو يكون بالخروج فعلا أن يخرج على ولي الأمر بالقتال ورفع السلاح. وكان أول ظهور الخوارج بزمن علي رضي الله تعالى عنه، حين خرجوا على علي في قضية التحكيم، ثم كفروا علي ومن معه من الصحابة رضي الله تعالى عنه. ومن عقائدهم أنهم فرق كثيرة، الخوارج فرق كثيرة، منهم المحكمة والأزارقة والإباضية وغيرهم، وكلهم يتفقون في البراءة من عثمان وعلي رضي الله تعالى عنهما، وهكذا يرون تكفير صاحب الكبيرة وأنه خالد مخلدا في نار جهنم. وهكذا أيضا من هذه الفرق القدرية، قال: «والخوارج والقدرية»، القدرية هم نفات القدر، نفات القدر هم على قسمين: الغلاة القدرية الذين نفوا العلم عن الله، وقالوا: إن الله لا يعلم الشيء إلا بعد وقوعه، وهؤلاء كفرهم السلف، وذكر علماء أن هؤلاء انقرضوا. والقسم الثاني غير الغلاة، الذين يثبتون العلم لكن ينكرون أن يكون الله جل وعلا خلق أفعال العباد، فهؤلاء ضلال. وأول من قال بالقدر معبد الجهني في البصرة، وأخذ هذه المقالة عن رجل مجوسي، وتبرأ منه ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، كما يفصح به مسلم، قال: «أخبروهم أني منهم بريء، وأنهم مني براء». ومن عقائد القدرية كما سمعنا أنهم نفات القدر، ينفون أن يكون الله عز وجل له قدرة ومشيئة على أفعال العباد. قال: «والمرجية أيضا من هذه الفرق المبتدعة الضالة»، فرقة المرجية، المرجية سموا بذلك لأنهم يقولون بإرجاء العمل، يعني تأخير الأعمال عن مسمى الإيمان، فعندهم أن الأعمال لا تدخل في الإيمان، وأن الإيمان مجرد تصديق القلب، اعتقاد القلب ونطق اللسان، وأن العمل لا يدخل في الإيمان، فعندهم أفجر الناس وأفسق الناس إيمانه كإيمان أتقى الناس، كإيمان أبي بكر وعمر، لماذا؟ لأن العمل عندهم ليس من الإيمان. ومن هؤلاء المرجية طوائف، ومنهم أيضا الجهمية، الجهمية مرجية، والأشاعرة كذلك، وغيرهم. ومن هذا الغث أيضا المعتزلة، قال: «والمعتزلة»، المعتزلة هم أتباع واصل بن عطاء، وواصل بن عطاء كان من تلاميذ الحسن البصري، فسئل الحسن البصري عن صاحب الكبيرة، فاعتزل واصل بن عطاء مجلس الحسن، وقال بأن صاحب الكبيرة في منزلة بين منزلتين، لا هو مؤمن ولا هو كافر، ثم أخذ هذا الفكر منه عمرو بن عبيد المعتزل، وظهرت هذه الفرقة، فرقة المعتزلة. وهم في باب الصفات معطلة للصفات، يثبتون الأسماء ويعطلون الصفات، وأيضا يقولون بكفر صاحب الكبيرة وبخلوده في النار في الآخرة، يقولون بأنه يخلد في نار جهنم في الآخرة، يحكم عليه بالكفر. أما في الدنيا قالوا: فهو في منزلة بين منزلتين، لا نقول مؤمن ولا نقول كافر. وهكذا أيضا الكرامية، وهم أتباع محمد بن كرام، وهم أيضا فرق كثيرة متعددة، كما ذكر البغدادي، منهم حقاقية وطرائقية وإسحاقية. وأيضا يقولون بالإرجاء. وهكذا أيضا منهم الكلابية، هم أتباع سعيد بن كلاب، ونظائرهم، يعني من أهل البدع والضلال، كالأشاعرة وغيرهم، كل هؤلاء من فرق الضلال، لأنهم كما سمعنا تسموا بغير الإسلام والسنة، وخالفوا الإسلام في كثير من الأمور التي جاءت بها الشريعة، وما كان عليه سلف الأمة من الصحابة رضوان الله تعالى عليهم ومن بعدهم. قال: «وأما بالنسبة إلى إمام في فروع الدين كالطوائف الأربع، فليس بمذموم»، فإن الاختلاف في الفروع رحمة، والمختلفون فيه محمودون في اختلافهم، مثابون في اجتهادهم، واختلافهم رحمة واسعة، واتفاقهم حجة قاطعة. يقول رحمه الله: أما بالنسبة إلى إمام في فروع الدين كالطوائف الأربع، فليس بمذموم، يعني من انتسب إلى إمام في فروع الدين، ويريد بفروع الدين أي مسائل الفقه. وإن كان هذا التقسيم، تقسيم الدين إلى فروع وأصول، تقسيم محدث، أول من أحدثه إسماعيل الأصم، وأنكره بعض الأئمة، كشيخ الإسلام، ومن القيم، ومراد به معنى باطلا، فجعلوا الأصول الدين ما ثبت بطريق التواتر، وفروع الدين ما ثبت بطريق الآحاد، ثم رتبوا على ذلك أن من أنكر شيئا من الأصول فهو كافر، ومن أنكر شيئا من الفروع غير كافر. ثم يذكر في الفروع أمورا من أصول الدين، كالصلاة مثلا، الصلاة تعتبر أصل من أصول الدين، هم يذكرونها في الفروع، فحصل هذا الخبط، وهذا التقسيم المحدث، فإنكره العلماء. وإن كان بعضهم يعني قد يعبر به من باب ما قد اشتهر في الاستعمال، ولا يراد به المعنى الباطل الذي يريده أهل الأهواء. فلا تستغرب أن تجد مثلا في كلام شيخ الإسلام استعمال هذا اللفظ، الفروع والأصول، وإن كان كثيرا ما يعبر بدل ذلك بالمسائل العلمية والمسائل العملية، وهذا التعبير أفضل وأحسن، أمور العقائد يعبر عنها بالمسائل العلمية، وأمور العبادات يعبر عنها بالمسائل العملية. فأراد رحمه الله أن الانتساب إلى بعض المذاهب كالمذاهب الأربعة التي هي مذاهب في الفقه مشهورة، أن هذا ليس بمذموم، وكلامه صواب، ليس بمذموم، لكن إذا لم يكن على سبيل التعصب، أما إذا كان ينتسب إلى مذاهب من المذاهب ويتعصب لهذا المذهب، هذا مذموم، هذا مذموم. أما إن كان من غير تعصب، ينتسب إليه من باب دراسة الفقه، كونه مثلا يدرس الفقه على مذهب الإمام الشافعي مثلا، ويتفقه عليه، ثم يرجح ما يؤيده الدليل، سواء كان في مذهب الشافعي أو مذهب الإمام أحمد أو مالك أو أبي حنيفة، هذا صواب وأمر حسن. أما أن يتعصب للمذهب، ما يقبل شيئا خلاف ما في المذهب، وإن كان ما في المذهب خطأ، هذا أمر باطل ولا يجوز. قال: «فإن الاختلاف في الفروع رحمة»، طبعا أصحاب هؤلاء المذاهب، كما سمعنا، هؤلاء الأئمة، أبو حنيفة النعمان بن ثابت، والإمام مالك، مالك بن أنس، إمام دار الههجرة، وأبو حنيفة كان إمام أهل العراق، والإمام الشافعي، محمد بن إدريس رحمه الله، وكان في مصر، والإمام أحمد بن حنبل الشيباني، وأيضا كان من أهل العراق. والإمام مالك، والإمام الشافعي تلميذ الإمام مالك، والإمام أحمد تلميذ الإمام الشافعي، هؤلاء أصحاب المذاهب الأربعة المشهورة، لهم فروع واختيارات في الفقه، ثم تابع أو تابعهم كثير من العلماء، وانتسب إليهم في أخذ الفقه ودراسة المسائل الفقهية. فيقول: الانتساب إلى إمام من هؤلاء الأئمة ليس بمذموم، كما سمعنا، إذا كان من غير التعصب، وإنما لأجل دراسة الفقه والوقوف على فروع المسائل الفقهية، وتقريب علم الفقه، فهذا لا بأس، أمر حسن، من غير تعصب المذهب. قال: «فإن الاختلاف في الفروع رحمة، والمختلفون فيه محمودون في اختلافهم»، الاختلاف في الفروع رحمة، يعني في المسائل التي يسوغ فيها الخلاف، المسائل التي يسوغ فيها الخلاف، ولا يوجد فيها نص صريح في المسألة، وإنما الخلاف خلاف أفهام أو تنوع، فلا بأس، هذا من الرحمة، من رحمة الله جل وعلا. قال: «والمختلفون فيه محمودون في اختلافهم، مثابون في اجتهادهم». والخلاف الذي لا يؤاخذ عليه الإنسان إذا كان الخلاف خلاف تنوع أو خلاف أفهام، بخلاف خلاف التضاد، فالخلاف انقسم إلى ثلاثة أقسام: خلاف أفهام، وخلاف تنوع، وخلاف تضاد. خلاف الأفهام: أن يكون الخلاف في فهم الدليل، أن يكون الخلاف في فهم الدليل، ويكون كلا الفهمين يحتمله الدليل، فهذا رحمة، وكلا الصنفين غير مؤاخذ. ودليله قول النبي عليه الصلاة والسلام، كما في صحيح البخاري: «لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريضة»، لما أراد النبي صلى الله عليه وسلم فتح بني قريضة ومحاصرتهم، قال: «لا يصلي أحدكم العصر إلا في بني قريضة»، فمنهم من فهم أنه لا يصلي ولو خرج الوقت إلا في بني قريضة، ومنهم من فهم أن المراد بذلك الإسراع للوصول إلى بني قريضة، لكن ليس معنى أن يخرج الصلاة عن وقتها، فصل في الوقت قبل أن يصل إلى بني قريضة. فلم يعنف النبي عليه الصلاة والسلام أحدا، لا الذين صلوا وأخروا الصلاة فصلوا في بني قريضة، ولا الذين صلوا قبل أن يصلوا إلى بني قريضة، لماذا؟ لأن هذا الخلاف خلاف فهم، هذا فهم من الحديث هكذا، وهذا فهم من الحديث هكذا، وكل الفهمين محتمل، كلا يحتمله، هذا يسمى اختلاف أفهام. فيأتي مثلا عالم من العلماء إلى حديث، فيفهم بفهم، ويفهمه الآخر بفهم آخر، وكل الفهمين محتمل، فهذا يسع الخلاف، فلا يشنع أحدهما على الآخر، لا يشنع أحدهما على الآخر. مثلا في قول النبي عليه الصلاة والسلام: «توضأ من لحوم الإبل»، «ولا توضأ من لحوم الغنم»، اختلف أهل العلم في معنى الوضوء، ما المراد به؟ هل هو الوضوء الشرعي أو الوضوء اللغوي؟ منهم من فهم أن المراد الوضوء اللغوي، فقال: المراد بالوضوء هنا غسل اليدين، ليس الوضوء الشرعي، فقالوا: من أكل لحم الإبل لم ينتقض وضوءه، عليه أن يغسل يديه فقط. ومنهم من قال: المراد بالوضوء الوضوء الشرعي، فمن أكل لحم الإبل عليه أن يتوضأ، وهذا القول هو الصواب، لكن هذا الخلاف خلاف أفهام، خلاف أفهام يسعه الدليل، يسع هذا الخلاف. النوع الثاني من أنواع الخلاف: خلاف التنوع، كان يرد مثلا كثير من الأحاديث في صفة شيء، فيختار بعض العلماء صفة من الصفات، ويختار الآخر صفة أخرى. مثلا أدعية الاستفتاح، وردت فيها أحاديث كثيرة، كحديث علي رضي الله عنه: «وجهت وجهي لذي فطر السماوات والأرض»، حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «اللهم باعد بيني وبين خطاياي»، حديث عمر في دعاء الاستفتاح. فإذا اختار أحد العلماء هذا الحديث، واختار الآخر حديثا آخر، هذا يسمى اختلاف تنوع، هذا يسع الخلاف، لأن كله جائز، إن قلت هذا الدعاء أو قلت هذا الدعاء، فكله جائز. مثل أيضا صيغة التشهد، وردت فيها أحاديث متعددة، حديث ابن عباس، حديث ابن مسعود، حديث عمر، فإن قلت بأحد هذه الأحاديث فأنت مصيب، وهذا يسمى خلاف تنوع، وهذا جائز. النوع الثالث، وهو خلاف التضاد، هذا النوع هو الذي لا يقبل، ولا يجوز أن يوجد الخلاف عند وجود النصوص، خلاف التضاد: أن تصادم النص وتخالفه، النص موجود، فتأتي تخالف هذا النص وتضاد هذا النص، هذا الخلاف غير مسوغ ولا يجوز. يأتي شارح يقول: الغناء حلال، لماذا؟ الله في عالم، علماء افتى بجوازه، إذن مسألة خلافية، هل يقبل هذا الخلاف؟ الجواب: لا، نقول: هذا خلاف مصادم للنص، عندنا أدلة كثيرة في تحريم الغناء، بل أنقل الإجماع، لقاله غير واحد من أهل العلم على تحريم الغناء، كيف يأتي من يقول: الغناء حلال؟ هذا قوله مردود ومصادم للنص. أو من يأتي مثلا فيقول: الربا حلال، أو تبرج النساء حلال، أو غير ذلك من الأمور المحرمة، ويزعم أن في المسألة خلاف، هذا الخلاف مردود، هذا يسمى خلاف التضاد. إذن الخلاف الذي في المسألة يسع فيه الخلاف ويحتمله الخلاف، ما كان من خلاف الأفهام أو خلاف التنوع. قال رحمه الله: «نسأل الله أن يعصمنا من البدع والفتنة، ويحيينا على الإسلام والسنة، ويجعلنا ممن يتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحياة، ويحشرنا في زمرته بعد الممات، برحمته وفضله، آمين». وهذا آخر المعتقد، والحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمد، وآله وصحبه وسلم تسليما. وبهذا نكون إن شاء الله انتهينا من قراءة هذا الكتاب النافع، نسأل الله جل وعلا أن ينفعنا به، وأن يغفر لمؤلفه، وأن يسكنه فسيح جناته. إلى هنا صلى الله وسلم عن نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.