شرح لمعة الإعتقاد 14

الدرس في شرح لمعة الإعتقاد 14، ألقاها

عقيدة أهل السنة والجماعة في رؤية الله تعالى

يؤكد على أن من عقيدة أهل السنة أن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة بأعينهم، وأن هذه الرؤية ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع. يبين أن الجهمية والمعتزلة والأشاعرة أنكروا أو حرفوا هذه الرؤية.

إثبات رؤية الله تعالى يوم القيامة وفي الجنة

يتناول إثبات رؤية المؤمنين لله جل وعلا يوم القيامة وفي الجنة مستنداً إلى أحاديث نبوية صحيحة. يوضح أن هذه الرؤية تكون بدون تشبيه أو تمثيل.

الرد على شبهات من أنكر رؤية الله جل وعلا

يتناول الرد على شبهات الجهمية الذين أنكروا رؤية الله جل وعلا مستدلين بآيات معينة، ويظهر كيف رد أهل السنة على هذه الشبهات.

خاتمة بالدعاء والصلاة على النبي

يتضمن دعاءً بأن ينظر الله تعالى إلى وجهه الكريم ويجعلنا من أهل الجنة ويختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.

  • 20 جمادى الأولى 1439هـ - 05/02/2018مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، أبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام ابن قدامة رحمه الله في كتابه "لمعة الاعتقاد"، فصل "رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة": "قال والمؤمنون يرون ربهم في الآخرة بأبصارهم، ويزورونه، ويكلمهم، ويكلمونه". قال الله تعالى: ﴿وجوه يومئذ ناظرة إلى ربها ناظرة﴾، وقال تعالى: ﴿كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون﴾. فلما حجب أولئك في حال السخط، دل على أن المؤمنين في حال يرونه في حال الرضا، وإلا لم يكن بينهما فرق. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إنكم ترون ربكم كما ترون هذا القمر، لا تضامون في رؤيته"، حديث صحيح متفق عليه. هذا الفصل، قالوا: هذا تشبيه للرؤية بالرؤية، لا للمرء بالمرء، فإن الله تعالى لا شبيه له ولا نظير. هذا الفصل ذكر فيه رحمه الله ما يتعلق برؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة. فإن من عقيدة أهل السنة والجماعة أن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة بأعينهم، رؤية حقيقية. ويعد رؤية الله جل وعلا في الآخرة من أعظم نعيم أهل الجنة، من أعظم نعيم أهل الجنة. وكذلك أيضا من أعظم ما يتمنى المؤمن رؤية الله سبحانه وتعالى. ودلة الأدلة من الكتاب والسنة وإجماع السلف على إثبات رؤية الله جل وعلا في الآخرة. أما في الدنيا، فإن الله جل وعلا لا يرى. ومن ادعى أن الله يرى بالأعين في الدنيا، فهو مدعون ظالم. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: "اعلموا أنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا". وإنما الكلام في رؤية الله جل وعلا في الآخرة، فهي ثابتة بدلالة الكتاب والسنة والإجماع. وأنكر رؤية الله جل وعلا في الآخرة الجهمية والمعتزلة والأشاعرة، قالوا: يرى لا في محل. فأثبتوا أنه يرى، لكن لم يثبتوا حقيقة الرؤية التي يثبتها أهل السنة والجماعة، فهم في الحقيقة ينفون رؤية الله جل وعلا. ومن أدلة إثبات رؤية الله جل وعلا ما ذكره المؤلف رحمه الله في هذا الفصل من القرآن، كقوله جل وعلا: ﴿وجوه يومئذ ناظرة إلى ربها ناظرة﴾. وجوه يومئذ ناظرة، ناظرة يعني من النظرة، من النعيم والبهجة والسرور والفرح. كما في قول النبي صلى الله عليه وسلم: "نظر الله أمر أن سمع مني مقالا فحفظه"، الحديث، يعني جعل في وجهه النظارة، الحسن والبهاء والجمال. فهو المراد في قوله: ﴿وجوه يومئذ ناظرة إلى ربها ناظرة﴾، أي تنظر إلى الله جل وعلا بأعينها. والشاهد من هذه الآية أن الله جل وعلا أثبت الرؤية لأهل الإيمان لربهم سبحانه وتعالى، وأنهم ينظرون إلى الله جل وعلا. والنظر إذا عدي بإلى دل على معنى نظر العين، دل على نظر العين. كما في قوله جل وعلا: ﴿انظر إلى ثمره إذا أثمر﴾، يعني بعينكم. وأما قول أهل الأهواء: أن المراد بالنظر هنا الانتظار، فيقال: هذا إذا لم يعد بشيء، إذا ذكر النظر من غير أن يعد بشيء، فيكون بمعنى الانتظار. كما في قول الله جل وعلا في إخباره عن أهل النفاق: ﴿انظرونا نقتبس من نوركم﴾، يعني انتظرونا. نعم، وإذا عدي بالفاء كان بمعنى التفكر والاعتبار: ﴿أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم﴾، فينظروا يتفكروا يعتبروا. أما النظر إذا عدي بإلى، فهو بمعنى نظر العين، وهو المراد في هذه الآية. قال: وإذا قوله جل وعلا: ﴿كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون﴾، فلما أخبر الله جل وعلا أنه محجوب عن الكفار، دل على أن المؤمنين يرونه، كما ذكر رحمه الله. فلما حجب أولئك في حال السخط، يعني الغضب عليهم، دل على أن المؤمنين يرونه في حال الرضا، وإلا لم يكن بينهما فرق. يعني إذا كان المؤمنون لا يرون الله جل وعلا، فلا فرق بينهم وبين الكافرين. والله عز وجل أخبر أنه يحجب عن الكافرين فقط، فدل هذا على أنه لا يحجب عن أهل الإيمان. وأيضا من أدلة القرآن، قول الله جل وعلا: ﴿للذين أحسنوا الحسنى وزيادة﴾، فسرت الزيادة بأنها النظر إلى وجه الله جل وعلا، كما ثبت ذلك عن جمع من السلف. وهكذا أيضا في قول الله جل وعلا: ﴿ولدينا مزيد﴾. وهكذا أيضا آيات اللقاء التي فيها ذكر لقاء الله جل وعلا، كقول سبحانه: ﴿إن الذين لا يرجون لقاءنا﴾، فهي متضمنة لمعنى أو لإثبات الرؤية لله جل وعلا. وأما في السنة، فأحاديث كثيرة. ذكر المؤلف رحمه الله من حديث جرير بن عبد الله البجلي في الصحيحين: "إنكم ترون ربكم كما ترون هذا القمر، لا تضامون في رؤيته". هذا الحديث فيه إثبات رؤية المؤمنين لله جل وعلا، هو صريح في ذلك. حتى قال وكيع رحمه الله: من أنكر حديث إسماعيل، من أبي خالد عن قيس، من أبي حازم في الرؤية، فهو جهمي. أي هذا الحديث: "إنكم ترون ربكم كما ترون هذا القمر، لا تضامون في رؤيته"، يعني لا تتزاحمون في رؤيته، كما أنك ترى القمر في الدنيا لا تزاحم أحدا من الناس في رؤيته. كذلك ترى الله جل وعلا يوم القيامة من غير أن تزاحم أحدا. وهنا التشبيه تشبيه الرؤية بالرؤية، تشبيه رؤية الله برؤية القمر. كما أنك ترى القمر بعينك، هكذا ترى الله عز وجل يوم القيامة بعينيك. لا تشبيه المرء بالمرء، لأن الله جل وعلا لا يماثله شيء سبحانه وتعالى، ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير. وهذا كذلك من السنة، حديث أبي هريرة، ومعناه ثبت في صحيح مسلم، فيما أخبر به النبي عليه الصلاة والسلام فيما يقع في أرض المحشر: أن الله جل وعلا يقول: "ليعبد ليتبع كل قوم ما كانوا يعبدون"، فيتبع القمر من كان يعبد القمر، ومن كان يعبد الشمس فيتبع الشمس، ومن كان يعبد الطواغيت فيتبع الطواغيت، حتى يبقى المؤمنون، وفيهم منافقوها، يعني من أهل النفاق ممن كان يظهر الإيمان والإسلام. وغبرات من أهل الكتاب، يعني بقايا. فيأتيهم الله جل وعلا في صورته، الحديث. وهكذا أيضا حديث عمار بن ياسر عند النسائي والحاكم، في دعاء النبي عليه الصلاة والسلام: "أنه كان يقول: اللهم إني أسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك، من غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة"، الحديث، وهو حديث صحيح، صححه الشيخ الألباني رحمه الله في صحيح الجامع. فالنبي عليه الصلاة والسلام كان يسأل الله جل وعلا لذة النظر إلى وجه الله، ولو كان الله جل وعلا لا يرى، لما سأل النبي عليه الصلاة والسلام ربه جل وعلا ذلك. فإنه يستحيل أن يسأل شيئا لا يمكن، أو شيء يعني مستحيل أن يقع، وهو أعرف الناس، وأعرف الخلق بربه جل وعلا. وهكذا أيضا غيرها من الأحاديث الدالة على إثبات رؤية الله جل وعلا. وأجمع السلف رحمهم الله على إثبات رؤية الله، إثبات رؤية المؤمنين لربهم جل وعلا. والمؤمنون يرون الله جل وعلا في موضعين: في أرض المحشر، وفي الجنة بعد دخول الجنة. واختلف أهل العلم: هل يراه غيرهم من الكفار أو من المنافقين؟ على أقوال. والصحيح أنهم يرونه. أما المنافقون، فدل عليه حديث أبي سعيد الخدري، في قوله عليه الصلاة والسلام: "فيبقى من كان يعبد الله من أهل الإيمان، وفيهم منافقوها"، الحديث، ذكر بقاء المنافقين مع أهل الإيمان. "فيأتيهم الله جل وعلا فيكشف عن ساق، فيسجد كل من كان يعبد الله جل وعلا في هذه الدنيا، فيأتي المنافقون ليسجدوا، فيرجع ظهرهم طبقا واحدا، فيخرون على أقفيتهم"، الحديث. فيدل هذا على أن المنافقين يرونه. وهكذا أيضا غبرات أهل الكتاب، أي بقايا من أهل الكتاب، كما ورد في الحديث كذلك. وأما الكفار، فإنهم يرونه رؤية تقريع وتوبيخ، رؤية تقريع وتوبيخ. وأما الآية: ﴿كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون﴾، يعني محجوبون عن رؤية الله جل وعلا، رؤية رضا ولذة ونعيم. فهذه يحرم منها الكفار، ويرونه رؤية تقريع وتوبيخ، كما في الأدلة الأخرى كذلك. أيضا اختلف أهل العلم: هل يرى النساء الله جل وعلا؟ ذكر الإمام ابن الجوزي رحمه الله ثلاثة أقوال. منهم من قال: لا يرونه. ومنهم من قال: يرونه في الأعياد والمناسبات. ومنهم من قال: يرونه كما يراه المؤمنون من الرجال. وهذا هو الصحيح، لعموم الأدلة الدالة على إثبات رؤية المؤمنين لربهم جل وعلا: ﴿للذين أحسنوا الحسنى وزيادة﴾، هذه الآية عامة. فيدخل فيها من كان من أهل الجنة من النساء ممن أحسنت في هذه الدنيا، فهي داخلة في عموم هذه الآية. وكذلك أيضا أن من النساء من هي خير من كثير من الرجال، كخديجة وعائشة رضي الله تعالى عنهما، وغيرهما من النساء. فكيف تحجب من كملت في إيمانها وصلاحها واستقامتها، ويرى الله جل وعلا من هو دون ذلك؟ وأما استدلال من منع رؤية النساء لله جل وعلا، بقوله سبحانه: ﴿حور مقصورات في الخيام﴾، قالوا: هذه الآية تدل على أن النساء في الجنة يحبسن في الخيام، ولا يخرجن. فيقال: لا يمنع من كونهن في الخيام أن يرين الله جل وعلا، لا مانع من ذلك. هي في خيمتها، وترى الله جل وعلا، وهي في خيمتها وبيتها، لعموم الأدلة الدالة على ذلك. وأنكر كما سمعنا الجهمية رؤية الله جل وعلا، واستدلوا ببعض الشبه، واستدلوا ببعض الآيات التي ظنوا أنها تدل على رأيهم، وما ذهبوا إليه من نفي رؤية الله جل وعلا يوم القيامة. ومنها قول الله جل وعلا لموسى حين طلب من الله أن يراه، وأن يظهر له: ﴿قال الله عز وجل لن تراني﴾، قالوا: فالله عز وجل أخبر أنه لا يرى. قال الله: "لن تراني"، قال: إذن الله جل وعلا لا يرى. ورد عليهم أهل السنة بنفس الآية، وكما قال الحافظ ابن القيم رحمه الله في "صواعق المرسلة": "ما من دليل يستدل به أهل الباطل على باطلهم، إلا ورد عليهم بنفس الدليل، إلا وكان في هذا الدليل، في هذه الآية، دليل عليهم". فهذه الآية، قول الله جل وعلا لموسى: ﴿لن تراني﴾، فيها دليل على إثبات الرؤية من عدة وجوه. منها أن الله جل وعلا علق الرؤية بشيء ممكن، وهو بقاء الجبل. قال: ﴿ربي أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني﴾. فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا. فعلق الله جل وعلا الرؤية بشيء ممكن، وهو بقاء الجبل، دل هذا على أن الرؤية ممكنة. لو تحمل هذا الجبل رؤية الله لظهر الله عز وجل لموسى، لكن أراد الله جل وعلا أن يبين له أنه لا يتحمل ذلك. إذا كان هذا الجبل الصلب القوي ما تحمل رؤية الله، فكيف به الإنسان الضعيف؟ الأمر الثاني: أن موسى طلب من الله جل وعلا أن يظهر له، وما أنكر الله عليه ذلك. ما قال لموسى: لا تطلب شيئا لا يمكن أو مستحيل. فكون الله جل وعلا لم ينكر عليه طلبه ذلك، دل على أن هذا الأمر ممكن، وأنه ماذا جائز. الأمر الثالث: أن الله جل وعلا لم يقل لموسى: إني لا أرى. قال: "لن تراني". ما قال: لا أرى. لو قال: لا أرى، صح هذا نفي الرؤية، لكن قال: "لن تراني"، يعني الآن في الدنيا، لكن في الآخرة جعل الله جل وعلا للإنسان قدرة واستطاعة، ينشئ الله جل وعلا نشأة أخرى، يكون قادرا ومتحملا لرؤية الله جل وعلا. الأمر الرابع: أن "لن" لا تفيد التأبيد. فالجهمية قالوا: "لن" تفيد التأبيد. "لن تراني" إذن لن تراني مؤبدا مطلقا. والصحيح أن "لن" لا تفيد التأبيد في اللغة العربية، كما قال ابن مالك: "ومن رأى النفي بلا مؤبدا فقوله ردد وسواه فعضدا". إذن ليس لهم في هذه الآية دليل على نفي الرؤية. واستدلوا أيضا بقول الله جل وعلا: ﴿لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير﴾، فقالوا: نفى الله جل وعلا أن تدركه الأبصار، ومعنى "لا تدركه" قالوا: أي لا تراه. فدلت الآية على نفي رؤية الله جل وعلا. ورد عليهم بنفس الآية: بأن نفي الإدراك لا يقتضي نفي الرؤية، وإنما هو نفي للإحاطة. "لا تدركه الأبصار" أي لا تحيط به الأبصار، لعظمته سبحانه وتعالى وجلالته. ولا يلزم من نفي الإدراك نفي الرؤية. لا يلزم من نفي الإدراك نفي الرؤية. ويدل على ذلك ما أخبر الله جل وجل في قصة موسى: لما خرج مع قومه فارين وهاربين من فرعون وجيشه وبطشه، أدركهم البحر. فقال أصحاب موسى: ﴿إنا لمدركون﴾، قال موسى: ﴿كلا﴾. نفى ماذا؟ نفى الإدراك. أصحاب موسى قالوا: "إنا لمدركون"، خلاص سيدركنا فرعون وجنوده، البحر أمامنا والعدو خلفنا. فقال موسى: "كلا"، نفى الإدراك، يعني لسنا بمدركين. طيب هل قوله "كلا" ونفيه للإدراك، نفى بذلك الرؤية؟ رؤية العدو؟ الجواب: لا، هم يرون العدو أمامهم، خلفهم فرعون وجنوده. فلم يلزم من نفي الإدراك نفي الرؤية، لكن نفى الإحاطة. قال: "كلا" يعني نحن لسنا محاطبنا. والله جل وعلا سيجعل لنا فرجا ومخرجا. فلم يلزم من نفي الإدراك نفي الرؤية. وكذلك في هذه الآية: ﴿لا تدركه الأبصار﴾، أي لا تحيط به الأبصار. وأما رؤية الله جل وعلا، فهي ثابتة في هذه الآية نفسها: بأن المؤمنين يرونه، لكن لا يحيطون به، لا يحيطون به. كما دلت الأدلة الأخرى على إثبات رؤية الله جل وعلا. وهذه من أقوى الشبه التي استدلوا بها على نفي رؤية الله جل وعلا. نسأل الله جل وعلا ألا يحرمنا وإياكم من النظر إلى وجهه الكريم، وأن يجعلنا سبحانه من أهل الجنة، ويبعدنا عن النار. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، آله وصحبه أجمعين.

شاركنا على